بين طماطم “الدلتا الجديدة” وسمك “بركة غليون”.. لماذا تتكرر إخفاقات الإدارة العسكرية؟

- ‎فيتقارير

تزايدت الأسئلة في الأوساط المصرية حول جدوى المشروعات القومية الضخمة التي أُسندت إلى جهات عسكرية خلال السنوات الماضية، خصوصًا في مجالي الاستزراع السمكي واستصلاح الأراضي، بعد أن أظهرت النتائج فجوة واسعة بين الأهداف المعلنة والواقع الفعلي.

ويبرز مشروع الدلتا الجديدة الذي تبلغ تكلفته 800 مليار جنيه، بحسب رأس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، وهو بحسب مراقبين نموذج آخر لاستحواذ الشركات العسكرية على المشروعات دون رقابة أو شفافية.

وبحسب الباحث محمد رمضان @m2omar3  فإن السيسي في 2014 : "المياه موجودة والأرض الصالحة للزراعة موجودة لإضافة 4 مليون فدان للرقعة الزراعية، وأنا أتكلم كلاما علميا " أما السيسي في 2026 : "لا عندنا أرض ولا مياه للزراعة وتحقيق اكتفاء ذاتي".

وأمام حملة لتلميع الجيش ومحاولة إزالة غضب السيسي ليس لفشل المشروعات، ولكن لسوء الدعاية لها، كتب رجل الأعمال المعتزل أحمد أبو هشيمة  عبر @AhmedAbuHashima  أن "استصلاح ملايين الأفدنة بتكلفة 800 مليار جنيه وخلق 2 مليون فرصة عمل، أرقام تلخص عظمة ملحمة الدلتا الجديدة بقيادة جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة التي شهدنا افتتاحها بحضور عبد الفتاح السيسي، الأمن الغذائي هو أمن قومي، ومثل هذه المشروعات العملاقة هي المحرك" بحسب ما كتب.

ورد عليه الضابط شريف عثمان  عبر @SherifOsmanClub وقال: "استصلاح أراضي بتكلفة 800 مليار جنيه ، أموال الشعب، شركات المقاولات كلها بالأمر المباشر، شركات المقاولات تعمل بالباطن مع الجيش، شركات الجيش الوهمية تستحوذ على المشروع، تعيين 2مليون مصري عاملين لشركات الجيش، الشركات تجني أرباحا لن تدخل ميزانية الدولة، الجيش يتوسع في الاستحواذ على الاقتصاد، وتهديد المزارعين في لقمة عيشهم، أحمد أبو هشيمة معرض ابن لواء جيش، وأي لواء جيش…".
 

وغرّد أسامة   @Usama_ttt قائلًا: “أي مشروع يتكلم عنه السيسي اعرف إنه هيتحول للجيش، زي بركة غليون اللي محدش شاف منها سمكة”.

https://x.com/Usama_ttt/status/1925868639745360102

ويبرز مشروع بركة غليون نموذجًا صارخًا لهذا التناقض، إذ كان يُفترض أن يكون أكبر مشروع للاستزراع السمكي في الشرق الأوسط، لكنه تحول – وفق شهادات متعددة – إلى مثال على سوء الإدارة وغياب الخبرة الفنية.

بركة غليون: 14 مليار جنيه وإنتاج لا يتجاوز 11% من المستهدف

افتتح عبد الفتاح السيسي مشروع بركة غليون في نوفمبر 2017 بتكلفة 14 مليار جنيه، تحت إشراف الشركة الوطنية للثروة السمكية، ووفق البيانات الرسمية، كان الهدف إنتاج 3000 طن للفدان في الدورة الواحدة، و2000 طن جمبري، وتحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاستيراد بنسبة 27%.

لكن الأرقام المنشورة لاحقًا كشفت واقعًا مختلفًا. فبحسب حساب @fnhOpJuBoXQdLjU بلغ إنتاج غليون:     79 طنًا من الأسماك البحرية و    565 طنًا من أسماك المياه العذبة و    833 طنًا من الجمبري.

    https://x.com/fnhOpJuBoXQdLjU/status/1783910957711782388

وهو ما اعتبره مغردون “فنكوشًا جديدًا”، خصوصًا أن الإنتاج القومي من الأسماك لم يزد سوى 200 ألف طن منذ 2017 ثم توقف تمامًا بعد 2020.

 

كما كتب الأكاديمي محمد الشريف عبر @MhdElsherif (كان من أبرز المدافعين عن المشروع) أن إنتاج غليون في 2021 كان أقل من 2020، وأن المشروع “قد يُباع بربع تكلفته”.

https://x.com/MhdElsherif/status/175815078

https://x.com/MhdElsherif/status/147588122

يرى كثيرون أن المشكلة ليست في الفكرة، بل في الجهة المنفذة، إذ كتب د. مصطفى جاويش  @drmgaweesh أن “العميد المقاتل يقود خط الجمبري في غليون، والمقدم الطيار يقود مشروع 2 مليون فدان، وجميعها مشروعات عسكرية فاشلة”.

https://x.com/drmgaweesh/status/174689

تُظهر الشهادات والبيانات أن المشروعات الزراعية والسمكية التي أُسندت إلى جهات عسكرية لم تحقق أهدافها، سواء في زيادة الإنتاج أو خفض الأسعار أو تحقيق الاكتفاء الذاتي، ويجمع الخبراء والمراقبون على أن السبب الجوهري هو غياب الخبرة الفنية المتخصصة، وهو ما يلخصه المثل الشعبي: “ادي العيش لخبازه… ولو أكل نصه.”

مشروع بركة غليون للاستزراع السمكي، كان يُروَّج له رسميًا باعتباره أكبر مشروع من نوعه في الشرق الأوسط، بينما تشير الأرقام والوقائع إلى فجوة واسعة بين الوعود والنتائج.

فبرغم أن المشروع استهدف إنتاج 9 آلاف طن سنويًا، لم يتجاوز الإنتاج الفعلي ألف طن فقط، أي ما يقارب 11% من المستهدف، وهو رقم أقل حتى مما كان ينتجه الصيادون المحليون قبل حظر الصيد الخاص، حيث كانوا يحققون نحو 3 آلاف طن سنويًا.

ورغم هذه النتائج، خرج رئيس الشركة الوطنية للثروة السمكية، إسلام عطية، بتصريح متلفز يؤكد فيه أن “العالم كله يريد الاطلاع على تجربة مصر الناجحة في الثروة السمكية”، بينما يرى المواطنون أن مصر استوردت جمبري بقيمة 87 مليون دولار، وهو ما يناقض فكرة الاكتفاء الذاتي التي كان المشروع يهدف إليها. هذا التناقض دفع مراقبين إلى التساؤل عن حقيقة العائد من المشروع، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار الأسماك بدلًا من انخفاضها.

 

ويرى محللون أن بركة غليون ليست حالة منفردة، بل جزء من سلسلة مشروعات ضخمة افتُتحت ثم تراجعت أو توقفت بعد تكبيد الدولة مليارات الجنيهات، مثل مشروع الغزل والنسيج بالمحلة ومدينة دمياط للأثاث. ويقول مجدي دسوقي إن “العائد من مشاريع الأسماك في غليون والبردويل والمنزلة والبرلس هو مضاعفة الأسعار ولا أحد يُحاسَب”.

فأي مشروع يتحدث عنه النظام “ينتهي في جيب الجيش”، وأن المصريين “لم يروا سمكة واحدة من غليون”.

المشروع تولت إدارته الشركة الوطنية للثروة السمكية التابعة لجهاز الخدمة الوطنية بالقوات المسلحة، وكان الهدف المعلن رفع إنتاجية الفدان إلى 3000 طن سمك في الدورة الواحدة، و2000 طن جمبري خلال ستة أشهر، إضافة إلى تقليل الاستيراد بنسبة 27% وتوفير 35 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة. لكن الواقع جاء مغايرًا؛ ففي فبراير 2022 كشف د. محمد حافظ أن “بركة غليون تموت تدريجيًا”، وأن 50% من الأحواض مغلقة، وأن التشغيل الفعلي لا يتجاوز 11% من القدرة الكاملة، وأكدت شهادات أخرى، منها شهادة “حنان خيري”، أن الإنتاج الفعلي لم يتجاوز 1000 طن بدلًا من 9000.

وفي سبتمبر 2024، اضطر العمال لتنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالأرباح وحقوق التأمين والمواصلات، ما دفع الشركة إلى التعهد بالاستجابة لمطالبهم، هذه الوقائع مجتمعة تثير تساؤلات حول جدوى المشروع، ومدى قدرة الإدارة الحالية على تحقيق أهدافه الاستراتيجية، في وقت تتضاعف فيه أسعار الأسماك ويبحث المصريون عن إجابة لسؤال واحد: أين بركة غليون؟