كشفت المستندات الرسمية عن إنفاق تجاوز 550 مليون جنيه على مشروع تطوير شركة “سيد” للأدوية دون أي نتائج تشغيلية أو إنتاجية تبرر هذا الإنفاق الهائل. كان الهدف المعلن من المشروع هو رفع كفاءة خطوط الإنتاج وتأهيل الشركة للحصول على اعتماد ممارسات التصنيع الجيد (GMP)، بما يعزز قدرتها التنافسية ويفتح أمامها أسواقًا تصديرية جديدة، إلا أن الواقع يكشف عن غياب تام لأي أثر لهذا التطوير على التشغيل الفعلي أو الطاقة الإنتاجية أو القدرة التنافسية.
وتشير المستندات التي استند إليها الأكاديمي محمد فؤاد "نائب" الشيوخ إلى تعثر تشغيل عدد من المشروعات المدرجة ضمن خطة التطوير، إضافة إلى إعادة طرح بعض الأعمال بعد إنفاق مبالغ كبيرة عليها، وهو ما يعكس خللًا واضحًا في التخطيط الفني والتنفيذي للمشروع. هذا الوضع يثير تساؤلات حول كفاءة إدارة الموارد المالية التي تم تخصيصها للتطوير، وحول مدى الالتزام بالمعايير الفنية والاقتصادية في تنفيذ المشروع.
شبهات فساد وتعارض مصالح
وتتضمن المستندات كذلك مؤشرات مقلقة تتعلق بإجراءات التوريد والتعاقد، وتشير إلى شبهات فساد وتعارض مصالح في بعض العمليات المرتبطة بالمشروع. ويؤكد فؤاد أن هذه الوقائع تستوجب التحقق من مدى الالتزام بقواعد الحوكمة والشفافية في إدارة الاستثمارات العامة، خاصة أن المشروع يمس قطاعًا حيويًا يتعلق بالأمن الدوائي المصري.
ويشير د.فؤاد إلى أن تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات بشأن هذه الوقائع تضمن عددًا من الملاحظات الرقابية الجوهرية، إلا أن الجهة المعنية لم تقدم أي رد عليها منذ ما يقارب عامًا كاملًا، وهو ما يثير تساؤلات إضافية حول آليات المتابعة والمساءلة داخل الشركة وفي الجهات المشرفة عليها.
وقبل تنفيذ برنامج التطوير، كانت الشركة تحقق صافي أرباح يقارب 30 مليون جنيه سنويًا. لكن بعد ضخ أكثر من نصف مليار جنيه في التطوير، سجلت الشركة خسائر بلغت نحو 108 ملايين جنيه خلال العام المالي 2024/2025. هذا التحول الحاد من الربحية إلى الخسارة يعكس فجوة كبيرة بين حجم الاستثمارات التي تم ضخها والعائد التشغيلي المتحقق، ويطرح سؤالًا جوهريًا حول كيفية إدارة هذه الأموال، ولماذا لم تنعكس على الإنتاج أو الأسواق أو القدرة التنافسية.
رفع أسعار الأدوية 60%… وبيع مخزون قديم قبل انتهاء صلاحيته
وتتجاوز الأزمة حدود الفساد المالي إلى تأثير مباشر على المواطن. فقد كشف د. مهندس صلاح الدين (@Salah_Eldin2010) أن الشركة قامت برفع أسعار الأدوية بنسبة لا تقل عن 60%، رغم امتلاكها مخزونًا كبيرًا من إنتاج عام 2021 كانت صلاحيته تنتهي في يوليو 2024. وأوضح أن الشركة تبيع هذا المخزون بالسعر القديم ليس حرصًا على المواطن، بل خوف من انتهاء الصلاحية، داعيًا الناس إلى متابعة تواريخ الإنتاج والصلاحية بدقة.
وتتسق هذه الممارسات مع ما كشفه رمضان البدري (@Prince1Ramdan) الذي تحدث عن أخبار طرح شركتي “سيد للأدوية” و“مصر للمستحضرات الطبية” للبيع لمستثمر أجنبي دون تحديد حصص البيع. وأشار إلى أن الشركة بدأت منذ سنوات تطفيش العمال وإغلاق مصانع، في خطوة اعتبرها جزءًا من مخطط متعمد لتهيئة الشركة للبيع، متسائلًا عن “عمولة العصابة” التي تنفذ هذا المخطط.
وتؤكد تقارير أن الحكومة اختارت شركتي “سيد للأدوية” و“مصر للمستحضرات الطبية” لضمهما إلى برنامج الطروحات الحكومية، دون الإفصاح عن نسب البيع أو طبيعة الطرح، سواء كان لمستثمرين أجانب أو عبر البورصة.
ويعزز هذا ما ذكره حامد عز الدين (@hamedezzeldin) من أن الشركة القابضة تستعد لطرح 25% إلى 30% من الشركتين في البورصة، بعد تعيين شركة الأهلي فاروس كمستشار مالي للصفقة.
وعبر مختار الحسانين (@MokhtarGeo1981) عن حزنه من أن شركة تأسست عام 1947، أي قبل استقلال بعض الدول العربية، تُطرح اليوم للبيع رغم أنها تنتج أدوية بشرية وبيطرية بأسعار كانت في متناول المواطن. ويؤكد أن بيعها سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الأدوية الأساسية.
وتذهب الكاتبة سمية الجنايني (@somayyaganainy) إلى أبعد من ذلك، مؤكدة أن شركة سيد كانت تحقق أرباحًا بالمليارات، وتغطي جزءًا كبيرًا من احتياجات السوق المصري، وكانت تصدر للخارج. وتساءلت عن سبب القضاء على شركة ناجحة مثلما حدث مع الحديد والصلب والمنسوجات ومصانع الكوك والكلور. وأشارت إلى أن المستثمرين الذين اشتروا شركات مماثلة سابقًا استردوا ثمنها خلال عام واحد فقط، متسائلة لماذا لا تستفيد مصر من هذه الأرباح بدلًا من بيع أصولها.
بيع تحت الضغط
ويتساءل د.محمد فؤاد عن كيفية إدراج شركة بهذا الوضع المتدهور ضمن برنامج الطروحات الحكومية، مؤكدًا أن أي طرح ناجح يتطلب أولًا تحسين الأداء وتعظيم قيمة الأصول قبل البيع، حتى لا يتحول الطرح إلى بيع بخس لأصول الدولة نتيجة ضعف الأداء.
وطالب فؤاد بإحالة طلب الإحاطة إلى اللجنة الاقتصادية لمناقشته بحضور الجهات المعنية، مع بيان أسباب تضخم التكلفة وتأخر التشغيل، وتحديد المسئوليات بشأن ما قد يكون وقع من مخالفات، بما يضمن حماية المال العام وتعظيم كفاءة إدارة الأصول الصناعية المملوكة للدولة.
وشدد فؤاد على أن تطوير شركات قطاع الأعمال العام في قطاع الدواء يمثل ضرورة استراتيجية للأمن الدوائي المصري، لكنه يؤكد أن هذا التطوير لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إدارة أكثر كفاءة وشفافية، وضمان أن تنعكس برامج التطوير فعليًا على الإنتاج قبل التفكير في الطرح أو البيع أو التوسع الاستثماري.