حين يتحول الإجلاء إلى تجارة… “مصر للطيران” تبيع المصريين في أصعب اللحظات مستغلة الحرب

- ‎فيتقارير

قال مراقبون إن سياسة شركة "مصر للطيران" هي نفسها سياسة الدولة: استغلال الأزمات ورفع الأسعار لسد الديون والأموال المسروقة. ففي اللحظة التي تسابق فيها كل دول العالم الزمن لإجلاء رعاياها من مناطق التوتر، وتسهيل عودتهم بأي شكل، قررت شركة مصر للطيران — الشركة الوطنية المفترض أنها "تحمي" المصريين — أن تفعل العكس تمامًا.

وبدل أن تمدّ يدها للمواطنين العالقين بين نيران حرب إقليمية، رفعت أسعار التذاكر إلى حدود فلكية، وألغت الحجوزات القديمة، وبدأت تبيع تذاكر جديدة بأسعار وصلت إلى 2500 و3000 دولار للرحلة الواحدة من دبي إلى القاهرة، رغم أن الطيران يعمل ولا توجد أي مشكلة فنية تمنع الرحلات، بل إن الرحلات خرجت في موعدها بعدما نفضت يدها من الركاب الذين كانوا على متنها، وكأن شيئًا لم يكن.

وقال متابعون إن "الناس التي كانت تظن أن "الشركة الوطنية" ستكون سندًا لهم في وقت الشدة، اكتشفوا أن الشركة تتعامل معهم كفرصة ذهبية لتعويض خسائرها وسد ديونها".

وقال ساخرون إن شركة تبيع طائرات جديدة بخمس ثمنها، ويُقبض على مسؤولين فيها بتهم فساد، وتُهدر مليارات من المال العام، لا يمكن إلا أن تنهار من الداخل، وتتآكل من أعلى الهرم المؤسسي، فتصبح المعادلة تدور بين شركة خاسرة، غارقة في الديون، مهددة بالخصخصة، ومليئة بالفساد.

وأضافوا: "عندما تواجه شركة بهذه الطريقة أزمة إقليمية… من الطبيعي جدًا ألا تفكر في المواطن، ولا في "الدور الوطني"، ولا في "الإجلاء"، ولا في "المسؤولية".

أول الغاضبين كان حساب الشَٱوٻشْ (@3atiaShOfficial)، وكتب: "مفيش أوحش من شركة طيران مصر للطيران… الشركة القذرة دي تستغل الظروف وتلغي كل الحجوزات القديمة علشان ترفع الأسعار… عملوها أيام كورونا قبل كده".

الكلام لم يكن مجرد انفعال؛ لأن الأرقام التي نشرتها مي فهمي (@MaiFahmy23) تؤكد أن الرحلات من دبي إلى القاهرة وصلت إلى 128 ألف جنيه للدرجة العادية، وفي رحلات أخرى وصلت إلى 165 ألف جنيه، بينما الرحلة العكسية من القاهرة إلى دبي بـ14 ألف جنيه فقط.

وأضافت: "يعني الشركة بتتعامل مع المصري اللي عايز يرجع بلده كأنه "فرصة استثمارية"، مش مواطن في أزمة". وهو ما جعل المتابعين لأداء الشركة يشيرون إلى أن هذا التراجع ليس وليد الصدفة، بل انعكاس مباشر لسنوات من سوء الإدارة، وغياب الرؤية، وتآكل الكفاءة.

فمصر للطيران — التي كانت رمزًا للفخر الوطني — أصبحت اليوم شركة مصنفة بثلاث نجوم فقط، وخرجت لأول مرة في تاريخها من قائمة أفضل 100 شركة طيران في العالم في ديسمبر 2023، ومطار القاهرة نفسه مصنف بنجمتين فقط، في وقت تقفز فيه شركات أفريقية مثل الخطوط الإثيوبية إلى تصنيف أربع نجوم، وتحتل المركز 34 عالميًا، وتُصنف كأكبر شركة طيران في أفريقيا لأربع سنوات متتالية.

والأغرب أن الشركة التي يفترض أن تكون "مدرسة" للطيران في المنطقة، تتعاقد مع أكاديمية سعودية لتدريب الطيارين المصريين، وذلك في نوفمبر 2023، في خطوة تعبر عن فقدان الشركة حتى قدرتها على تدريب كوادرها، وليس فقط في تشغيل المؤسسة، ما يعد انهيارًا مؤسسيًا كاملًا.

حساب إسحاق (@isaac30208171) نشر في يونيو 2024 معلومة خطيرة: أن صندوق النقد الدولي طالب مصر بنشر البيانات المالية الكاملة لمصر للطيران خلال 90 يومًا بعد نهاية ميزانية 2023/2024، ورأى أن ذلك يعني أن الشركة تحت تدقيق مباشر، وأن الوضع المالي فيها وصل إلى مرحلة لا يمكن إخفاؤها. والأخطر أن إسحاق قال إن ذلك غالبًا تمهيد لخصخصة الشركة، خصوصًا أنها واحدة من خمس هيئات حكومية (المياه – الكهرباء – المجتمعات العمرانية – مصر للطيران – السكك الحديدية) تم إجبارها على الإفصاح المالي، وكلها — بالمصادفة — أغلقت قروضًا جديدة أو غيرت قياداتها خلال أسبوع واحد.

وبالعودة إلى الأزمة الحالية، فرغم أن الشركة نشرت بيانًا رسميًا عبر حسابها @EGYPTAIR تطلب من الناس "التأكد من حالة الرحلات"، فإن ذلك لم يكن سوى غطاء لقرار آخر: تعليق الرحلات لعدد كبير من الوجهات الخليجية والعربية "لحين إشعار آخر". وكما ذكرنا، فإن التعليق كان اسميًا أكثر منه واقعيًا.

وهو ما فتح الباب لرفع الأسعار بشكل جنوني على الرحلات التي ما زالت تعمل.

وبدأت الناس تصرخ. فنشر حساب @Sattona صورة لرحلة يوم 10 مارس من دبي إلى القاهرة بـ3000 دولار، وعلّق: "مفيش حقارة أكتر من كده!".

بينما رد عمرو محمد (@AmrMo161988) عليه: "شوف أي شركة غير مصر للطيران".

وكتب الصحفي وائل عباس (@waelabbas) أن مصر للطيران أعادت رحلات إضافية إلى الخليج "لكن بأسعار قليلة الأدب"، وأن أي عائلة تريد العودة قد تدفع مليون جنيه ثمن التذاكر.

وقال حساب جيل زد (@GenZ002_eg): "بدل ما النظام يقوم بدوره الوطني في حماية المصريين العالقين، نتفاجأ بقرار رفع أسعار التذاكر لأرقام فلكية… هل لروح المصري قيمة بالنسبة للنظام؟".

وحمل الحساب السيسي المسؤولية، وقال: "إنه السيسي يا سادة..! بدلًا من القيام بالدور الوطني في حماية المصريين العالقين بين نيران الحروب، نتفاجأ بقرار "مصر للطيران" رفع أسعار التذاكر لأرقام فلكية. فكيف يتحول إنقاذ الأرواح من مناطق الصراعات إلى فرصة لتعظيم الأرباح على حساب المنكوبين؟".

وأشار إلى أن "المتاجرة بمعاناة المغترب في وقت الشدة هي تخلي صريح عن المسؤولية الأخلاقية تجاه أبناء الوطن، فالمواطن الذي يفر بحياته لا يجب أن يُعاقب بأسعار تفوق قدرته".

وفي وسط الغضب، بدأ البعض يربط بين ما يحدث وبين سياسة الدولة نفسها؛ لأن مصر للطيران ليست شركة مستقلة، بل شركة حكومية تعكس طريقة إدارة الدولة للملفات الاقتصادية: استغلال الأزمات، ورفع الأسعار، وسد الديون بأي طريقة، حتى لو على حساب المواطن.

وقال إسحاق (@isaac30208171): "إن صندوق النقد الدولي طالب مصر بنشر البيانات المالية لمصر للطيران خلال 90 يومًا، وإن ذلك غالبًا تمهيد لخصخصة الشركة".

أما الأكاديمي ماجد عبيدو (@mAbidou) فكتب أنه أوقف التعامل مع مصر للطيران منذ سنوات، "وأنه عندما اضطر للسفر معهم اكتشف أن "مفيش فايدة ولا أمل".

وحاول البعض أن يدافع عن الشركة، مثل أحمد (@A7madAnw)، فقال إن أسعار "الإماراتية" و"السعودية" قريبة من أسعار مصر للطيران.

لكن الردود كانت واضحة: الفرق أن هذه الشركات ليست وطنية، وليس من المفترض أنها "تحمي" المصري وقت الأزمة.

وقالت الإعلامية سلمى الدالي (@salmaeldaly): "يا ريت المصريين في الخارج يفتكروا إن وقت الأزمة الشركة الوطنية رفعت أسعارها عليهم… وبعد الأزمة الحساب يجمع".

ورأت أن الأزمة ليست جديدة؛ فأيام كورونا فعلت مصر للطيران الشيء نفسه: رفعت الأسعار، وفرضت رسوم حجر صحي مبالغًا فيها، واستغلت خوف الناس.

والأدهى أن الشركة تتراجع عالميًا.