تشهد ليبيا حالة من الانفلات الأمني بعد هجمات متفرقة بمسيرات مجهولة استهدفت مصافي نفط وخزانات وقود في مدينة الزاوية في بنغازي، بجانب اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية فوزي المنصوري، فضلا عن ضربات طالت منشآت بنية تحتية مثل محطات تحلية المياه ومحطة كهرباء الزاوية.
يُشار إلى أنه لم تعلن أى جهة مسئوليتها عن الحادث حتى الآن، فيما ربط مراقبون تسلسل الأحداث المتفرقة بمحاولة عرقلة ليبيا عن سد النقص في إمدادات الطاقة نتيجة الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران وتداعياتها المتمثلة في إغلاق مضيق هرمز.
3 جبهات
ووفق تقارير، انفجرت أزمات ليبيا على ثلاث جبهات، اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية في بنغازي، وهجمات بطائرات مسيّرة على منشآت حيوية في الزاوية، واستقالة مفاجئة لمحافظ المصرف المركزي وسط تهاوي الدينار.
ورغم عدم وجود دليل يربط التطورات الثلاثة، فإن تزامنها كشف هشاشة الوضع الأمني والمالي، وقدرة الصراعات الداخلية على اختراق أكثر المؤسسات حساسية في شرق البلاد وغربها.
التطور الأخطر تمثل في اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية فوزي المنصوري، بانفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته أمام منزله في منطقة الهواري بمدينة بنغازي. ووصف مدير التوجيه المعنوي العملية بأنها محاولة يائسة من عناصر إرهابية دون اتهام تنظيم أو جهة محددة، مؤكدًا استمرار التحقيقات.
عملية اغتيال
وكشفت تقارير أن عملية الاغتيال تحمل دلالة تتجاوز هوية الضحية؛ فالعملية نُفذت داخل بنغازي، المعقل الأمني لنظام خليفة حفتر، واستهدفت مسئولا يُفترض أنه من أكثر الشخصيات إحاطة بإجراءات الحماية والمعلومات الاستخباراتية.
كما يشير زرع العبوة قرب منزل المنصوري إلى مراقبة دقيقة لتحركاته واختراق محتمل لدائرته الأمنية، ما يُرجح أن يقود الحادث إلى تحقيقات واسعة وحملة توقيفات وإعادة تقييم لإجراءات حماية القيادات.
وتتوزع الفرضيات الأولية بين انتقام محتمل ، بالنظر إلى دور المنصوري السابق في العمليات ضد الجماعات المسلحة في أجدابيا والجنوب، وبين تصفية مرتبطة بصراعات النفوذ داخل معسكر الشرق. لكن لا توجد حتى الآن أدلة علنية تُدعم أيًا من المسارين.
حالة طوارئ قصوى
بالتزامن، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط حالة "الطوارئ القصوى" في الزاوية، بعد تعرض منشآت نفطية وخدمية لسلسلة هجمات بطائرات مسيّرة. وكان أعنفها استهداف خزان بنزين تابع لشركة البريقة لتسويق النفط، ما أدى إلى اندلاع حريق وانهيار الخزان الذي كان يحتوي على نحو 4.5 ملايين لتر.
وسبقت ذلك إصابة مباشرة لخزان النافتا في مصفاة الزاوية، أحدثت ثقبين وتسربًا في المخزون، ثم استهداف محطة تحلية المياه، ومحطة كهرباء، في مؤشر على أن الهجمات لم تعد حادثًا عابرًا، بل تحولت إلى نمط يطاول بنية المدينة الحيوية.
ولم تسمِّ المؤسسة الجهة المنفذة، فيما تتركز الشبهات على أطراف الصراع المحلي، بعد أيام من اشتباكات عنيفة بين جهاز مكافحة التهديدات الأمنية والكتيبة 103 مشاة، وهما تشكيلان يتبعان مؤسسات حكومة الوحدة الوطنية.
وأسفرت تلك المواجهات في الزاوية وصرمان عن قتلى وجرحى، وإغلاق الطريق الساحلي وفرار نزلاء من أحد السجون، قبل أن تمتد دائرة الخطر إلى المنشآت النفطية.
مصرف ليبيا المركزي
ويمثل دخول المسيّرات على خط صراعات الفصائل تحولًا بالغ الخطورة، إذ يمنح الجماعات المسلحة قدرة على ضرب منشآت استراتيجية من مسافات بعيدة، ويهدد بتحويل خزانات الوقود والمصافي إلى أهداف في معارك النفوذ المحلية.
وفي مواجهة التصعيد، ترأس رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، بصفته وزيرًا للدفاع، اجتماعًا موسعًا لكبار القادة العسكريين والأمنيين، وأمر برفع الجاهزية والتعامل بحزم مع أي تحركات تهدد الأمن أو المنشآت الحيوية.
فيما جاءت الصدمة الثالثة من مصرف ليبيا المركزي، بعدما قدم المحافظ ناجي عيسى استقالته إلى مجلسي النواب والدولة، قائلًا إنه لا يستطيع كشف الأسباب بسبب حساسيتها.
وطلب رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة من عيسى مواصلة مهامه مؤقتًا لحماية الاستقرار المالي والنقدي، بينما لم يعلن مجلس النواب موقفه من الاستقالة. وتزامنت الخطوة مع تجاوز الدولار حاجز 9 دنانير في السوق الموازية، وسط أزمة سيولة وضغوط على العملة واتهامات بتوسع التدخل السياسي في قرارات المصرف.
وتكتسب الاستقالة خطورتها من كون تعيين عيسى عام 2024 جاء نتيجة تفاهم صعب بين الشرق والغرب، أنهى أزمة على إدارة المصرف تسببت آنذاك في إغلاق حقول نفطية وتراجع الصادرات. وأي فشل في الاتفاق على بقائه أو اختيار بديل توافقي قد يُعيد الصراع على المؤسسة التي تدير عائدات النفط وتمول أجهزة الحكم المتنافسة.
شبكات السلاح والنفوذ
وأكدت التقارير أنه لا توجد معلومات تثبت وجود غرفة واحدة تدير اغتيال المنصوري وهجمات الزاوية والضغط على المصرف المركزي. لكن الأحداث تلتقي عند أزمة واحدة: تراجع سلطة المؤسسات أمام شبكات السلاح والنفوذ.
في الشرق، وصل التفجير إلى رأس جهاز استخباراتي داخل أكثر المدن تحصينًا. وفي الغرب، أصبحت المسيّرات أداة في صراعات الفصائل قرب أكبر مصفاة عاملة في البلاد. وفي الوسط المالي، بات رأس المصرف المركزي عاجزًا عن الاستمرار وسط تدخلات وصفها بأنها شديدة الحساسية.
ولم تدخل ليبيا بعد حربًا مفتوحة، لكن ليلة الاشتعال أضاءت جميع إشارات الخطر دفعة واحدة: اختراق أمني في بنغازي، وتصعيد نوعي في الزاوية، وفراغ محتمل في المؤسسة التي تمسك بأموال الدولة.