تلوث النيل أكبر من جزار “العرجاني”.. 8 عناصر خطرة تهدد مياه شرب المصريين ومصادر الغذاء

- ‎فيتقارير

تحولت مناقشة حول تلوث مياه النيل إلى مواجهة علنية بين "النائب" محمد عبدالعليم داود رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، والدكتور عاصم الجزار رئيس حزب الجبهة الوطنية "حزب العرجاني" ووزير الإسكان السابق.

حيث اتهم عبدالعليم داود الحكومة بأنها حولت النيل إلى "مصرف كيميائي لتسميم محافظات الدلتا بالكامل"، مشيرًا إلى مصانع كفر الزيات وأبو رواش والرهاوي، واعتبر ذلك "جريمة مكتملة الأركان بحق الشعب" تستوجب محاكمة جنائية. أما الجزار فقد رد بأن الحديث عن تلوث النيل "كلام مرسل لا يستند إلى حقائق ويفتقر إلى الأدلة"، محذرًا من أن تداول مثل هذه الاتهامات علنًا قد يضر بصورة مصر أمام العالم.

هذا الاشتباك البرلماني يكشف أن القضية أكبر من مجرد خلاف سياسي بين نائب معارض وآخر موالٍ للدولة. فالمشكلة التي أشار إليها عبدالعليم داود تتجاوز حدود البرلمان العسكري لتلامس حياة ملايين المصريين، وهو ما أكدته دراسة علمية حديثة قادها العالم المصري عصام حجي ونُشرت في مارس 2023 بدورية Earth’s Future. الدراسة أثبتت أن دلتا النيل ملوثة بشكل واسع بالعناصر الثقيلة نتيجة إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي والصناعي من دون معالجة، وأن هذا التلوث يهدد صحة نحو 60 مليون مواطن يعتمدون على النيل للشرب والري.

ولم يمر الاشتباك دون ردود فعل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي. الناشطة رانيا الخطيب (@ElkhateebRania) سخرت من الجزار قائلة: "هو حد عاقل هيسمع مجلس النواب ده؟ إذا كان الشعب نفسه لا يسمع ولا ينتخب ولا يعرف أشكالكم".

بينما كتب حساب (@cairo24_) أن الخلاف في البرلمان يعكس أزمة حقيقية حول مياه النيل.

أما المعلق محمد فوزي (@mohamd_fawzy_74) فاختصر موقف الجزار قائلاً: "مش مهم صحة الشعب المصري، المهم صورة … السيسي وحكومته أمام دول الخارج". هذه التعليقات تكشف أن القضية تجاوزت حدود البرلمان لتصبح موضوعًا عامًا يمس حياة المصريين اليومية.

 

خلفية علمية للأزمة

والخلاف الذي أبدعه الجزار ليس معزولًا، بل يتقاطع مع نتائج دراسة علمية حديثة قادها العالم المصري عصام حجي ونُشرت في مارس 2023 بدورية Earth’s Future. الدراسة اعتمدت على تحليل 20 عينة من قاع فرعي دمياط ورشيد، وقياس تركيزات 8 عناصر ثقيلة من بينها الكادميوم والرصاص والكروم والنيكل والزنك. النتائج أظهرت أن هذه العناصر تتراكم في الطمي بشكل واسع، وأن مصدرها الأساسي هو إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي والصناعي من دون معالجة. الأخطر أن هذه الملوثات لا تتحلل طبيعيًا مثل الملوثات العضوية، بل تبقى وتتفاقم مع مرور الوقت، مما يجعلها تهديدًا غير انعكاسي للبيئة والصحة العامة.

ومنذ عام 2000 تواجه مصر واحدًا من أعلى حالات العجز المائي في أفريقيا، ما دفعها إلى إعادة استخدام مكثف لمياه الصرف الصحي لتعويض النقص. لكن هذا الحل المؤقت أدى إلى تفاقم التلوث، حيث أكدت الدراسة أن أكثر من نصف سكان مصر، أي نحو 60 مليون شخص، معرضون لمخاطر صحية مباشرة نتيجة تراكم العناصر الثقيلة في المياه والتربة. على المدى القصير، يؤدي تراكم الكادميوم إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل الزراعية وخاصة الأرز، بينما على المدى الطويل قد تصل تركيزات هذه العناصر إلى مستويات سامة تؤدي إلى أمراض الكلى والكبد والسرطان.

وتؤكد الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة البيئة المصرية بدورها حجم المشكلة. فقد بلغ إجمالي الصرف الصناعي على النيل وفروعه نحو 477 مليون متر مكعب سنويًا، وتم إيقاف صرف 67 منشأة صناعية نهائيًا بما يعادل 94% من الكمية، لكن ما زالت هناك 35 منشأة تصرف نحو 28.5 مليون متر مكعب سنويًا، أي 6% من الإجمالي. هذه النسبة الصغيرة كافية لإبقاء الخطر قائمًا، خاصة مع استمرار إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي غير المعالج.

وحذرت دراسة "حجي" أيضًا من أثر السدود العالية مثل سد النهضة، التي تعطل التدفق الطبيعي للرواسب وتمنع النهر من التخلص من الملوثات إلى البحر الأبيض المتوسط، مما يؤدي إلى تراكم دائم في القاع وزيادة خطورة التلوث. هذا التلوث غير انعكاسي ويهدد استدامة دلتا النيل كمصدر رئيسي للأمن الغذائي، إضافة إلى تآكل السواحل وتسرب مياه البحر.

وتشير الحكومة إلى جهودها في رفع نسبة تغطية الصرف الصحي في القرى من 11% عام 2011 إلى 64% عام 2026، والتوسع في المعالجة الثلاثية لمياه الصرف الصحي، إضافة إلى إلزام المصانع بتوفيق أوضاعها البيئية عبر إنشاء محطات معالجة أو ربطها بشبكات الصرف الصحي. لكن هذه الجهود، رغم أهميتها، تبدو غير كافية أمام حجم التلوث المتراكم لعقود.

الناشط عفريتكو (@SAGER160) كتب تعليقًا لاذعًا: "النائب عبدالعليم داود بيقول إن النيل تحول لمصرف كيميائي لتسميم الدلتا بالكامل، والجزار بيرد إن الكلام ده هيأثر على الاقتصاد. يعني صحة الشعب مش مهمة، المهم صورة الدولة". هذا النوع من التعليقات يعكس فقدان الثقة في الخطاب الرسمي، ويؤكد أن الأزمة لم تعد مجرد قضية بيئية بل قضية سياسية واجتماعية.

وبين خطاب رسمي يسعى إلى حماية صورة الدولة أمام الخارج، وخطاب معارض يحذر من كارثة داخلية تهدد حياة ملايين المواطنين، يظل نهر النيل، شريان الحياة للمصريين، مهددًا بثمانية عناصر ثقيلة سامة تتسرب إلى مياه الشرب والتربة الزراعية، وتضع مستقبل الصحة والأمن الغذائي على المحك. القضية ليست مجرد "كلام مرسل" كما وصفها الجزار، ولا مجرد "جريمة مكتملة الأركان" كما قال عبدالعليم، بل هي أزمة وجودية تستدعي تحركًا عاجلًا يتجاوز الحسابات السياسية والبرلمانية. فالنيل الذي كان دائمًا مصدر الحياة لمصر، قد يتحول إذا استمر الوضع على ما هو عليه إلى مصدر موت صامت يفتك بالأجيال القادمة.

الأزمة لا تقف عند حدود الصحة فقط، بل تمتد إلى الأمن الغذائي. فالدراسة حذرت من أن تآكل السواحل وتسرب مياه البحر يهددان استدامة دلتا النيل كمصدر رئيسي للغذاء في مصر. كما أن بناء السدود العالية مثل سد النهضة يعطل التدفق الطبيعي للرواسب ويمنع النهر من التخلص من الملوثات إلى البحر الأبيض المتوسط، مما يؤدي إلى تراكم دائم في القاع وزيادة خطورة التلوث.