تراجع على عدة مستويات أبرزها أمام المعتقلين .. القضاء بين ضغوط المعيشة وتحديات الاستقلال

- ‎فيتقارير

تشهد الساحة القضائية في مصر واحدة من أكبر موجات الخروج من الخدمة خلال العقود الأخيرة، بعدما كشف تحقيق نشرته منصة متصدقش عن خروج أكثر من 1300 قاضٍ من مختلف الهيئات القضائية بين عامي 2022 ومارس 2026، وبحسب سبعة مصادر قضائية تحدثت للمنصة، بينهم ثلاثة نواب لرئيس محكمة النقض وثلاثة رؤساء لمحاكم الاستئناف وقاضٍ في إدارة التفتيش القضائي، فإن هذه الأعداد تمثل نحو 5.9% من إجمالي عدد القضاة البالغ 22 ألفًا وفق آخر إحصاء رسمي في 2020. وتوزعت حالات الخروج بين استقالات جماعية واسعة، وتحقيقات تأديبية، ووقائع فساد، إضافة إلى مخالفات تتعلق بممارسة أعمال محظورة على القضاة.

 

800 استقالة… الرواتب لا تواكب الغلاء

تصدرت الاستقالات المشهد، إذ سجل العامان القضائيان 2023/2024 و2024/2025 وحتى مارس 2026 خروج نحو 800 قاضٍ من الخدمة، احتجاجًا على ما وصفوه بـ«تدهور القيمة الحقيقية للرواتب» مقارنة بالارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة، وتشير المصادر إلى أن رواتب المناصب العليا مثل نائب رئيس محكمة النقض أو رئيس محكمة استئناف القاهرة تتراوح بين 40 و50 ألف جنيه، بينما يحصل رئيس محكمة (أ) على نحو 25 ألف جنيه، ورئيس محكمة (ب) على 20 ألفًا فقط، شاملة البدلات والحوافز.

 

وترى مصادر قضائية أن هذه الرواتب لم تعد تتناسب مع موجات التضخم التي ضربت البلاد، إذ ارتفع معدل التضخم من 5.8% في 2021 إلى 14.9% في 2022، ثم قفز إلى 35.4% في 2023، قبل أن يتراجع إلى 27.9% في 2024 و13% في 2025، هذا التدهور الاقتصادي وضع القضاة، الذين طالما اعتبروا أن «العزة تغني عن المال»، أمام واقع جديد جعل كثيرين منهم عاجزين عن تلبية التزاماتهم الاجتماعية والمهنية، ما دفعهم إلى الاستقالة والبحث عن فرص عمل في الشركات الخليجية أو المكاتب القانونية الدولية ذات الرواتب المرتفعة.

وبحسب المنصة، تكشف الأرقام غير المسبوقة عن أزمة مركبة داخل الجهاز القضائي المصري، تجمع بين الضغوط الاقتصادية التي دفعت مئات القضاة إلى الاستقالة، وبين تحديات تتعلق بالرقابة والانضباط المهني، إضافة إلى قضايا فساد أثرت على صورة القضاء وهيبته، ويشير مراقبون إلى أن خروج هذا العدد الكبير خلال فترة قصيرة يطرح تساؤلات حول قدرة المنظومة القضائية على الحفاظ على كوادرها، خاصة في ظل المنافسة الشديدة من المؤسسات القانونية الدولية والإقليمية التي تقدم رواتب أعلى بكثير.

ويرى آخرون أن الأزمة لا تتعلق فقط بالرواتب، بل بغياب رؤية واضحة لإصلاح أوضاع القضاة، وتراجع الثقة داخل المؤسسات، وازدياد الضغوط المهنية والاجتماعية، ما يجعل المنظومة القضائية أمام تحديات تتطلب معالجة جذرية تتجاوز الحلول المؤقتة.
 

سيارات القضاة و"أوبر"

من بين الوقائع التي أثارت صدمة داخل الأوساط القضائية، تورط نحو 350 قاضيًا في تشغيل سياراتهم الخاصة ضمن منظومة شركة «أوبر» للنقل الذكي، وتعود بداية اكتشاف الواقعة إلى الإدارة العامة للمرور، التي لاحظت أثناء مراجعة بيانات المخالفات المرورية وجود سيارات تراكمت عليها مخالفات ضخمة ثم أزيلت بشكل متكرر، ما أثار الشكوك ودفع إلى فتح تحريات موسعة.

 

وكشفت التحريات أن هذه السيارات مملوكة لقضاة ومستشارين، وأنها كانت تُشغَّل عبر سائقين مقابل عائد مالي يعود لمالكيها، في مخالفة صريحة للمادة 72 من قانون السلطة القضائية التي تحظر على القاضي ممارسة أي عمل تجاري أو نشاط يتعارض مع استقلال القضاء وكرامته.

 

وأعدت الإدارة العامة للمرور كشفًا تفصيليًا بأسماء القضاة المتورطين، وأرسلته إلى النائب العام والتفتيش القضائي والمجلس الأعلى للقضاء، وبعد تحقيقات موسعة، ثبتت المخالفات بحق عدد كبير منهم، ليتم التعامل مع كل حالة وفق مسار مختلف، بين قبول الاستقالة مع الاحتفاظ بالحقوق المالية، أو الإحالة إلى وظائف غير قضائية، أو العزل الكامل دون مستحقات، وتحت ضغط التحقيقات، فضّل معظم القضاة تقديم استقالاتهم طوعًا لتجنب قرارات العزل النهائي.

 

150 حالة عزل وتحقيقات في قضايا فساد واستغلال نفوذ

إلى جانب الاستقالات وواقعة «أوبر»، شهدت السنوات الأربع الأخيرة خروج نحو 150 قاضيًا ومستشارًا بسبب قضايا جنائية وتأديبية، وتنوعت هذه القضايا بين الرشوة والفساد المالي، واستغلال النفوذ، ومخالفات مالية وإدارية، وممارسة أعمال مهنية أو تجارية محظورة، إضافة إلى مخالفات تتعلق بواجبات الوظيفة القضائية.

 

وفي بعض الحالات انتهت التحقيقات إلى العزل الكامل من الوظيفة القضائية، بينما أحيل آخرون إلى وظائف إدارية داخل مؤسسات الدولة، وتؤكد المصادر أن هذه القضايا، رغم محدودية عددها مقارنة بإجمالي القضاة، تعكس وجود خلل في منظومة الرقابة الداخلية، وتكشف عن ضغوط اقتصادية واجتماعية دفعت بعض القضاة إلى ممارسات تتعارض مع طبيعة عملهم.

 

ذكريات مع القضاة

هذا التراجع المؤسسي يتقاطع مع ذاكرة اجتماعية مثقلة لدى آلاف المعتقلين السابقين وأسرهم، ممن مرّوا بتجارب قاسية داخل السجون وأمام المحاكم، وخرجوا بانطباعات قاتمة عن أداء بعض الدوائر القضائية، وعن حجم النفوذ الذي تمارسه الأجهزة الأمنية على مسار العدالة، شهادات كثيرة، مثل تلك التي يرويها ناشطون ومعتقلون سابقون، تكشف عن شعور واسع بأن القضاء فقد استقلاله، وأن قرارات الحبس والإفراج لم تعد تُبنى على الأدلة بقدر ما تُبنى على توجيهات أمنية.

يروي أنس حبيب جانبًا من تجربته في السجون المصرية بين عامي 2015 و2017، مؤكدًا أن ما عاشه خلال تلك الفترة شكّل وعيه تجاه منظومة العدالة، يقول إنه "فوجئ منذ اللحظة الأولى بوضع اسمه في ثلاث قضايا خطيرة لا تتناسب مع عمره آنذاك، إذ كان في الخامسة عشرة فقط، ويصف كيف تم اقتياده من مطار القاهرة إلى قسم دمنهور وسط إجراءات أمنية مشددة، رغم أن أمين الشرطة نفسه لم يصدق أن المتهم هو ذلك الفتى الصغير".

 

ينتقل أنس إلى أولى جلسات محاكمته في إيتاي البارود، حيث اكتشف لأول مرة أن المحامين يطلبون «التجديد عمدًا» خوفًا من القاضي، وهو ما صدمه، إذ كان يتوقع أن يكون القاضي ملاذًا للعدالة لا مصدرًا للخوف، ويشير إلى أن النيابة – بحسب ما شاهده – لا تملك قرار الإفراج أو التجديد، وأن الأمر كله بيد ضابط الأمن الوطني، وهو ما اعتبره خللًا جوهريًا في منظومة العدالة.

 

بعد أشهر من التجديدات، أحيلت قضاياه إلى الجنايات، وهو ما كان يُعد بارقة أمل للمعتقلين السياسيين، على أمل الوقوف أمام قاضٍ مستقل، لكن حظه كان سيئًا، إذ وقعت قضاياه أمام دوائر معروفة بتشددها تجاه القضايا السياسية، ما دفع المحامين إلى طلب التأجيل المستمر حتى تتغير الدائرة مع بداية السنة القضائية الجديدة.

 

يصف أنس بعض القضاة الذين تعامل معهم بعبارات قاسية، معتبرًا أن أحكامهم كانت تصدر دون سند حقيقي، وأن تحقيقات الأمن الوطني – كما ورد في شهادات ضباط سابقين – كانت تُفبرك بسهولة، ما يجعل مستقبل المتهمين رهين ورقة مطبوعة، ويقول إن آلاف الشباب، بينهم قُصّر، وجدوا أنفسهم في قضايا لا يعرفون عنها شيئًا، دون أدلة أو شهود أو إجراءات سليمة.

 

ورغم قتامة التجربة، يشير أنس إلى أن بعض القضاة كانوا معروفين بالنزاهة، وأن مجرد إحالة القضية إليهم كان يعني البراءة، وفي النهاية، وبعد تغيير الدائرة، حصل هو ومعظم المتهمين معه على البراءة، باستثناء اثنين حُكم عليهما بخمس سنوات كانوا قد قضوا معظمها بالفعل في الحبس الاحتياطي.

 

يختم أنس شهادته بالتأكيد على أن ما عاشه كشف له حجم المعاناة التي مر بها ملايين المصريين بشكل مباشر أو غير مباشر، معتبرًا أن العقد المجتمعي القائم أنتج ظلمًا واسعًا، وأن الأجيال الجديدة تحمل رغبة في بناء منظومة عدالة حقيقية تحترم القانون وحقوق الإنسان.

القضاة في 25 يناير

وكان الإعلامي حافظ المرازي انتقد في 25 يناير الماضي ترتيب جلوس كبار المسؤولين خلال احتفال وزارة الداخلية بعيد الشرطة، معتبرًا أن ما حدث يمثل إهانة واضحة للسلطة القضائية وتجاوزًا للبروتوكول الرسمي للدولة. وأوضح أن ترتيب الجلوس في أي احتفال رسمي يحضره السيسي يخضع لقواعد دقيقة، تبدأ بالسيسي، ثم رئيسي مجلس النواب والشيوخ، ثم رئيس الوزراء، يليهم رئيس المحكمة الدستورية العليا، ثم رئيس محكمة النقض بصفته رئيس مجلس القضاء الأعلى، قبل الوزراء.

 

لكن الصور التي ظهرت في الاحتفال أظهرت تجاهلًا تامًا لهذا الترتيب. فقد جلس وزير الداخلية، بوصفه "صاحب الحفل"، في الصف الأول إلى جوار المنقلب السيسي، بينما جلس عدلي منصور في الصف الأول أيضًا، رغم أنه لا يشغل أي منصب رسمي، كما جلس رئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء ونائبه وزير الصحة في الصف الأول، إضافة إلى وزير النقل كامل الوزير.

 

في المقابل، تم إبعاد رئيسي السلطة القضائية—رئيس محكمة النقض المستشار عاصم الغايش، ورئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار بولس فهمي—إلى الصف الثالث، وسط قيادات الشرطة وعائلاتهم، خلف الوزراء وخلف من يجلس خلف الوزراء، في مشهد وصفه المرازي بأنه غير مسبوق ومخالف تمامًا للبروتوكول.

 

وتساءل المرازي عمّا إذا كان هذا الترتيب مجرد خطأ غير مقصود، أم أنه يعكس توترًا قائمًا بين السلطة التنفيذية وبعض مؤسسات القضاء، خاصة في ظل الجدل الدائر بين نادي القضاة والأكاديمية العسكرية حول معايير القبول في السلك القضائي والنيابي. ودعا وزارة الداخلية إلى تقديم تفسير أو اعتذار لتجنب سوء الفهم، مؤكدًا أن تجاهل هذا الخطأ قد يُفسَّر على أنه انتقاص من مكانة القضاء في الدولة.
 

https://www.facebook.com/hafez.almirazi.7/posts/pfbid02qcSuXjUejmH8jQbH9oTfrNh7Hcyob2mX2mCCGuHoywYgq8wi5QJ3NWjWSJRf8G5Yl