جاء الإعلان الحكومي عن زيادات جديدة في أجور المعلمين والعاملين في القطاع الطبي ليعيد فتح ملف الأجور من جديد، في وقت تتسارع فيه موجات الغلاء وتنهار فيه القوة الشرائية للجنيه بصورة غير مسبوقة. فبعد سلسلة قرارات برفع الحد الأدنى للأجور من 6000 إلى 7000 ثم إلى 8000 جنيه اعتبارًا من يوليو 2026، بدا واضحًا أن الزيادات الاسمية لم تعد قادرة على إحداث أي تحسن حقيقي في مستوى المعيشة، لأن قيمتها الفعلية تتراجع فور مقارنتها بالدولار أو بمستوى الأسعار. وهكذا تحولت الزيادات إلى مجرد أرقام على الورق، تُستخدم لتهدئة الغضب الاجتماعي أكثر من كونها أدوات لتحسين حياة العاملين.
في هذا السياق، أعلن نائب وزير المالية أحمد كجوك عن زيادة استثنائية للمعلمين تتراوح بين ألف وألف ومئة جنيه، وللعاملين في الصحة 750 جنيهًا، ضمن موازنة ترتفع فيها مخصصات الأجور إلى 679.1 مليار جنيه. لكن العاملين في التعليم استقبلوا هذه الوعود بقدر كبير من الشك، مستندين إلى تجارب سابقة لم تُنفذ كما أُعلن، وإلى واقع اقتصادي يجعل أي زيادة تتبخر قبل أن تصل إلى جيوبهم. فالمعلمون، مثل باقي موظفي الدولة، يرون أن الزيادة لا تُحدث فرقًا حقيقيًا بسبب الغلاء والخصومات، وبسبب شعور واسع بعدم العدالة في توزيع الحوافز داخل المنظومة التعليمية.
وتعاني المدارس المصرية من أزمة خانقة تتمثل في العجز الكبير في أعداد المعلمين، وهي أزمة تتفاقم عامًا بعد عام دون حلول جذرية. وبدلًا من تعيين معلمين جدد، تلجأ الوزارة إلى تحميل المعلمين الحاليين حصصًا إضافية وتقليص زمن الحصص الأساسية، في محاولة لتسكين الأزمة مؤقتًا، وهو ما يثير قلق الخبراء وأولياء الأمور على جودة العملية التعليمية ومستقبل الطلاب. وفي ظل هذا الضغط، يصبح الحديث عن “حافز” لا يحصل عليه الجميع أشبه بإضافة عبء نفسي جديد فوق الأعباء المهنية والمعيشية.
ويعبّر أبو منذر أحمد سعود (AboMonzer Ahmed Sauod) عن هذا الشعور بوضوح، إذ يرى أن قرار تحسين أجور العاملين بالتربية والتعليم يفقد معناه حين تُستثنى منه فئات داخل المدرسة. ويشير إلى أن السيسي دعا إلى رفع أجور جميع العاملين بالعملية التعليمية دون تمييز، بينما يقوم وزير التربية والتعليم – بحسب رأيه – بحرمان تخصصات بعينها من الحوافز، رغم أن الجميع يعمل داخل المنظومة نفسها ويواجه الظروف المعيشية ذاتها. ويضيف أن استمرار العمل على أساس راتب 2014 في عام 2026 يمثل ظلماً مضاعفاً، وأن عدم تحريك الأساسي وفروق السنوات الماضية حرم العاملين من حقوقهم. ويؤكد أن الأخصائيين الاجتماعيين وغيرهم من التخصصات جزء أساسي من العملية التربوية، وأن استبعادهم يخلق فتنة داخل المدارس ويعمّق الشعور بالتهميش.
أما المعلم محمد علي فيرى أن المشكلة ليست في “الحوافز” فقط، بل في أساس المرتب نفسه. فهو يطالب بأن يكون الراتب محسوباً على أساسي 2026 وليس على أساسي 2014، لأن بقاء الأساسي القديم يعني أن أي زيادة أو مكافأة تُحسب على رقم فقد قيمته تماماً. ويطالب بأن تُصرف مكافأة الامتحانات أيضاً على أساس 2026، باعتبار أن الأسعار والتضخم تغيّرت جذرياً، بينما بقيت قواعد الحساب كما هي، وهو ما يعطي إحساساً بأن الزيادات الحالية “شكلية” لأنها تُبنى على أساس راتب متآكل.
ويضيف توفيق عطاب (Tawfik Attab) أن المشكلة الأكبر هي أن أغلب المعلمين لا يحصلون على حافز التدريس من الأساس. فهو يقول إن 80% من المعلمين لا يحصلون على هذا الحافز، وأن عدد المستفيدين في كل مدرسة لا يتجاوز ستة أو سبعة معلمين فقط. وهذا يعني أن الحافز الذي يُقدَّم إعلامياً كزيادة عامة للمعلمين لا يصل فعلياً إلا لعدد محدود جداً، ما يخلق شعوراً بالتمييز داخل المدرسة نفسها، ويجعل الزيادة غير ذات أثر على الغالبية.
ويشارك أبو كريم حمزة الرأي نفسه، إذ يرى أن الزيادة المعلنة لا تساوي شيئًا أمام ارتفاع أسعار السولار واللحوم والزيت والأرز والخضار والأسماك. ويقول إن التضخم يأكل الزيادة بالكامل، ما يجعل العاملين يشعرون بأنهم يدورون في حلقة مفرغة. وتضيف أم إيمان تساؤلاً يعكس حالة من الغموض: هل الزيادة خاصة بالمعلمين أم أنها زيادة عامة مثل باقي موظفي الدولة؟ وكأن الناس لا يعرفون ما إذا كانوا مشمولين أم مستبعدين، وهو ما يعكس ضعف التواصل الحكومي وغياب الشفافية.
وتقول لجينة هانيLojina Hony إن الحكومة “تزود من هنا وتأخذ من هناك”، في إشارة إلى أن الضرائب والخصومات تبتلع الزيادة. ويتساءل كثيرون: “بعد الخصم هتصفى كام؟” و“فين الألف الأولى؟” و“هيصفوا على كام؟”، وهي أسئلة تكشف حجم القلق من أن الزيادة قد لا تصل فعلياً إلى جيوب العاملين.
ويشير المعلم محمود أفندينا إلى أن العاملين في التعليم الخاص “لا حياة لمن تنادي”، وأنهم بلا حماية أمام أصحاب المدارس. وهذا يعكس فجوة كبيرة بين القطاعين الحكومي والخاص، حيث لا توجد آلية تلزم المدارس الخاصة بتطبيق الحد الأدنى أو الحوافز، رغم أن المعلمين في هذا القطاع يشكلون نسبة كبيرة من العاملين في التعليم.
أما سمير عميرة وغيره من الإداريين والمشرفين والأخصائيين فيرون أنهم خارج الحسابات تماماً، وأن الحوافز لا تشملهم، ما يعمّق الإحساس بالتمييز داخل المدرسة نفسها. ويشعر هؤلاء بأنهم يُعاملون كأنهم خارج العملية التعليمية، رغم أنهم جزء أساسي من تشغيل المدارس.
ويأتي هذا كله في ظل واقع اقتصادي يجعل الزيادات بلا قيمة تقريباً. فبسعر صرف بلغ 53.55 جنيهًا للدولار في أبريل 2026، لا تتجاوز زيادة 1100 جنيه نحو 20 دولارًا، بينما تعادل زيادة 750 جنيهًا حوالي 14 دولارًا فقط. وحتى الحد الأدنى الجديد البالغ 7000 جنيه لا يتجاوز 130 دولارًا، بعدما كان يعادل 138 دولارًا عند الإعلان عنه، ما يعني أن الزيادة الاسمية لم تمنع تراجع القيمة الفعلية للراتب.
ويقدم الخبير التربوي الدكتور كمال مغيث (Kamal Mougheeth) رؤية أكثر عمقاً، إذ يعبر عن رفضه الشديد لما يراه من تضليل في الخطاب الرسمي حول الأجور والمعاشات. ويؤكد أن ما يُقال عن وصول الحد الأدنى للمعاش إلى سبعة آلاف جنيه ليس سوى “كذبة” تكررت حتى صدّقها البعض، بينما الواقع – كما يصفه – أن من يخرجون إلى المعاش هذا العام يحصلون على نحو ثلاثة آلاف جنيه فقط. ويقارن مغيث بين ما يجري في مصر وما يعرفه عن فرنسا، حيث لا يقلق المواطن من ارتفاع الأسعار لأن الحكومات الديمقراطية تحافظ على القوة الشرائية للعملة، ولأن النقابات والأحزاب تقف بالمرصاد لأي مساس بحقوق الناس. ويرى أن هذه الآليات هي ما يحمي المواطن، لا مجرد أرقام تُعلن في المؤتمرات.
ويصف مغيث المقارنة التي عقدها أحد الوزراء بين أسعار الخبز والمرتبات في مصر وفرنسا بأنها مقارنة “رخيصة ومبتذلة”، ويقول إن مثل هذه التصريحات تكشف انفصالًا كاملًا عن الواقع المعيشي للمصريين. ويضيف أن نظام التعليم الجديد مجرد منظومة يفرضها البنك الدولي، وأن الوزير مجرد منفذ لشروطه، ما يعمّق شعور العاملين بأن القرارات لا تراعي احتياجاتهم ولا ظروفهم.
ويكشف ملف “حافز المعلمين” عن أزمة أعمق من مجرد زيادة مالية. إنها أزمة ثقة، وأزمة عدالة، وأزمة إدارة، وأزمة رؤية. فالمعلمون لا يرفضون الزيادة، بل يرفضون أن تكون شكلية، أو انتقائية، أو بلا أساس عادل. ويطالبون بأن تكون الزيادة حقيقية، شاملة، مبنية على أساس راتب حديث، وأن تُصرف دون خصومات تبتلعها. وبينما تتحدث الحكومة عن تحسين الأجور، يشعر المعلمون بأنهم ما زالوا خارج الحسابات، وأن الزيادات بلا حدّ ولا أدنى… لأنها ببساطة لا تصل إليهم كما يجب.
حيث يعتبر الموظفون في مصر ومنهم المعلمون أن الزيادة لا تُحدث فرقًا حقيقيًا بسبب الغلاء والخصومات مع شعور واسع بعدم العدالة في توزيع الحوافز داخل التعليم فضلا عن عنصر غياب ثقة متوفر في الوعود الحكومية بسبب تجارب سابقة لم تُنفذ كما أُعلن.