أطلق وزير الخارجية التركي هاكان فيدان تصريحات لافتة قال فيها إن كيان الاحتلال “لا يستطيع العيش من دون عدو”، وإنه بعد إيران “بدأ في تطوير خطاب جديد لإعلان تركيا عدواً إقليمياً”.
وأوضح أن هذا التوجه لا يقتصر على حكومة نتنياهو، بل يمتد إلى شخصيات داخل المعارضة في كيان الاحتلال، ما يعني أن الأمر يتجاوز الحسابات الحزبية إلى ما يشبه “عقيدة دولة”.
كما حذّر من أن النشاط العسكري لكيان الاحتلال قد يمتد لاحقاً إلى سوريا، باعتبارها ساحة مفتوحة أمام مشروع توسعي مؤجل بسبب انشغال تل أبيب بالحرب مع إيران ولبنان.
ولم تُقرأ هذه التصريحات، باعتبارها مجرد تحذير تركي، بل كإعلان عن مرحلة جديدة ترى فيها أنقرة أن كيان الاحتلال يعيد ترتيب أولوياته، وأن تركيا باتت ضمن الحسابات الاستراتيجية المقبلة، لاسيما وأنها جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
لماذا تركيا الآن؟
يرى الصحفي علي أبو رزق @ARezeg أن ما قاله فيدان ليس مفاجئاً، بل “تأكيد للمؤكد”، لأن كيان الاحتلال، كما يقول، يعيش على صناعة العدو، وأن أنقرة تعلم أن “العدو الإقليمي الأكبر بعد إيران سيكون تركيا”. ويشير أبو رزق إلى أن الحرب في لبنان، وما يجري في الجنوب، ليست سوى جزء من مشروع توسعي أكبر، وأن تركيا تدرك أن أي توسع في سوريا أو لبنان سيطال أمنها القومي مباشرة.
ويضيف أبو رزق أن ما يجري اليوم يذكّر بأن “معركة جنوب لبنان هي خط الدفاع الأول عن سوريا والأمن القومي التركي”، تماماً كما كانت غزة خط الدفاع الأول عن القاهرة لسنوات. ومن هذا المنظور، فإن تركيا ترى أن أي توسع لكيان الاحتلال في سوريا سيعني انتقال التهديد مباشرة إلى حدودها.
اليونان وقبرص… بوابة الالتفاف على تركيا
وتوقف فيدان عند التعاون العسكري المتزايد بين كيان الاحتلال وكل من اليونان وجنوب قبرص، معتبراً أن هذا التعاون “لا يملك تفسيراً استراتيجياً منطقياً”، لأن اليونان عضو في الناتو، وقبرص الجنوبية تتمتع بدعم الاتحاد الأوروبي. ويرى فيدان أن هذا التعاون “مفروض على الحكومة اليونانية تحت ضغوط خارجية”.
ويشير الكاتب والباحث السعودي عبدالله السحيم @abdullahassahem إلى أن اليونان تتبع سياسات “شديدة الخطورة”، وأنها تحاول لعب دور يتجاوز قدراتها، مستندة إلى دعم خارجي يهدف إلى إعادة تشكيل ميزان القوى في شرق المتوسط. ويضيف أن تصوير تركيا كعدو هو جزء من “سردية تُبنى تدريجياً داخل كيان الاحتلال”، بدأت كخطاب شعبوي ثم تحولت إلى توجه سياسي، والآن تُرسّخ كعقيدة دولة.
ويؤكد ياسين عز الدين @yaseenizeddeen أن ما قاله فيدان حول أن كيان الاحتلال “لم يوقف هجماته على سوريا لأنه لا يريد، بل لأنه منشغل في لبنان وإيران”، هو قراءة واقعية للعقلية الصهيونية. ويشير إلى أن هدف كيان الاحتلال التالي هو “تقسيم سوريا واختراقها واحتلال أجزاء منها”، مستغلاً ضعف النظام الحالي ووجود بؤر توتر، خصوصاً في السويداء.
ويضيف عز الدين أن أي قراءة موضوعية لسلوك كيان الاحتلال تظهر أنه يتحرك وفق منطق “التوسع عند الفرصة”، وأن انشغاله الحالي لا يعني تراجعاً عن مشروعه، بل تأجيل مؤقت.
لبنان… استنساخ نموذج غزة
ويرى علي أبو رزق @ARezeg وعبدالله السحيم @abdullahassahem أن ما يجري في جنوب لبنان يعكس محاولة من كيان الاحتلال لتطبيق نموذج مشابه لما فعله في غزة: قصف مكثف، تدمير للبنية التحتية، تهجير للسكان، وخلق مناطق خالية من الوجود البشري. ويشير السحيم إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص من جنوب لبنان ليس حدثاً عابراً، بل جزء من مشروع توسعي أوسع.
ويضيف أن كيان الاحتلال يسعى إلى إعادة رسم الحدود الجنوبية للبنان بطريقة تضمن له عمقاً أمنياً أكبر، وأن هذا المشروع قد يمتد لاحقاً إلى سوريا، ما يجعل المنطقة كلها أمام سيناريوهات تصعيدية مفتوحة.
تركيا بين التهديد والاستعداد
من جانبه يؤكد الأكاديمي العراقي د. مصطفى الحديثي @mustafalhadithi أن تصريحات فيدان تعكس إدراكاً تركياً بأن كيان الاحتلال “لا يستطيع العيش بدون اختلاق أعداء”، وأن تركيا “مستعدة للتعامل مع جميع السيناريوهات”. ويشير الحديثي إلى أن فيدان، بصفته رئيس جهاز المخابرات السابق ووزير الخارجية الحالي، يمثل “أحد أهم وأذكى الشخصيات الاستراتيجية في الشرق الأوسط”، وأن كلامه يعكس تقديراً استخباراتياً وليس مجرد موقف سياسي.
ويضيف الحديثي أن تركيا ترى أن سقوط النظام الإيراني سيؤدي إلى فوضى إقليمية واسعة، وأن هذا السقوط سيمنح نتنياهو فرصة لتوسيع نفوذه في المنطقة، ولذلك تحرص أنقرة على بقاء التوازن الإقليمي.
ويرى الحديثي أن تركيا تعتبر بقاء إيران، رغم الخلافات معها، “حاجزاً ضرورياً” أمام مشروع نتنياهو. ويشير إلى أن انهيار إيران سيخلق فراغاً إقليمياً هائلاً قد تستغله قوى متعددة، بما فيها كيان الاحتلال، وأن تركيا ستكون من أكثر الدول تضرراً من هذا السيناريو.
ويضيف أن أنقرة تدرك أن أي فراغ في إيران سيؤدي إلى موجات من عدم الاستقرار تمتد من الخليج إلى القوقاز، وأن الحفاظ على توازن القوى في المنطقة جزء أساسي من استراتيجيتها.
“نتنياهو ..الشر الذي يحتاج عدواً دائماً”
ويرى عبدالله السحيم @abdullahassahem أن تصريحات فيدان تعكس قراءة دقيقة لسلوك نتنياهو، الذي يعتمد على خلق عدو دائم لتبرير سياساته الداخلية والخارجية. ويشير السحيم إلى أن نتنياهو بنى خطابه السياسي على فكرة “الخطر الوجودي”، وأنه كلما تراجع هذا الخطر، سعى إلى خلق خطر جديد.
ويضيف أن هذا السلوك لم يعد مرتبطاً بشخص نتنياهو فقط، بل أصبح جزءاً من “عقيدة الدولة” داخل كيان الاحتلال، حيث يتم تصوير أي قوة إقليمية صاعدة كتهديد يجب احتواؤه أو مواجهته.
تحذيرات وقراءة لمرحلة قادمة
ويقول فيدان في تصريحاته التي نقلتها عنه الأناضول إن السياسة التوسعية لكيان الاحتلال بعد أحداث أكتوبر جعلت “خطوط الصدع في المنطقة أكثر هشاشة”، وإن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى صراعات أوسع يصعب احتواؤها. ويشير إلى أن ما يجري في لبنان وسوريا جزء من مشروع توسعي أكبر، وأن تركيا تبذل جهوداً دبلوماسية لمنع تحول الحرب إلى كارثة إقليمية.
الأمن إلى التوسع
ويؤكد فيدان أن كيان الاحتلال “لا يسعى إلى الأمن بل إلى الاستيلاء على مزيد من الأراضي”، وأنه يستخدم ذريعة الأمن لتبرير التوسع. ويرى أن اللحظة الإقليمية الحالية تمنح تل أبيب فرصة لمحاولة تنفيذ مشاريع مؤجلة، وأن وعي المجتمع الدولي بدأ يتغير مع انكشاف هذه السياسات.