تظل قضية معتقلي الإسكندرية المتهمين بدعم غزة، مثالًا صارخًا على تكلفة التضامن الإنساني في سياق سياسي مغلق، بعدما أمضوا 3 سنوات ويزيد حيث حددت محكمة استئناف القاهرة جلسة 7 يونيو المقبل، لبدء إجراءات محاكمة عدد من المقبوض عليهم على خلفية تظاهرات دعم فلسطين، في الإسكندرية، أمام الدائرة الثانية جنايات بمجمع محاكم بدر.
وشهدت القضية سلسلة من المخالفات القانونية الواضحة، أبرزها إعلان المعتقلين بأمر الإحالة في نوفمبر 2025 بعد ما يقارب عامين من الحبس الاحتياطي، وهو ما يخالف مدد الحبس المنصوص عليها قانونًا. كما لم تُرسل أوراق القضية لمحكمة الاستئناف في المواعيد المحددة، ولم يُعرض المعتقلون على غرفة المشورة، ما يجعل استمرار حبسهم بلا أي سند قانوني.
وقال قانونيون إن النيابة رفضت تمكين الدفاع من الاطلاع على ملف القضية، في مخالفة صريحة للمادة 214 مكرر أ التي تلزم بإتاحة الملف خلال مدة لا تتجاوز 10 أيام عند طلب الدفاع، وكذلك مخالفة للمواد 143 و151 من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950، وفي بداية مايو 2026 تقدم الدفاع بعريضة للنائب العام للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين لسقوط أمر الحبس، لكن بدل تصحيح الوضع تم تستيف الأوراق وتحديد جلسة محاكمة.
سياق التظاهرات
ويضم المعتقلون خليطًا من الشباب ذوي الخلفيات والاتجاهات المختلفة؛ بعضهم شارك استجابة للدعوة الرسمية، بينما شارك أغلبهم بدافع إنساني ووطني لدعم غزة ورفض التهجير. ورغم اختلاف الدوافع، اتفق الجميع على موقف واحد هو رفض الإبادة ودعم صمود الفلسطينيين.
ولم يكن الحراك تفويضًا سياسيًا أو محاولة لاستغلال اللحظة، بل فعل تضامني مستقل عبّر عن حس وطني وإنساني، إلا أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع أي حراك اجتماعي كتهديد يجب ضبطه، ما أدى إلى تحويل فعل التضامن إلى ملف جنائي.
وتأتي هذه القضية في سياق أوسع من التضييق على أي نشاط تضامني مع غزة خلال العامين الماضيين، رغم أن حرب الإبادة نفسها توقفت باتفاق رعته مصر ضمن وسطاء إقليميين ودوليين، ومع ذلك، استمر الانتقام الأمني من المتضامنين، سواء كانوا متظاهرين أمام نقابة الصحفيين، أو مشاركين على كوبري 15 مايو، أو أفرادًا رفعوا لافتات أو جمعوا تبرعات، هذا النهج يعكس سياسة تهدف إلى خنق المجتمع ومنع أي تعبير مستقل، حتى في القضايا التي تمس الأمن القومي المصري ذاته. وغياب المتنفس السياسي والاجتماعي يضعف قدرة المجتمع على التماسك ويعيد إنتاج الأزمات بدل حلها.
والتظاهرات جاءت استجابة لدعوة رسمية من السيسي للتضامن مع قطاع غزة ورفض مخططات التهجير، ورغم ذلك وُجهت للمشاركين اتهامات نمطية شملت "الانضمام لجماعة" و"الاشتراك في تجمهر" ضمن القضية رقم 2469 لسنة 2023، ومن اللافت أن من اعتُقلوا في القاهرة على خلفية التظاهرات نفسها أُخلي سبيلهم، بينما استمر حبس معتقلي الإسكندرية.
تحرك انتقائي
وفي أكتوبر الماضي شهدت خارجية السيسي تحركا انتقائيا بصمت على اعتقال المتضامنات مع غزة، ففي مشهد يكشف حجم الازدواجية الرسمية، سارع عبد العاطي للتحرك بعد توقيف المواطن أحمد عبدالقادر ميدو في لندن وبحوزته سلاح أبيض، بينما التزمت وزارة السيسي الصمت الكامل تجاه اعتقال مواطنتين مصريتين شاركتا في أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة بعد احتجازهما من قبل قوات الاحتلال.
هذا التجاهل يأتي في وقت تتواصل فيه جرائم الإبادة بحق المدنيين في غزة، ويُلاحق فيه كل صوت تضامني مع الفلسطينيين، حتى من داخل مصر نفسها، حيث يُحاصر العمل الإنساني وتُجرّم المواقف الحرة.
ومنذ أكتوبر 2023؛ لم تتوقف الاعتقالات في مصر بحق من عبّروا عن تضامنهم مع القضية الفلسطينية حيث يقبع حوالي 173 شخصًا على الأقل خلف القضبان على ذمة قضايا أمن دولة.
وفي 20 أكتوبر 2023؛ خرجت مظاهرات عفوية في القاهرة والإسكندرية استجابة لتصريحات عبد الفتاح السيسي حول رفض تهجير الفلسطينيين من غزة واعتُقل العشرات على إثر هذه التظاهرات، بعضهم من المشاركين وآخرون كانوا بالمصادفة في محيطها ووجهت إليهم اتهامات في القضيتين 2468 و 2469 لسنة 2023 حصر أمن دولة عليا، وما زال معتقلاً على ذمتها حتى الآن ما يقرب من 50 معتقلاً.
بعدها بأيام وفي 27 أكتوبر 2023؛ شهد محيط جامع الأزهر تظاهرة داعمة للقضية الفلسطينية، وعلى إثرها اعتقل 11 شخصًا وتم حبسهم احتياطيًا على ذمة القضية رقم 2635 لسنة 2023.
في مارس 2024؛ لم يكن الأطفال بمنأى عن الاعتقال، إذ اعتُقل طفلان مع أربعة بالغين بسبب كتابة عبارات داعمة لغزة أعلى كوبري دار السلام، ليُحالوا إلى القضية 952 لسنة 2024.
وفي أبريل 2024؛ ارتفع عدد المعتقلين بسبب التضامن مع فلسطين، حيث اعتُقل 6 شباب من الاسكندرية بعد رفعهم لافتة تطالب بفتح معبر رفح والإفراج عن المعتقلين الذين اعتقلوا على خلفية هذه القضية، وتم حبسهم احتياطيًا على ذمة القضية 1644 لسنة 2024.
وبرغم القمع المتواصل؛ يثبت الشعب المصري أنه لا يزال حاضرًا في الميدان، يدفع الثمن غاليًا فداءً لأرض فلسطين ورفضًا للظلم، هذه التضحيات المتواصلة رسالة واضحة أن محاولات القمع لن توقف نبض الحرية.
وتضامنت منصات حقوقية وسياسية منها "مؤسسة جوار" و"مؤسسة عدالة لحقوق الإنسان" و"الموقف المصري" مع هؤلاء الشباب ومع كل مصري أدى واجبه تجاه غزة وتجاه مجتمعه، في وقت يحتاج فيه المجتمع إلى كل مساحة ممكنة للحركة والتعبير.