معاريف : اسرئيل تواجه تهديدات وجودية قد لا تبلغ عام 2048.. وتدعو الي تنفيذ خطة غزة بجدية

- ‎فيعربي ودولي

حذّر الكاتب الإسرائيلي دان بيري، في مقال نشرته صحيفة «معاريف» العبرية، من أن إسرائيل تواجه تهديدات وجودية متزايدة وتآكلًا داخليًا قد يُهددان قدرتها على الصمود حتى الذكرى المئوية لتأسيسها عام 2048، داعيًا إلى تشكيل حكومة «إنقاذ وطني» تتولى تنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة.

ويرى بيري، الرئيس السابق لمكتب وكالة أسوشيتد برس في أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، ومؤلف كتب عن إسرائيل، أن البلاد وصلت إلى مرحلة لم تعد معها السياسة التقليدية كافية لمعالجة أزماتها، محذرًا من أن استمرار المسار الحالي قد يقود إلى عزلة دولية واقتصاد أكثر هشاشة وتراجع في القدرات العسكرية والاجتماعية.

ويطرح الكاتب 12 مهمة عاجلة يرى أنها ضرورية لـ«إنقاذ إسرائيل»، تبدأ بإعادة بناء المؤسسات الديمقراطية والمساءلة، ولا تنتهي بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق وفرض الخدمة العسكرية أو الوطنية على جميع الإسرائيليين.

 

من «جبهة الإنقاذ» الرومانية إلى إسرائيل

يستهل بيري مقاله باستعادة تجربته المهنية الأولى مراسلًا أجنبيًا في رومانيا عام 1990، بعد أسابيع من الثورة التي أطاحت بنيكولاي تشاوشيسكو، حين أطلقت القيادة الجديدة على نفسها اسم «جبهة الإنقاذ الوطني». ويقول إن رومانيا كانت في ذلك الوقت بحاجة فعلية إلى الإنقاذ، بعدما خلف الحكم الشيوعي اقتصادًا منهكًا ومؤسسات محطمة وشعبًا يائسًا.

ومن هذه التجربة، ينتقل الكاتب إلى إسرائيل، معتبرًا أن هناك لحظات تصبح فيها السياسة العادية غير كافية، ويصبح «الإنقاذ» ضرورة، وأن إسرائيل وصلت، في رأيه، إلى مثل هذه اللحظة.

ويربط بيري مستقبل البلاد بنتائج الانتخابات المقبلة، معتبرًا أن استمرار بنيامين نتنياهو في الحكم، من وجهة نظره، قد يقود إلى كارثة يصعب تقدير حجمها، بينما ستواجه المعارضة، إذا فازت، مهمة إدارة بلد يعاني من صدمة عميقة وضعف مؤسساتي وعزلة دولية متزايدة.

 

العزلة الدولية.. والاقتصاد في قلب الأزمة

يُعبر الكاتب عن قلقه من التراجع الذي يقول إنه طرأ على مكانة إسرائيل الدولية، مستندًا إلى خبرته في الأوساط السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة وأوروبا.

ويحذر من أن استمرار العزلة قد ينعكس على الاقتصاد والأمن معًا، معتبرًا أن إسرائيل المعزولة يمكن أن تصبح دولة أكثر فقرًا، بما يضعف مجتمعها وجيشها ويجعلها أكثر عرضة للخطر.

ويرى بيري أن الأزمات مترابطة؛ فالاحتلال والحروب، بحسب طرحه، يغذيان العزلة الدولية، بينما تؤدي العزلة إلى إضعاف الاقتصاد والأمن، وتزيد التشوهات السياسية والمالية الداخلية من هشاشة الدولة.

كما يربط الكاتب جانبًا من الأزمة بالنمو السكاني داخل المجتمع الحريدي، معتبرًا أن معدل المواليد المرتفع في هذا القطاع، في ظل نظام الحوافز القائم، يفرض تحديات اقتصادية متزايدة.

 

1. إعادة بناء المساءلة والديمقراطية

يدعو بيري إلى تشكيل لجنة تحقيق حكومية للتحقيق في أحداث 7 أكتوبر، معتبرًا أن المساءلة عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم تمثل خطوة أساسية لإعادة بناء الثقة بالمؤسسات.

كما يدعو إلى إلغاء التعديلات القانونية والدستورية التي أقرها ائتلاف نتنياهو، خصوصًا الإجراءات التي يقول إنها أضعفت صلاحيات النائب العام واستقلال المحاكم والمستشارين القانونيين والجهات الرقابية.

ويشدد على ضرورة خضوع الوزراء، مثل غيرهم، لأحكام القضاء، معتبرًا أن الإصلاح القانوني يمكن مناقشته مستقبلًا في أجواء أكثر هدوءًا وبناءً على توافق واسع.

 

2. قبول خطة ترامب بشأن غزة

في الملف الفلسطيني، يدعو بيري الحكومة الإسرائيلية المقبلة إلى قبول خطة دونالد ترامب بشأن غزة وتنفيذها «بحسن نية».

ويقترح أن تعلن إسرائيل قبولها الخطوط العريضة للخطة، وأن تنسحب من المناطق التي تنص الخطة على الانسحاب منها إذا قامت حماس بنزع سلاحها، وأن تتعاون مع قوة الاستقرار الدولية ومجلس السلام، وتقبل السلطة الفلسطينية التي ستنشأ وفق الخطة. كما يدعو إسرائيل إلى المشاركة في إعادة إعمار غزة والمساهمة في حشد التمويل العربي والدولي للقطاع.

ويطرح الكاتب هذا المسار باعتباره محاولة للخروج من دائرة الحرب وتحويل القوة العسكرية الإسرائيلية إلى إنجازات سياسية، بدل استمرار الحرب باعتبارها هدفًا قائمًا بذاته.

 

3. إنهاء عنف المستوطنين وتجميد التوسع

يدعو بيري إلى إنهاء ما يصفه بـ«الإرهاب اليهودي» في الضفة الغربية، وإنهاء الحصانة التي يتمتع بها المتطرفون الإسرائيليون العنيفون، وحظر المنظمات المتورطة في العنف، ومصادرة الأسلحة غير القانونية وتفكيك البؤر المسلحة.

كما يطالب بمنح الجيش الإسرائيلي تعليمات واضحة لحماية الفلسطينيين من اعتداءات الإسرائيليين، معتبرًا أن حماية المدنيين الفلسطينيين يجب أن تكون جزءًا من المهمة الأمنية.

وفي الوقت نفسه، يدعو إلى تجميد التوسع الاستيطاني خارج الكتل الكبرى، خصوصًا المستوطنات المعزولة في عمق الضفة الغربية، للحفاظ على إمكانية قيام تسوية سياسية مستقبلية.

ويقترح أن تضمن إسرائيل بقاء الكتل الاستيطانية الرئيسية ضمن أي تسوية مستقبلية، مع تقديم حوافز للمستوطنين المقيمين خارج السياج الأمني للعودة إلى داخل إسرائيل.

 

4. إعادة بناء الاستراتيجية الإقليمية

يقترح الكاتب إعادة صياغة استراتيجية إسرائيل تجاه دول المنطقة، ومنح لبنان وسوريا فرصة جديدة، مع إعلان إسرائيل عدم وجود أطماع إقليمية لديها خارج هضبة الجولان.

كما يدعو إلى دراسة مدى جدية الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع في تحقيق السلام، والتعامل معها على هذا الأساس، إلى جانب مساعدة لبنان في مواجهة حزب الله، وفق تصوره.

أما تجاه إيران، فيدعو بيري إلى استبدال ما يصفه بحرب الاستنزاف باستراتيجية طويلة الأمد تجمع بين الردع العسكري والدبلوماسية والضغط الاقتصادي، بالتنسيق مع الولايات المتحدة والحلفاء.

كما يدعو إلى وقف العمليات العسكرية التي لا تكون، بحسب طرحه، مرتبطة بأهداف واضحة أو منسقة ومعلنة، وإلى تعزيز التواصل مع السعودية ضمن مسار إقليمي يرتبط أيضًا بإمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلًا.

 

5. مصر والأردن.. أولوية أمنية وسياسية

يشدد بيري على ضرورة جعل العلاقات مع مصر والأردن أولوية وطنية لإسرائيل، داعيًا إلى تقدير الدور الذي لعبته الدولتان في الحفاظ على اتفاقيات السلام لعقود.

ويقترح تعميق العلاقات الاقتصادية والأمنية، وإمكانية تطوير العلاقات الثقافية حيثما كان ذلك ممكنًا ومقبولًا من الطرفين.

ويعكس هذا الطرح إدراكًا لأهمية الدولتين في البيئة الإقليمية المحيطة بإسرائيل، خصوصًا في ظل التحولات التي فرضتها الحرب على غزة والتوترات الإقليمية المتصاعدة.

 

6. احتضان المجتمع العربي

ينتقل بيري إلى الداخل الإسرائيلي، داعيًا إلى التعامل مع الجريمة المنظمة داخل المجتمع العربي باعتبارها «حالة طوارئ وطنية».

ويقترح تعزيز الوجود الأمني عند الضرورة، وملاحقة مصادر تمويل التنظيمات الإجرامية وشبكات السلاح، ومحاسبة المسئولين عنها.

كما يدعو إلى تعديل القانون الأساسي المتعلق بكرامة الإنسان وحريته بما يضمن المساواة بصورة صريحة، وإنشاء آليات شفافة لتمويل السلطات المحلية العربية، وإطلاق مشروع وطني لتطوير البنية التحتية والخدمات التي يعتبرها مهملة. ويرى الكاتب أن الخطوة التالية ينبغي أن تكون فتح حوار جاد مع القيادات العربية بشأن الخدمة الوطنية.

 

7. إعلان «حالة طوارئ» في التعليم

يضع بيري التعليم في قلب الإصلاح الداخلي، محذرًا من تراجع الطلاب الإسرائيليين في الرياضيات والعلوم، واتساع الفجوات التعليمية بين الفئات القوية والضعيفة. ويرى أن استمرار هذا الوضع يتعارض مع رغبة إسرائيل في الحفاظ على موقعها كقوة تكنولوجية.

 

لذلك يدعو إلى استثمارات ضخمة في التعليم الحكومي، والمعلمين، والرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية والتربية المدنية.

كما يطالب بربط التمويل الحكومي بالتزام المدارس بتدريس المناهج الأساسية كاملة، وتوظيف معلمين مؤهلين والخضوع للإشراف والاختبارات، بما يشمل المدارس الحريدية ودراسة العبرية في القطاع العربي.

 

8. تغيير منظومة الحوافز

يقترح بيري إعادة صياغة نظام الحوافز الاجتماعية والمالية، بما في ذلك إلغاء إعانات الأطفال تدريجيًا بدءًا من الطفل الرابع، وتقليص موازنات المدارس الدينية، وإلغاء بعض الوظائف التي يرى أنها غير ضرورية وممولة من الدولة.

وفي المقابل، يدعو إلى إنشاء هيئة وطنية للاندماج بميزانية ضخمة، تتولى توفير تعليم الكبار واستكمال الدراسات الأساسية والتأهيل الجامعي والتدريب المهني والتكنولوجي والمساعدة على الاندماج في سوق العمل.

ويطرح أن تكون هذه المسارات متاحة للحريديم والعرب الراغبين في الاندماج بصورة أكبر في المجتمع الإسرائيلي، سواء عبر الخدمة العسكرية أو الوطنية.

 

9. التجنيد الإجباري للجميع

يعتبر الكاتب قضية التجنيد واحدة من أكثر الملفات حساسية، داعيًا إلى إلغاء الإعفاء من الخدمة العسكرية أو الوطنية لمجرد الدراسة في المعاهد الدينية.

ويقترح سن قانون للخدمة الإلزامية الشاملة وتطبيقه تدريجيًا، مع فرض العقوبات نفسها على الحريديم الذين يتهربون من الخدمة كما تفرض على غيرهم. كما يدعو إلى حرمان المتهربين من بعض المزايا، ووقف تمويل المؤسسات التي تساعد على التهرب من الخدمة.

ويقر بيري بأن تطبيق هذا المسار لن يكون سهلًا في ظل غياب التوافق السياسي، لكنه يرى أن التنفيذ الحازم يمكن أن يغير المعادلة تدريجيًا.

 

10. إعادة ترتيب أولويات الإنفاق

يرى الكاتب أن الأزمة لا يمكن معالجتها من خلال إصلاحات منفصلة، بل تتطلب إعادة ترتيب شاملة للأولويات الوطنية.

ويقول إن إسرائيل أنفقت كثيرًا على الحروب والمستوطنات وشراء الدعم السياسي، بينما أنفقت أقل مما ينبغي على بناء الدولة نفسها. ومن هنا يدعو إلى إعادة توجيه الأموال والطاقات نحو المجتمع الإسرائيلي، مع الحفاظ على ما يصفه بالأمن الحقيقي.

 

11. النقب والجليل بدل المستوطنات المعزولة

يقترح بيري تحويل النقب والجليل إلى مشروع وطني كبير، وإعادة توجيه الموارد نحو البنية التحتية والإسكان والنقل والصحة والتعليم داخل إسرائيل.

ويشمل ذلك، بحسب تصوره، استثمارات ضخمة في الطرق والسكك الحديدية والإسكان والمستشفيات والجامعات والصناعة، إلى جانب حوافز ضريبية للشركات والأسر.

وفي الشمال، يقترح إنشاء شبكة نقل تربط حيفا وعكا والناصرة وكرميئيل وطبريا وكريات شمونة، بما يعزز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.

 

12. منع متهمين بالفساد من رئاسة الحكومة

يختتم بيري قائمته بالدعوة إلى تعديل القانون الأساسي لمنع شخص متهم بجرائم فساد خطيرة من تشكيل حكومة وتولي منصب رئيس الوزراء.

ويعتبر الكاتب أن تجربة تولي شخص متهم بقضايا فساد منصب رئيس الحكومة أوجدت، من وجهة نظره، تضاربًا كبيرًا في المصالح وأضرارًا سياسية ومؤسساتية.

 

هل تستطيع إسرائيل الوصول إلى 2048؟

في خاتمة مقاله، يحذر بيري من أن استمرار الأوضاع الحالية قد يجعل قدرة إسرائيل على الصمود حتى الذكرى المئوية لتأسيسها عام 2048 موضع شك.

ويربط ذلك، وفق رؤيته، بتداخل عدة عوامل، من بينها الصراع مع الفلسطينيين، والنمو السكاني السريع في المجتمع الحريدي، واستمرار الانقسامات الداخلية، وتراجع العلاقات الدولية، والضغوط الاقتصادية.

ويحذر من سيناريو يؤدي فيه استمرار هذه الاتجاهات إلى تراجع الوصول إلى الأسواق العالمية وخروج قطاعات إنتاجية من البلاد، وصولًا إلى ما يصفه بـ«جيتو فقير ومنهك».

لكن الكاتب لا يقدم الصورة باعتبارها حتمية، بل يرى أن إسرائيل لا تزال تملك فرصة لتغيير المسار إذا اتخذت قيادتها قرارات جذرية وبعيدة عن الحسابات السياسية قصيرة المدى.

وبينما يُحمّل بيري حكومة نتنياهو جانبًا كبيرًا من المسئولية عن الأزمة التي يصفها، فإن قائمته تكشف في الوقت نفسه عن حجم التحديات التي يراها الكاتب ممتدة إلى بنية الدولة نفسها: العلاقة مع الفلسطينيين، والاستيطان، والتجنيد، والتعليم، والاقتصاد، والمجتمع العربي، والعلاقات الإقليمية والدولية.

وبذلك يتحول سؤال الكاتب من مجرد «هل سيبقى نتنياهو؟» إلى سؤال أوسع وأكثر قلقًا: هل تستطيع إسرائيل إعادة بناء نموذجها السياسي والاجتماعي والاقتصادي قبل أن تتحول أزماتها المتراكمة إلى تهديد وجودي يصعب احتواؤه؟