بعد اغلاقه بالجمعة اليتيمة : الأقصى في خطر.. تهويد متسارع وغياب عربي وتحذيرات من الأخطر

- ‎فيعربي ودولي

في الوقت الذي يفترض فيه أن يمتلئ المسجد الأقصى بالمصلين منذ أول أيام شهر رمضان الجاري، بدا المشهد مقلوبًا تمامًا. فبدل أن تعج ساحاته بالركع السجود، تحولت إلى مسرح لاقتحامات المستوطنين، وطقوس تلمودية، ورقص وغناء، تحت حماية قوات الاحتلال. هذا المشهد لم يعد استثناءً، بل أصبح رسالة قاسية تتكرر كل عام، تؤكد أن الاحتلال يسعى لفرض واقع جديد بالقوة، مستغلًا كل ظرف سياسي أو أمني لتمرير مخططاته التهويدية.

واغلقت سلطات الاحتلال أبواب المسجد الأقصى أمام المصلين في العشر الأواخر من رمضان في سابقة خطيرة منذ احتلاله عام 1967. ورغم أن المرابطين كسروا القرار بالصلاة عند الأسوار، فإن هذا الإغلاق يكشف حجم التراجع في الدور الأردني، وحجم الفراغ الذي يستغله الاحتلال لفرض سيادته الكاملة على المسجد. فالمشهد ليس مجرد إجراء أمني، بل خطوة محسوبة في سياق مشروع طويل الأمد يستهدف تغيير هوية الأقصى وفرض التقسيم الزماني والمكاني.

وتزامن الإغلاق مع حملة اعتقالات واسعة في القدس، وإبعاد مئات المقدسيين عن المسجد، بينما سُمح للمستوطنين باقتحامه وأداء طقوس تلمودية داخله. هذا التناقض الفجّ يعكس بوضوح أن الاحتلال لا يتعامل مع الأقصى كمكان عبادة، بل كملف سيادي يريد حسمه لصالحه. فكيف يُمنع المسلمون من الصلاة في مسجد مساحته 144 دونمًا، بينما يُسمح بالصلاة في مدرسة الراشدية القريبة منه؟ وإذا كانت الحجة هي “حماية الأرواح” في ظل الحرب، فأين المنطق في السماح بالاقتحامات اليومية التي تُشعل التوتر؟

 

في هذا السياق، تصاعدت دعوات جماعات “الهيكل” المتطرفة لفرض طقوس “قربان الفصح” داخل المسجد الأقصى، وهي خطوة تُعدّ الأخطر منذ عقود. فهذه الجماعات ترى أن إغلاق الأقصى فرصة ذهبية لتمرير مخططاتها، وتعمل على استغلال الفراغ لفرض وجودها داخل المسجد. وقد شهدت السنوات الأخيرة محاولات فعلية لإدخال حيوانات صغيرة أو لحوم مذبوحة إلى داخل الأقصى، وهي سوابق لم تحدث طوال فترة الاحتلال، وتشير إلى تغير خطير في موقف شرطة الاحتلال التي باتت أكثر انحيازًا للتيار الديني الصهيوني.

“ما يجري ليس صدفة… بل تمهيد لفرض القربان الحيواني داخل الأقصى”

ومن جانبه، يحذر الباحث المتخصص في شؤون القدس، د. عبدالله معروف، من أن منظمات المعبد تستغل إغلاق الأقصى لإطلاق حملة متصاعدة تهدف إلى فرض “قربان الفصح” داخل المسجد بعد أسبوعين من رمضان. ويشير إلى أن هذه الجماعات نشرت إعلانات مصممة بالذكاء الاصطناعي تُظهر مأدبة القربان بعد ذبحه، وقد أقيم المعبد مكان الأقصى، في رسالة رمزية واضحة عن نواياها.

 

ويؤكد معروف أن “معهد المعبد” نشر صورًا لمذبح ديني أمام قبة الصخرة، مع تعليق يقول إن “تجديد القربان ممكن”، في دعوة صريحة لمحاولة فرض الطقوس التوراتية داخل المسجد هذا العام. ويذكّر بأن عام 2025 شهد ثلاث محاولات ناجحة لإدخال حيوان صغير أو لحم مذبوح إلى داخل الأقصى، وهو ما لم يحدث منذ 1967، ما يعني أن شرطة الاحتلال باتت مقتنعة بأن الوقت قد حان لتمكين هذه الجماعات من تحقيق هدفها.

 

ويضيف أن تعيين المتطرف “أفشالوم بيليد” قائدًا لشرطة القدس يعزز هذا الاتجاه، لأنه من أبرز المؤمنين بضرورة إقامة المعبد مكان الأقصى. ويشير إلى أن منظمات المعبد بدأت منذ عام 2014 تنفيذ محاكاة سنوية لطقوس الذبح حول الأقصى، وأنها ترى في إغلاق المسجد مقدمة ضرورية لفرض القربان الحيواني داخله.

 

العلماء: "الإغلاق جريمة غير مسبوقة”

وأصدر عدد من العلماء بيانًا مطولًا يحذرون فيه من خطورة ما يجري، مؤكدين أن إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه يمثل عدوانًا صارخًا على حرية العبادة، ومحاولة مكشوفة لفرض السيادة الإسرائيلية على أقدس مقدسات المسلمين في فلسطين. ويستشهد البيان بقوله تعالى: “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا”   ليؤكدون أن ما يجري هو سعي حقيقي لخراب المسجد وتغيير هويته.

 

ويشدد العلماء على أن الأقصى وقف إسلامي خالص لا يقبل القسمة ولا التنازل، وأن إغلاقه في رمضان يمثل استفزازًا لمشاعر المسلمين في العالم كله. ويطالبون الأمة الإسلامية باليقظة والتحرك الفاعل، ويحثون خطباء المساجد على تخصيص خطبة الجمعة للحديث عن خطورة المرحلة، ونقل الوعي إلى الناس في هذا الشهر الفضيل.

 

كما يطالب البيان منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية بتحمل مسؤولياتهما التاريخية، والضغط الجاد لإعادة فتح المسجد فورًا. ويحمّل العلماء وزارة الأوقاف الأردنية مسؤولية مباشرة، باعتبارها صاحبة الوصاية على المقدسات، ويطالبونها بإعلان فتح المسجد دون انتظار موافقة الاحتلال.

 

ويخاطب البيان أهل القدس والضفة والداخل الفلسطيني، داعيًا إياهم إلى شدّ الرحال إلى المسجد وكسر القيود، والصلاة عند أقرب نقطة يمكن الوصول إليها، كما فعلوا في الهبات السابقة التي صنعت انتصارات حقيقية على الأرض.

https://x.com/dressamalbashir/status/2032554694795522527
تهويد متسارع… ووقائع جديدة تُفرض بالقوة

ومن جهته، يقول الباحث في مؤسسة “القدس الدولية” علي إبراهيم إن ما جرى خلال “الحانوكاه” تجاوز “العدوان الكمي” إلى “عدوان نوعي” يستهدف تحويل الوجود اليهودي في الأقصى من وجود عابر إلى وجود دائم.

وأشار إلى أن فرض الطقوس العلنية الصاخبة، وإدخال الأدوات الدينية مثل “التيفيلين” و”الطاليت” و”راية الهيكل”، يشكّل جزءاً من عملية تمهيد ممنهجة للمضي نحو “البناء المادي للمعبد”.

وأضاف إبراهيم أن تحويل ساحات المسجد إلى أماكن للرقص والغناء يمثل خطوة متقدمة نحو التقسيم المكاني الفعلي، وتهميشاً متدرجاً لدور الأوقاف الإسلامية وصولاً إلى محاولة إلغائه.

ورصد جملة من الاعتداءات النوعية خلال العيد، من بينها تكرار إشعال شموع رمزية داخل المصليات، وفرض “السجود الملحمي” الجماعي، بالتوازي مع حصار أبواب المسجد، ولا سيما باب القطانين الذي أُغلق أمام المصلين المسلمين طوال أيام العيد لتأمين مآدب المستوطنين واحتفالاتهم، إضافة إلى نفخ الأبواق عند باب الأسباط.

ويرى مراقبون أن الخطر على الأقصى لا ينتهي بانتهاء “الحانوكاه”، إذ تستعد الجماعات المتطرفة لموسم تصعيد جديد في مارس 2026 مع حلول “عيد المساخر” العبري المتزامن مع منتصف شهر رمضان، يليه “عيد الفصح” في أبريل، والذي يُتوقع أن يشهد تجدد محاولات “ذبح القرابين” داخل المسجد.

ولا يقتصر الأمر على الإغلاق والاقتحامات، بل يشمل خطوات تهويدية متسارعة. ففي “عيد الأنوار” العبري عام 2025، شهد الأقصى أكبر موجة اقتحامات منذ 1967، بمشاركة 2,779 مستوطنًا خلال ثمانية أيام، بينهم حاخامات بارزون ورئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه. كما شارك السفير الأمريكي في إشعال “شمعدان العيد” داخل أنفاق الحائط الغربي، في خطوة اعتبرها الباحثون تبنيًا أمريكيًا رسميًا للمشروع التهويدي.

وتعهد وزير العدل بالاحتلال بتمديد ساعات الاقتحام المسائية، في خطوة تهدف إلى تكريس التقسيم الزماني للمسجد، بينما تعمل جماعات الهيكل على إدخال الطقوس التوراتية إلى ساحاته، تمهيدًا لما يسمونه “البناء المادي للمعبد”.

الأقصى يستغيث… والمرحلة الأخطر بدأت بالفعل

ويبدو أن ما يجري في المسجد الأقصى ليس حدثًا عابرًا، ولا مجرد تضييق مؤقت. إنه جزء من مشروع متكامل يستغل الحرب والإغلاق والفراغ العربي لفرض وقائع جديدة على الأرض. منظمات المعبد تتحرك بثقة غير مسبوقة، والشرطة الإسرائيلية باتت أكثر انحيازًا لها، والقيادة السياسية في تل أبيب ترى في هذه اللحظة فرصة تاريخية لفرض سيادتها الكاملة على المسجد.

 

تحذيرات العلماء، وصوت الخبراء مثل د. عبدالله معروف، وصمود المقدسيين، كلها تؤكد أن الأقصى يدخل مرحلة شديدة الخطورة. والمسؤولية اليوم ليست على أهل القدس وحدهم، بل على الأمة كلها، حكومات وشعوبًا ومؤسسات، قبل أن نجد أنفسنا أمام واقع جديد يصبح فيه الأقصى مجرد “ساحة مشتركة”، تمهيدًا لمرحلة أشد قسوة.