دخول اتفاقية عنتيبي حيز النفاذ يوم 13 أكتوبر ، بعد 60 يوماً على انضمام جنوب السودان إليها يعد أكبر تحد يواجه دولة العسكر، حيث تعطي هذه الاتفاقية دفعة كبيرة لإثيوبيا للتلاعب بمياه النيل وإلغاء نظام الحصص المعمول به منذ عشرات السنين، وهو ما يهدد مصر والشعب المصري بالعطش .
ومنذ بداية العمل في سد النهضة الأثيوبي، طالب الخبراء بضرورة توجيه ضربة عسكرية لهذا السد لأنه سيحرم مصر من حقوقها التاريخية في مياه النيل، إلا أن نظام الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي تجاهل كل هذه المطالبات، بل وذهب إلى أبعد من ذلك في العمل ضد الأمن القومي المصري عبر التوقيع على ما يعرف باتفاق المبادئ في العام 2015 مع رئيس وزراء أثيوبيا آبي أحمد ورئيس السودان الأسبق عمر البشير، وهو ما يعني موافقة السيسي على إقامة سد النهضة رغم أنه ضد المصالح المصرية .
اتفاق المبادئ بجانب اتفاقية عنتيبي جعلت أثيوبيا تمضي في طريقها للسيطرة على مياه النيل وإقامة ما تشاء من سدود دون اكتراث بحرمان مصر من حقوقها التاريخية في مياه النهر.
يشار إلى أن الاتفاق الإطاري للتعاون بين دول حوض النيل المعروف بـ”اتفاقية عنتيبي”، ينصّ على ضرورة انضمام ست دول على الأقل من أصل 11 دولة تشكّل حوض النيل، من أجل تفعيلها، وسبق أن وقّعت خمس دول على الاتفاق الإطاري في عام 2010، هي إثيوبيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا وكينيا، قبل انضمام جنوب السودان خلال العام 2024 .
في المقابل رفضت بوروندي والكونغو الديمقراطية وإريتريا بجانب مصر والسودان التوقيع على الاتفاقية لعدم اعترافها بالحصص المائية التاريخية لهما، التي تنص عليها عدة اتفاقيات أبرمت القرن الماضي، لكن ترفضها دول المنبع وتصفها بـ”الاستعمارية”.
عائلة النيل
في هذا السياق قال رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد في تغريدة على منصة إكس (تويتر سابقاً): إن “يوم 13 أكتوبر 2024 يعتبر بداية حقبة جديدة لدول حوض النيل، إذ إنه يمثل تتويجاً لرحلة طويلة نحو الاستخدام العادل والمنطقي لمياه النيل، مع دخول اتفاقية إطار حوض نهر النيل حيز التنفيذ، ودعم روابطنا بوصفنا عائلة النيل ويضمن أن إدارة واستخدام مواردنا المائية المشتركة تعود بالنفع على الجميع، لصالح الجميع”.
ودعا أبي أحمد في تغريدة على منصة إكس (تويتر سابقاً) الدول غير الموقعة للانضمام إلى عائلة النيل، حتى نتمكن معاً من تحقيق أهدافنا المشتركة للتنمية التكامل الإقليمي.
دعوى دولية
من جانبه أكد أستاذ هندسة السدود الدكتور محمد حافظ، أن عدم اعتراف مصر والسودان بدخول اتفاقية عنتيبي حيز التنفيذ، لا يمنع تنفيذها، وإن كان وجود اسم السودان داعما لموقف دولة العسكر ليس له قيمة، لأن السودان هي دولة ممر وستحصل على ما تريده من مياه قبل وصولها لمصر.
وقال حافظ في تصريحات صحفية: إن “أهم ما يخيف العسكر من تنفيذ اتفاقية عنتيبي هو غياب آليات التحكّم والتنسيق بين دول حوض النيل، والتي قد تؤدي لخفض تدفق المياه الى مصر، وسيكون أول نتائج هذه الاتفاقية إعادة تقاسم المياه بين دول الحوض، موضحا أن الاتفاقية تتيح لدول المنبع، إقامة مشاريع للري والطاقة الكهربائية دون الحصول على موافقة مسبقة مع إلغاء الحصة التاريخية لمصر والتي تبلغ 55.5 مليار متر مكعب”.
وأضاف، جوهر اتفاقية عنتيبي يسمح لدول المنبع ودول الممر باستهلاك ما تريده من مياه النيل (الأبيض والأزرق) لكافة أغراض التنمية الزراعية وإنتاج الكهرباء دون حاجة لإبلاغ دولة المصب أو أخذ احتياجاتها في الاعتبار .
وحول ما بيد دولة العسكر من أوراق ضغط لمنع تنفيذ اتفاقية عنتيبي، أوضح حافظ أنه قد تكون هناك فرصة نسبة نجاحها بسيطة جداً، من خلال رفع دعوى دولية ضد شرعية اتفاقية عنتيبي، وأنها ليست على وفاق مع الخطوط الإرشادية لاتفاقيات المياه الدولية، إلا أن هذا المسار بطيء للغاية وقرار المحكمة الدولية سيكون غير ملزم لأن الدول الأعضاء في اتفاقية عنتيبي لن تشارك فيها.
وشدد على أنه قد تكون أيضاً هناك فرصة لمطالبة البنك الدولي بالتدخل في هذا الأمر، وأخذ تجربة تدخل البنك الدولي بين باكستان والهند نموذجا لما يجب أن يكون عليه اتفاقية عنتيبي .
خداع إثيوبي
وقال الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية واستصلاح الأراضي بجامعة القاهرة: إن “إثيوبيا أرادت بهذه الاتفاقية، إقحام دول منابع النيل الأبيض (بوروندي ورواندا والكونغو الديمقراطية وكينيا وتنزانيا وأوغندا) فيما لا ناقة لها فيه ولا جمل بزعم إعادة تقسيم مياه النيل، أو تقسيم فقط ما يجري بين ضفتي النهر وليس كل موارد النهر من أمطار وبحيرات ومياه جوفية ومستنقعات طبقاً لتعريف الأمم المتحدة للنهر الدولي”.
وأكد نور الدين في تصريحات صحفية أن ذلك أمر مستحيل من الناحية العلمية، لأنه على أرض الواقع تنبع روافد النيل الثلاثة القادمة من إثيوبيا في شرق أفريقيا من منسوب 1820 متراً فوق مستوى سطح البحر وتنساب مع الانحدار الطبيعي في اتجاه السودان حتى مدينة الخرطوم وعطبرة وملكال على منسوب 500 متر، وبالمثل تأتي مياه النيل الأبيض من هضاب البحيرات الاستوائية العظمى من وسط أفريقيا الاستوائية من منسوب 1200 متر حتى تصل إلى الخرطوم على منسوب 500 متر، وبالتالي فلا بد لأنهار إثيوبيا الثلاثة من أن تتجه حتماً إلى السودان سواء للخرطوم أو شمالها (نهر عطبرة) أو جنوبها (نهر السوبات) عند منسوب 500 متر، وبالتالي لا يمكن لها أن تمد دول منابع النيل الأبيض بحصة من مياهها عكس الانحدار متجه إلى منسوب 1200 متر، ولا يمكن للنيل الأبيض ودول منابعه الذي تتجه مياهه حتماً إلى الخرطوم عند منسوب 500 متر أن تصعد إلى الهضاب الإثيوبية عكس الانحدار حتى تصل إلى منسوب 1820 متراً داخل الأراضي الإثيوبية .
وأضاف: هناك خداع إثيوبي لدول منابع النيل الأبيض حول إعادة توزيع مياه النهر على دول الحوض، وهذا غير صحيح علمياً وعكس الانحدار، وجاء فقط لأن عينها على ما يخرج من إثيوبيا بحجم 71 مليار متر مكعب مقابل 13 ملياراً فقط تأتي من منابع النيل الأبيض، وأيضاً لكي يمكنها استغلال هذه الدول في التصويت على إنشاء سدود عملاقة في إثيوبيا تضر بمصر والسودان.
وأشار نور الدين إلى أن من نصوص هذه الاتفاقية غير العادلة، النص على أن يكون التصويت لإنشاء السدود وحصص المياه ونقل المياه بالأغلبية بدلاً من التوافق كما في السابق (أي عدم اعتراض أي دولة أو يكون لها حق الامتناع عن التصويت وليس الرفض)، وطبعاً دول المنابع تشكل الأغلبية بما هي ست دول لمنابع النيل الأبيض ومعها إثيوبيا وجنوب السودان مقابل مصر والسودان فقط بوصفهما دولتي مصب، وبالتالي فالأغلبية مضمونة ويكون لها الحق في تحديد مياه دولتي المصب على عكس قانون الأمم المتحدة للمياه، الذي يعطي تميزاً لدول المصب لكونها دوماً الدول الأفقر مائياً .
الإخطار المسبق
وأكد الخبير بالشأن الإفريقي رمضان قرني، أن إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تفعيل اتفاقية عنتيبي يعد محاولة من النظام الإثيوبي المأزوم لتجاوز بعض التحديات الداخلية.
وقال قرني في تصريحات صحفية: “اتفاقية عنتييي محاولة من طرف إثيوبيا وبعض دول حوض النيل للتحايل على المبادرة المصرية التى طرحت عام 1999 لتطوير حوض النيل، وتنظر لحوض النيل كوحدة متكاملة ولديها مبدأ أساسي يتعلق بالتنمية وجانب مهم هو رفض خروج المياه خارج دول حوض النيل”.
وأضاف: بدأت إثيوبيا تتحرك مع بعض الدول وتطرح اتفاقا جديدا يسمى إعلاميا اتفاق عنتيبي، مشيرا إلى أن مصر منذ اليوم الأول لاتفاق عنتيبي طرحت 3 تحفظات على الاتفاق، التحفظ الأول يتعلق بالحصص التاريخية، حيث لم تنص اتفاقية عنتيبي على أي بنود حول الحصص.
وأشار قرني إلى أن إثيوبيا تروج أن اتفاقيات حصص المياه أبرمت في عهد الاستعمار مع العلم أن هذا الكلام مخالف لنصوص الاتحاد الإفريقي وللاتفاقيات الإثيوبية، لافتا إلى أن إثيوبيا في 1902 وقعت اتفاقية الإمبراطور ميلنك وتنص صراحة على عدم القيام بأي مشروعات على السوباط أو النيل الأزرق أو بحيرة تانا، وهناك اتفاق إعلان إطاري في 1993 بين المخلوع مبارك ورئيس الوزراء الإثيوبي ميلس زيناوي ويتحدث صراحة عن عدم القيام بأي مشروعات تضر الأطراف الأخرى ثم لدينا اتفاق إعلان المبادئ الأخير .
وتابع: الجانب الثاني يتعلق بسماح اتفاقية عنتيبي لدول الاتفاقية بإنشاء مشروعات على مياه النيل الأزرق دون التوافق مع دول المصب وهنا عدم مراعاة لفكرة العدالة في استخدام مياه النيل، موضحا أن دول حوض النيل لا تتجاوز حصتها من مياه النيل 1-2%، بينما مصر 97% من اعتمادها على المياه هو من نهر النيل .
وكشف قرني أن اتفاقية عنتيبي لم تتحدث عن فكرة الإخطار المسبق قبل إقامة أي مشاريع على حوض النيل وهذه مخالفة لقواعد القانون الدولي .