نظام مُثقل بالديون ومحاصر بالأزمات ..دلالات إقدام السيسي على إعدام 4 معتقلين بسجن برج العرب

- ‎فيتقارير

العالم منشغل بالحرب الدائرة في الخليج ولا أحد يعلم لها نهاية، ودولة مرتبكة مثقلة بالديون تحاصرها الأزمات من كل اتجاه، وبدلا من التفكير في مخرج يقرر المنقلب تنفيذ أحكام الإعدام في أربعة شبان بسجن برج العرب, محكومين في قضايا سياسية، وذلك بعد توقف لنحو 4 سنوات، في إجراء لتوقيته دلالات خطيرة، وفق حقوقيين, ويأتي هذا التطور في الوقت الذي تتتابع فيه المبادرات المطالبة بعقد "مصالحة وطنية" في مصر وإغلاق ملف المعتقلين السياسيين الممتد منذ الانقلاب العسكري منتصف 2013.

وتحت عنوان: "أنباء عن تنفيذ أحكام إعدام داخل سجن برج العرب"، أكد الحقوقي هيثم أبو خليل، ومركز "الشهاب لحقوق الإنسان"، وصول أنباء لهم تفيد بتنفيذ السلطات المصرية 4 أحكام إعدام فجر الأحد الماضي، بسجن "برج العرب" بحق 4 معتقلين في قضية "أنصار بيت المقدس"، موضحين أن السلطات تواصلت مع الأهالي لاستلام جثث ذويهم.

ووفق ما وصلهما من معلومات، فقد نُفذ حكم الإعدام في: أحمد عزت محمد، وعويض سلامة عايد "الشيخ عويض"، وياسر محمود محمد المزيني، وأنس إبراهيم صبحي فرحات؛ فيما أوضح أبو خليل، أن الأخير جرى إعدام شقيقه "بلال صبحي فرحات." في قضية "تنظيم أجناد مصر"، مارس 2022

وتحت هاشتاغ "#أوقفوا_تنفيذ_الإعدامات"، قال الحقوقي والإعلامي المصري: "بالدول الحقيقية يستغرق حكم الإعدام سنوات وسنوات للتنفيذ على أمل أن يظهر يوماً دليل براءة، وعندما يحين موعد التنفيذ يعلنون عنه,"مضيفا"أما في شبه الدول فيتم سلق أحكام الإعدام، وهناك محاكم استثنائية لا استئناف فيها ولا نقض، ويتم التعتيم والتكتم الشديد على موعد تنفيذ الحكم بخلاف القانون الذي ينص على زيارة استثنائية قبل التنفيذ, مؤكدا أن "هناك بوناً شاسعاً بين تطبيق العدالة بالقانون في النور وبين تطبيق الظلم بالقانون في الظلام."

من جانبه قال مركز "الشهاب لحقوق الإنسان": إن "تنفيذ الإعدامات في قضايا سياسية يثير مخاوف جدية بشأن العدالة، خاصة مع ورود تقارير عن انتهاكات في إجراءات التحقيق والمحاكمة، مطالباً بـ"وقف تنفيذ أحكام الإعدام في القضايا السياسية، وفتح تحقيقات مستقلة وشفافة، وضمان محاكمات عادلة وفق المعايير الدولية".
تفاصيل القضية

وأيدت محكمة النقض المصرية في 25 نوفمبر 2021، أحكاماً نهائية بإعدام 21 شخصاً ومنهم ضابط الشرطة المصري محمد عويس، في قضية تنظيم "أنصار بيت المقدس"، فيما تم تنفيذ الإعدام بحق ضابط الجيش المصري السابق وأحد قياديي التنظيم هشام عشماوي، شنقاً في 4 مارس 2020

وذلك في القضية رقم (21947 لسنة 2014) جنايات مدينة نصر، التي ضمت 116 متهماً، حُكم بالسجن المؤبد على 43 منهم، والمشدد 10 سنوات لـ21، والمشدد 5 سنوات لـ52؛ حيث وُجهت لهم تهم بارتكاب 54 عملية إرهابية، أسفرت عن مقتل،42 شرطياً، وهو ما نفاه المدانون ومحاموهم.

وتصف السلطات هذه القضايا بأنها "إرهاب" أو "عنف سياسي"، بينما تصفها منظمات حقوقية مثل "منظمة العفو الدولية"، و"هيومن رايتس ووتش"، بأنها محاكمات جائرة وتصفيات سياسية.

وحول قضية "أنصار بيت المقدس"، قالت منظمات مثل "هيومنرايتسووتش"، و"المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، و"الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان"، إن السلطات استغلت قانون "الكيانات الإرهابية" (رقم 8 لسنة 2015) للدفع بمعارضين سياسيين، ونشطاء، وأكاديميين، وصحفيين، بالقضية بناءً على تحريات أمنية ودون أدلة واضحة أو محاكمات عادلة.

ويجيء تنفيذ الحكم الأحد، برغم قرار قضائي صادر في 19 مايو 2025، برفع إدراج سابق لمتهمين في القضية على قوائم الإرهابيين والكيانات الإرهابية، ما اعتبره حقوقيون حينها بمثابة تصفية لقضية شهدت إدراج عشرات المعارضين على قوائم الإرهاب.

وجرى سابقاً تنفيذ أحكام إعدام بحق متهمين بالانتماء لذلك التنظيم، ففي مايو 2015، شهد سجن "استئناف القاهرة" تنفيذ حكم الإعدام بحق 6 متهمين بقضية "عرب شركس" التي كانت تضم عدداً من قيادات "تنظيم بيت المقدس.

في حين نفذ قطاع السجون يوم 15 ديسمبر 2016، حكم الإعدام بحق القيادي بـ"أنصار بيت المقدس"، عادل حبارة، التي كانت ناشطة في شبه جزيرة سيناء.

توقيت مثير

 

وتأتي عودة السلطات المصرية لتنفيذ أحكام الإعدام تلك بعد 5 سنوات من صدورها نهائية ضدهم، وبرغم انتهاء عمليات التنظيم بعد "العملية العسكرية الشاملة" للجيش عام 2018، ووسط دعوات متتابعة لإجراء مصالحة وطنية وحل أزمة المعتقلين السياسيين في ظل معاناة البلاد من تبعات أزمات إقليمية ومالية واقتصادية.

كذلك تثير عودة تنفيذ أحكام الإعدام السياسية بعد توقف التساؤلات حول دلالات التوقيت الحالي، والمتزامن مع حراك للمعارضة المصرية في الخارج، بمشاركة: حركة "ميدان"، و"المجلس الثوري المصري"، وحزب "تكنوقراط مصر"، وحزب "أمل مصر"، و"حركة سير"، وحركة "جاستس ماتر"؛ والتي دعت لمؤتمرها الأول بهدف تقديم بديل لنظام السيسي.

وتساءل الحقوقي والإعلامي هيثم أبو خليل، "هل تنفيذ تلك الأحكام يأتي رداً على مؤتمر ميدان؟ أم أنه تصعيد من النظام في غير وقته؟"

وأعلنت قوى مصرية معارضة من الخارج تضم خبراء، ومتخصصين، وكوادر بمجالات مختلفة، الأحد، عن تدشين "المؤتمر الوطني الأول"، بهدف صياغة مشروع وطني مشترك، وتقديم حلول للأزمات الاقتصادية والمعيشية، وتقديم بدائل سياسية لإنقاذ الدولة، ما قابله الإعلام الرسمي المحلي بهجوم حاد.

السيسي يجيد فقط صناعة القتل

وفي رؤيته، قال السياسي المصري رضا فهمي: "أرى أن عودة تنفيذ أحكام الإعدام إذا جرى تسكينها في مساحة مؤتمر المعارضة المصرية بالخارج نكون قد اختزلنا المشهد بشكل كبير؛ لأن السيسي لديه مشاكل مركبة منها الديون المستحقة، وتآكل الاحتياطي من السلع الأساسية وخاصة الطاقة".

وأكد أن "السيسي في مأزق حقيقي على 3 مستويات

محلياً وإقليمياً ودولياً"، مشيراً إلى "إشكالية علاقاته بدول الإقليم الذي يواجه تحديات كبيرة وتصدعات واحتمالات تعرض دول بالخليج لاهتزازات ضمن ارتدادات "طوفان الأقصى" و"الحرب الامريكية علي إيران"، كما أن الراعي الأمريكي لديه أزماته ولن يلتفت لأي أذرع خارجية له وخاصة مع قرب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.

ولفت إلى أنه "في أزمة ضخمة؛ ليس أكبرها كثرة الديون المستحقة بفترة وجيزة"، مبيناً أنه "وبينما يتكلمون عن 38 مليار دولار الرقم الحقيقي يفوق 50 مليارا، ولكنهم يعتمدون على أن الخليج سوف يحافظ على ودائعه رغم أنه لا يوجد ضمان لبقائها وقد يتم سحبها وقت استحقاقها وخاصة من الإمارات.

ويعتقد أن "تحركات المعارضة بالخارج تزعج السيسي؛ لأن الأنظمة العسكرية منذ 1952 وحتى الآن دائماً كان السؤال عن البديل حاضراً أيام جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، والآن نحاول تقديم بديل السيسي، مع رؤية ومشروع لحكم مصر، وتصورات لحل المشكلات، ضمن حالة توافق بين قوى وطنية مختلفة وتعاون حول اليوم التالي لرحيل السيسي.

وخلص للقول: "ومع ذلك لا يمكن القول: إن "عودة تنفيذ أحكام الإعدام نتيجة لتحركات المعارضة ومؤتمر "ميدان"، وكرد فعل أو نكاية في المعارضة"، مبيناً أن "السيسي يدفع نحو إجراءات وقرارات تفاقم الأزمات، ويستحضر الحلول الأمنية والحلول الأخرى لديه أبعد ما يكون عنها لأنه يعيش هاجس ثورة" 25 يناير"، وما يثار عن تساهل نظام مبارك مع الحراك حينها".

ثلاثة آلاف حكم بالإعدام

وتنتقد منظمات حقوقية دولية عقوبة الإعدام في مصر، مشيرة إلى انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان منذ العام 2013، ومخالفات للقوانين المحلية، وعقد محاكمات سياسية تغيب عنها ضمانات العدالة، خاصة مع تعرض المتهمين للإخفاء القسري وانتزاع الاعترافات تحت وطأة التعذيب، بجانب الأحكام الجماعية بالإعدام.

وفي مفارقة لاقت انتقاداً حقوقياً واسعاً، وفي 24مارس 2014 حكم رئيس محكمة جنايات المنيا سعيد يوسف، بالإعدام على 529 مصرياً دفعة واحدة.

وتشير منظمات حقوقية إلى أنه صدر خلال عهد السيسي، بين عامي 2013 و2019)، أكثر من 3 آلاف حكم بالإعدام صادرة من القضاء العسكري ومن محاكم استثنائية، فيما رصدت مؤسسة "كوميتي فور جستس" الحقوقية إصدار 2595 حكماً بالإعدام منذ يوليو 2013 وحتى يوليو 2021، عن "محاكم غير طبيعية واستثنائية، اختير أعضاؤها بطريقة انتقائية ومخالفة لاستقلال القضاء.

وبينما وثق "مركز الشهاب لحقوق الإنسان" إصدار 1565 حكماً بالإعدام في قضايا سياسية بين عامي 2013 و2021، نُفّذ منها 97 حكماً بالإعدام، أكدت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إعدام 2300 مصري "جنائيين وسياسيين" بين 2013 و2019، ملمحة إلى أن عام 2023 شهد وحده صدور 454 حكماً بالإعدام، في حين شهد النصف الأول من عام 2025 صدور 342 حكماً، منها 31 ضد نساء.

واحتلت مصر المركز الثالث عالمياً في تنفيذ أحكام الإعدام عام 2021، والمرتبة الثانية عالمياً في تنفيذ عقوبة الإعدام بحق النساء بنفس العام، والمركز الخامس عامي 2022 و2023

ارقام قيد التنفيذ

 

ووفق رصد حقوقي فقد جرى إعدام 32 معتقلاً سياسياً عام 2020، منهم 15 مصرياً في 3 و4 أكتوبر بقضايا "مكتبة الإسكندرية" و"قسم شرطة كرداسة" و"أجناد مصر 1"، وذلك قبل إعدام 7 بقضية "ضابط الإسماعيلية" 28 يوليو، وتنفيذ حكم شنق الضابط السابق هشام عشماوي 4 مارس، و8 آخرين بقضية "الكنائس" 25 فبراير.

كما تم إعدام 18 معتقلاً عام 2019، بينهم 3 في قضيتي "سفارة النيجر" و"كنيسة حلوان" 5 ديسمبر، قبل أن يشهد 20فبراير إعدام 9 معتقلين بقضية النائب العام رغم نفيهم ارتكاب تلك الجرائم، ليجري إعدام 3 بقضية "اللواء نبيل فراج" 13 فبراير، و3 آخرين بقضية "نجل المستشار" في 7 فبراير.

وفي حين شهد يناير 2018 إعدام 4 بقضية "الكلية الحربية"، جرى تنفيذ الحكم بحق 15 بقضية "سيناء" يوم 26 ديسمبر 2017، وإعدام عادل حبارة 15 ديسمبر 2016، ما سبقه إعدام 6 بقضية "عرب شركس" 17 مايو 2015، وإعدام واحد بقضية "بناية الإسكندرية" يوم 7 مارس.

ويشير مراقبون ومحللون سياسيون إلى أن "نظام السيسي لا يلتفت إلى ملف المعتقلين السياسيين ويجعل ملف التيار الإسلامي ، وفي مقدمتهم الإخوان  ورقة في يده للضغط على الدول العربية الخليجية وعلى الاتحاد الأوروبي، للحصول على دعمها المالي والسياسي".