(مليار دولار) من تحالف بنوك خليجية .. وزارة البترول تضخم الديون رغم زيادات 21 لأسعار الوقود

- ‎فيتقارير

تُثير التطورات الأخيرة في قطاع البترول تساؤلات واسعة حول كيفية إدارة واحدة من أهم الوزارات الاقتصادية في الدولة، خصوصًا بعد إعلان حصول الهيئة المصرية العامة للبترول على قرض جديد بقيمة مليار دولار من تحالف بنوك خليجية، يمتد لخمس سنوات، ويُستخدم – بحسب التصريحات الرسمية – في سداد التزامات مالية ومستحقات متأخرة للشركاء الأجانب.

تأتي هذه الخطوة في وقت رفعت فيه الحكومة أسعار الوقود للمرة الواحدة والعشرين منذ عام 2014، في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة على المواطنين، وتراجع كبير في قيمة الجنيه، وارتفاع أسعار الغاز للصناعة إلى مستويات غير مسبوقة.

هذا التناقض بين وزارة يُفترض أنها ربحية وبين لجوئها المتكرر للاقتراض يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول طبيعة إدارة القطاع، وحجم الديون المتراكمة، ومدى وجود خلل هيكلي أو فساد مؤسسي، أو ما إذا كانت الوزارة تعمل كواجهة لإدارة موارد الغاز والبترول بعيدًا عن الرقابة العامة.

مليار دولار بلا ضمانة من المالية

وبحسب ما نُشر، حصلت الهيئة العامة للبترول على قرض ضخم من بنوك خليجية، بينها أبوظبي التجاري وأبوظبي الأول والمشرق الإماراتي، دون ضمانة من وزارة المالية وهذا النوع من القروض يعكس مستوى المخاطر المرتبط بالهيئة، ويطرح سؤالًا منطقيًا: كيف لوزارة تُعدّ من أكبر مصادر العملة الصعبة في مصر، وتحقق إيرادات من تصدير الغاز والبترول، أن تحتاج إلى قروض لسداد التزاماتها الأساسية؟

أين تذهب حصيلة الزيادات؟

ورفعت الحكومة أسعار البنزين والسولار للمرة الحادية والعشرين، ليصل بنزين 95 إلى 24 جنيهًا، وبنزين 92 إلى 22.25 جنيه، والسولار إلى 20.50 جنيه من جنيه ونصف وجنيهان ونصف هذه الزيادات المتتالية كان يُفترض أن تُسهم في تخفيف عبء دعم الوقود، وتقليل عجز الهيئة، وتحسين قدرتها على السداد. ولكن الواقع يشير إلى أن الديون تتفاقم، وأن الهيئة تستحوذ – وفق تصريحات خبراء – على 60% من ضمانات الدولة، ما يجعل أي تعثر لها تهديدًا مباشرًا للموازنة العامة.

الجهاز المركزي للمحاسبات يكشف فجوات إدارة القروض

كشف تقرير لجنة الخطة والموازنة، استنادًا إلى الجهاز المركزي للمحاسبات، عن العام المالي 23/24 عن وجود 14 قرضًا بقيمة 4.6 مليار دولار لم تستفد منها الحكومة بالشكل المطلوب، بسبب ضعف الدراسات، وعدم تحديد الاحتياجات بدقة، وتأخر الطرح والتنفيذ. وهو ما يعني أن الدولة دفعت عمولات ارتباط على قروض لم تستخدمها، وهو إهدار مباشر للمال العام.

وأشار التقرير إلى قرض من (دويتشه بنك) و(المؤسسة العربية المصرفية) بقيمة 500 مليون دولار، سُحب منه 13 مليون دولار من المنبع دون توضيح طبيعة الخصم.

كما حوّلت وزارة المالية 274.4 مليون دولار إلى الشركة المصرية لتكرير البترول دون تفسير، رغم أن القرض مخصص لمشروعات بيئية واجتماعية. ولم تقدّم الوزارة ردًا على هذه الملاحظة، فيما طالبت لجنة الخطة والموازنة بفتح تحقيق.

وهو نمط سائد في الوزارات والهيئات تحت حكم العسكر يتكرر في هيئة مياه الشرب حيث حصلت على قرض بقيمة 209.5 مليون يورو مخصص لتحسين مياه الشرب والصرف الصحي، لم يُسحب منه سوى 158 ألف يورو خلال 12 عامًا، بنسبة 0.28% فقط. ورغم تمديد القرض حتى 2027، لم تُقدّم الوزارة تفسيرًا مقنعًا للتأخير.

وفي النقل والكهرباء كذلك حيث حصلت وزارة النقل بحكومة السيسي على قرض بقيمة 605 ملايين يورو لتطوير الخط الأول للمترو لم يُستفد منه إلا بنسبة ضئيلة، رغم مرور ست سنوات على توقيعه. كما لم يُسحب سوى 29.9% من قرض جايكا لتطوير شركات توزيع الكهرباء منذ 2016.

هذه الأرقام تكشف نمطًا متكررًا من سوء الإدارة، أو غياب الإرادة، أو تضارب المصالح، أو حتى وجود شبكات فساد تعرقل التنفيذ لصالح أطراف معينة.

المواطن لا يشعر بأي تحسن

ومن الأشياء التي تُثير الحيرة من القروض هو توصل وزارة البترول بحكومة السيسي بين الحين والآخر إلى إعلان اكتشافات جديدة وخلال العام الحالي 2026 أعلنت عن اكتشاف غاز جديد في دلتا النيل بإنتاج 50 مليون قدم مكعب يوميًا، كما تستعد شركة شل لإضافة 160 مليون قدم مكعب يوميًا من حقل غرب مينا في 2026 وتحدث الوزير عن استخدام تقنيات متقدمة لزيادة فرص الاكتشافات.

رغم هذه الاكتشافات، رفعت الحكومة أسعار الغاز للصناعة إلى مستويات قياسية:

– 14 دولارًا لمصانع الأسمنت

– 7.75 دولار للحديد والصلب والأسمدة

– 6.75 دولار للأنشطة الصناعية الأخرى

هذه الأسعار أعلى من الأسعار العالمية في كثير من الأحيان، ما يضع الصناعة المصرية في موقف تنافسي صعب، ويزيد من تكلفة الإنتاج، وينعكس على أسعار السلع.

 

فساد أم إدارة عسكرية للقطاع؟

ويرى بعض المحللين أن قطاع البترول يعمل كهيكل إداري مغلق، تُدار موارده من خلف ستار، بعيدًا عن الرقابة البرلمانية والمجتمعية، مع توسع دور الأجهزة السيادية في إدارة الشركات والمشروعات. وهذا النمط يجعل من الصعب تتبع تدفقات الأموال، أو تقييم كفاءة الإنفاق، أو معرفة أين تذهب إيرادات التصدير؟

وتكرار القروض، وتضخم المتأخرات، وتأخر تنفيذ المشروعات، وغياب الردود الرسمية على ملاحظات الجهاز المركزي، كلها مؤشرات يراها البعض دليلًا على فساد مؤسسي أو على الأقل سوء إدارة ممنهج. لكن آخرين يرون أن المشكلة ليست فسادًا فرديًا، بل نموذج اقتصادي قائم على الاقتراض المستمر لتمويل فجوات مالية ناتجة عن سوء التخطيط.

وفقد الجنيه 95% من قيمته خلال عشر سنوات، وفق تقديرات اقتصادية، ما جعل الزيادات في أسعار الوقود والغاز والبوتاجاز عبئًا لا يُحتمل على الأسر. وتجاوز سعر أسطوانة البوتاجاز، التي كانت بـ15 جنيهًا، 300 جنيه، ما يُهدد قدرة بعض الأسر على الطهي.

ويشير بعض الاقتصاديين إلى أن رفع أسعار بنزين 95 بنسبة أقل من السولار والبوتاجاز يعكس غياب العدالة الاجتماعية، لأن الفئات الأكثر فقرًا هي الأكثر تضررًا من السولار والغاز المنزلي.

وتكشف بعض هذه البيانات الرسمية والتقارير الرقابية عن أزمة هيكلية عميقة في قطاع البترول المصري، تتراوح بين سوء الإدارة، وتضخم الديون، وتأخر المشروعات، وغياب الشفافية، وارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين. ومع استحواذ الهيئة العامة للبترول على 60% من ضمانات الدولة، فإن أي تعثر قد يتحول إلى قنبلة مالية تهدد الموازنة العامة.