يُمثل منجم السكري للذهب، الواقع في الصحراء الشرقية على بُعد 30 كيلومتراً من مدينة مرسى علم، أحد أبرز الأصول الاستراتيجية في الاقتصاد المصري. فالمنجم المصنف عالمياً ضمن الفئة الأولى (Tier 1) وضمن أكبر 15 منجم ذهب في العالم باحتياطيات تتجاوز 15.7 مليون أوقية، بات يُمثل نموذجاً للجدل الاقتصادي والسياسي في زمن المنقلب السفيه عبد الفتاح السيسي.
وشهد المنجم تحولات جوهرية أثارت موجة واسعة من التساؤلات؛ حيث أُعلن عن صفقة استحواذ كبرى بقيمة 2.5 مليار دولار اشترت بموجبها شركة "أنجلو جولد أشانتي" (AngloGold Ashanti) العالمية شركة "سنتامين" (Centamin) البريطانية-الأسترالية (التي كانت تدير المنجم عبر شركة العمليات المشتركة "شركة السكري لمناجم الذهب"). وتزامن هذا التحول الهيكلي مع تسجيل تراجع في إنتاج المنجم بنسبة 3%، خلال الربع الأول من 2026.
وفجّر التراجع مخاوف أمنية واقتصادية من أن يكون هذا التراجع ممهداً لإعادة تدوير الملكية لصالح "رساميل إماراتية" وثيقة الصلة بالنظام، وتمدد النفوذ الخليجي غير المباشر على حساب ثروات البلاد الأساسية.
مؤشرات إنتاجية
كشفت البيانات المالية والاقتصادية الصادرة في الربع الأول من عام 2026 عن أن تراجع حجم إنتاج منجم السكري مقارنة بالفترات المماثلة، جاء مدفوعاً بارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل، على الرغم من الطفرة القياسية التي شهدتها أسعار الذهب عالمياً والتي بلغت حدود 2300 دولار للأوقية في ذات الفترة.
ورصد مراقبون تباينًا صارخًا بين الإنتاج الفعلي والأثر الملموس على الخزانة العامة يتعلق بحجم الإنتاج التاريخي والسعر العالمي وإشكالية بند "استرداد التكاليف"، وثقب الديون الأسود.
حيث أنتج المنجم نحو 5.7 مليون أوقية منذ بدء تشغيله التجاري في مارس 2010 وحتى نهاية العام الماضي. وبإنتاج سنوي مستقر يتجاوز 500 ألف أوقية (ما يعادل 15.5 طن من الذهب)، فإن القيمة الإجمالية للإنتاج السنوي تتراوح بين 1.1 إلى 1.2 مليار دولار (أي ما يفوق 50 مليار جنيه مصري).
يرجع غياب الأثر المالي للمنجم على حياة المواطنين إلى بنية الاتفاقية المبرمة المجحفة؛ حيث تحصل مصر على "إتاوة" أساسية تقدر بـ 3% فقط، بينما يذهب الجزء الأكبر من الإيرادات لصالح بند "استرداد التكاليف والمصاريف" الذي تدرجه الشركات الأجنبية لتغطية نفقات الحفر، والمعدات، والتشغيل، وما يتبقى بعد خصم تلك التكاليف يتم تقسيمه مناصفة (50% لكل طرف).
لا تتجاوز الحصة الصافية الفعيلة التي تدخل الخزينة المصرية حاجز 100 إلى 150 مليون دولار سنوياً. وتذهب هذه العوائد المتواضعة مباشرة لسداد فوائد الديون والقروض الأجنبية، أو تمويل المشاريع العمرانية والخرسانية في الصحراء، دون أن تنعكس على ميزانيات قطاعات الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة، مما يمثل تجريفاً ممنهجاً لمقدرات الأجيال.
كواليس صفقة "أنجلو جولد أشانتي" والظلال الإماراتية
من الناحية القانونية الصرفة، تُشير بنود صفقة الاستحواذ البالغة 2.5 مليار دولار إلى انتقال السيطرة التشغيلية والملكية الكاملة لمنجم السكري إلى "أنجلو جولد أشانتي"، وهي شركة مدرجة عملاقة يقع مقرها الرئيسي في الولايات المتحدة، ويبلغ إنتاجها العالمي 2.635 مليون أونصة من الذهب، وتدير محفظة أصول واسعة في تنزانيا، وغانا، وغينيا، والكونغو الديمقراطية، وأستراليا، والبرازيل. وتهدف الشركة عبر السكري لرفع إنتاجها السنوي بمقدار 450 ألف أونصة، معلنة عن خطة لإنتاج 4 ملايين أوقية بين عامي 2026 و2035، والاعتماد على عمالة محلية بنسبة 97% مصريين و3% أجانب لنقل الخبرات وفقاً لتصريحات رئيستها الإقليمية هدى منصور.
و لم تبدد هذه الواجهة القانونية مخاوف المراقبين حول الخلفيات البنيوية للشركة وتحالفاتها الإقليمية، حيث تمتلك "أنجلو جولد أشانتي" تحالفاً وثيقاً منذ يونيو 2009 مع شركة "ثاني دبي للتعدين المحدودة" للتنقيب في الشرق الأوسط. وشهدت وزارة الاستثمار المصرية تحركات سابقة مع المستثمر الإماراتي عبد الله سعيد آل ثاني رئيس الشركة لزيادة استثماراتهم في البحث عن الذهب بمصر. هذا الرابط يغذي التوجس من أن يكون التراجع الحالي وتعديل الشروط بمثابة هندسة إدارية مقصودة تتيح للرساميل الإماراتية التدفق مستقبلاً كشريك تمويلي أو مقاول من الباطن مستغلةً علاقتها المتينة مع النظام.
وتعود الأصول التاريخية للشركة الأم إلى إمبراطورية التعدين التي أسسها رجل الأعمال اليهودي الألماني إرنست أوبنهايمر (مؤسس أنجلو أمريكان ودي بيرز للألماس)، ويديرها حالياً حفيده نيكي أوبنهايمر، مما أضفى أبعاداً نقاشية حول طبيعة تغلغل الشركات عابرة القارات في الأصول السيادية المصرية.
نزاعات قضائية
وفي المقابل، تحركت أجهزة الدولة التشريعية والقضائية لتأمين وحماية هذه التحولات الهيكلية وضمان استقرار الشريك الأجنبي الجديد؛ حيث أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكماً باتاً ونهائياً برفض الطعن التاريخي المقام ضد عقد امتياز السكري منذ عام 2011، مما حصّن الصفقة قانونياً وأغلق الباب أمام أي ملاحقة قضائية محلية، واضعاً حداً لنزاع طويل استمر لسنوات.
وتوازياً مع هذا التحصين، رعى رئيس الجمهورية استراتيجية جديدة أطلقها وزير البترول والثروة المعدنية، المهندس كريم بدوي، من داخل منجم السكري، تمثلت في التحضير لـ "منتدى مصر الدولي للتعدين" بالعاصمة الإدارية الجديدة، والذي يهدف إلى رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي إلى 6%.
والترويج للمزايا اللوجستية لمنطقة "المثلث الذهبي" الاقتصادية الممتد على مساحة 9 آلاف كيلومتر مربع بين سفاجا والقصير وقنا، بهدف جذب الشركات للتنقيب عن الذهب، والفوسفات، والحديد، والنحاس، وهو ما يراه معارضون محاولة لإعادة تدوير الأصول السيادية وعرضها في قوالب رقمية جاذبة.
عسكرة الصحاري
على الرغم من هذه الاندفاعة الحكومية نحو الخصخصة الرقمية وتحصين العقود، تظل البيئة الاستثمارية في قطاع التعدين المصري محكومة بعقبة بنيوية كبرى ترصدها التقارير الاستخباراتية الغربية، ومنها موقع "أفريكا إنتلجنس" (Africa Intelligence) الفرنسي، وتتمثل في عقبة وزارة الدفاع والسيطرة على الأراضي، حيث يوضح التقرير الاستخباراتي أنه على الرغم من منح العقود رسمياً من خلال الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية، إلا أن الشركات الدولية تصطدم بضرورة الحصول على موافقة وتصريح مباشر من وزارة الدفاع المصرية، باعتبارها المالك القانوني والدستوري لجميع الأراضي والمناطق الصحراوية في مصر.
وتخوف المشغلين الدوليين؛ حيث ترفض شركات كبرى مثل "باريك للذهب" (Barrick Gold) الكندية و"بي تو جولد" (B2Gold) البدء في عمليات التنقيب الفعلي في الصحراء الشرقية رغم حصولها على تصاريح سابقة (مثل عروض نوفمبر 2020)، مشترطة الحصول على إيضاحات قانونية وضمانات جمركية وضريبية، نظراً لعدم اطمئنان الرأسمال الأجنبي للشراكة أو التداخل الإداري والأمني مع وزارة الدفاع.
وتظل العقود والامتيازات المعروضة مرتبطة بإلزامية الشراكة مع "شركة شلاتين للثروة المعدنية" المملوكة بجزء كبير منها لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع، التي تقدم ترتيبات وصيغاً لتقاسم الأرباح يراها المستثمر الدولي غير جاذبة ومرتبطة ببيروقراطية عسكرية تتعارض مع آليات السوق الحرة، على الرغم من أن قانون التعدين الجديد الصادر في يناير 2020 (بصياغة استشارية من شركة "وود ماكنزي" البريطانية) حاول إزالة هذه الحاجة وخفض عوائد الدولة إلى 20%.