دراسة لأربعة تجارب لدخول وخروج الجيش من الاقتصاد، تؤكد الدراسة دخول الجيش في الاقتصاد ليس بالأمر الصحي، وإنه مها طالت فترة سيطرة الجيش على الاقتصاد لابد أن يخرج، وكلما خرج مبكرا كان ذلك أفضل للحيش وللاقتصاد معا، تجارب الشعوب أثبتت صحة هذا المسار في كل من الصنين وتركيا الدولتين التي أوجدت صيغة مناسبة لإدماج اقتصاد الجيش في اقتصاد الدولة، ويبقى نموذج باكستان الذي يكرس فيه اقتصاد الجيش سيطرة العسكريين على مفاصل الدولة، ونموذج ماينمار الذي يضع الجيش فوق الدولة.
لا زال المشهد العام في مصر يشهد حالة من الجدل حول قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر، الذي يمنح الجهاز المنحدر من القوات الجوية، الصفة القانونية السيادية للقيام بأدوار واسعة في الاقتصاد المصري، هذا بالإضافة الي الأجهزة والمتعددة والقطاعات المختلفة الي يسيطر عليها الجيش.
للوصول لفهم أشمل وأدق لطبيعة تدخلات الكيانات السيادية في الاقتصاد والأثر الناتج عن ذلك على مستوى الاقتصاد الكلي، نحاول في هذا التقرير إلقاء نظرة معقمة لتجارب دول أخرى شهدت ظواهر مماثلة للاقتصاد العسكري.
بعض تلك البلاد استطاعت التخلص من الاقتصاد العسكري، وينقل ملكية شركات الجيش للقطاع العام المدني مثل الصين، وبعضها قدر يخضع الاقتصاد العسكري لمبادئ الحوكمة والرقابة المدنية والشفافية وقواعد المنافسة العامة زي تركيا.
البعض الآخر ظل الاقتصاد العسكري فيها مشكلة مزمنة بالتزامن مع اشتداد قبضة الجيش أو الكيانات شبه العسكرية على السلطة، زي تجربة باكستان وميانمار.
التجارب الإيجابية، والسلبية دي في تنظيم العلاقة بين المدني والعسكري، والجيش والدولة، هي دعوة للفهم، والأهم أنها دعوة أننا نعرف ونفهم أي طرفي المعادلة دي هي أفضل لمستقبل البلد.
درس الصين: التخارج حتمي في النهاية.
أشهر تجارب تدخل الجيش في الاقتصاد في القرن العشرين هي تجربة الصين، اللي بدأ دخول الجيش في الاقتصاد فيها من اللحظة الأولى لتأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949, لاحقاً تعزز دوره مع الإصلاحات الاقتصادية اللي عملها دنج شياو بينج في أواخر السبعينيات.
الجيش الصيني كان يمتلك آلاف الشركات العاملة في مختلف القطاعات المدنية، ويمتلك مصانع وشركات استيراد وتصدير، بل وفنادق " ولم يصل به الحال لامتلاك وتشغيل قاعات أفراح أكيد"
كان الهدف من توسع الجيش الصيني في الاقتصاد هو تقليل العبء على ميزانية الدولة، ونجح في هذا فعلاً.
الدولة الصينية اكتشفت في التسعينيات أن تدخلات الجيش الواسعة في الاقتصاد أضرارها أكبر من منافعها، خصوصاً في ظل انتشار الفساد بين الضباط واستغلال نفوذهم في الحياة المدنية.
ولأن النظام الصيني موجود في بيئة جيوسياسية مضطربة استطاع ان يدرك خطورة تراجع مستوى الاحترافية العسكرية مع تهافت الضباط على الخدمة في مشروعات الجيش المربحة وليس في ميادين التدريب القاسية " هذا ما يحدث في مصر في هذه المرحلة الحرجة من عمر الوطن.
وفي عام 1998 أصدر الرئيس جيانج زيمين قرار تاريخي بخروج الجيش من الاقتصاد، ونُقلت ملكية آلاف الشركات للقطاع العام.
وينبغي هنا التذكير بأنه الجيش في الصين هو جيش التحرير الشعبي الصيني، وفي حالة من الاندماج بين الجيش من ناحية والحزب الشيوعي من ناحية، وهذا الذي جعل تخارج الجيش لاحقا من الاقتصاد تجربة تستحق الدراسة، لأنه مازالت الصين على الناحية الثانية تحظي ببصمة كبيرة جدا للقطاع العام والدولة في الاقتصاد.
وحتى الآن لا زالت الأدبيات اللي درست التجربة الصينية تعتبر إبعاد الجيش عن الاقتصاد فصل من أهم فصول الإصلاحات الاقتصادية والعسكرية اللي قامت بيها الصين في القرن العشرين، واللي ساعدت على تحقيق معجزة النهوض الصيني.
صحيح الجيش الصيني خسر مصدر مهم للإيرادات، لكن الدولة عوضته بزيادة الإنفاق الدفاعي، وهذا شيء المجتمع مستعد يقبل به في مصر مقابل وقف تدهور الاقتصاد المصري بفعل تدخلات الجيش والأجهزة التابعة له.
تركيا: لا ديمقراطية مع اقتصاد الجيش
وفي يونيو 2020 صدرت دراسة بعنوان " مساران للهيمنة: الشركات العسكرية في تركيا ومصر" لـ 3 باحثين متخصصين من جنسيات مختلفة: المصرية زينب أبو المجد، والتركي عصمت أكشا، والأمريكية شانا مارشال.
رصدت الدراسة جذور التدخّل العسكري المباشر في الاقتصاد المدني، والشركات العسكرية التركية في الستينيات، عبر إنشاء صندوق تقاعد إجباري لتوفير رأس المال لشركة قابضة كبيرة "أوياك".
وبعد انقلابي 1971 و1980 وسّع الجيش التركي نطاق عمل "أوياك"، وفي التسعينيات اكتسبت الشركة نفوذ سياسي، ورغم مرور أكثر من عقدين على حكم حزب العدالة والتنمية إلا أن "أوياك" لا زالت تعتبر من أكبر الشركات القابضة في البلاد، رغم تهميش الجيش التركي من السياسة.
وفقاً لدراسة زينب أبو المجد وعصمت أكشا وشانا مارشال، فإن "أوياك" تمتلك أصول بـ 20 مليار دولار.
رصد الباحثون طبيعة عمل "أوياك" اللي تعتبر أكثر تقدما بمراحل من الكيانات السيادية المصرية من ناحية في الإدارة والعمل، خصوصا أنها شركة قابضة مركزية ومؤسسية للغاية يديرها مجموعة من التكنوقراط، غالبا يكونوا ضباط أعضاء في مجلس الإدارة، لكن تأثيرهم ضئيل على إدارة الشركات التابعة لأوياك.
الحاجة الثانية، جميع العمال والموظفين في مصانع وشركات "أوياك" من المدنيين، على عكس الاقتصاد العسكري المصري الذي يشغل الجنود في مصانع ومزارع ومحطات الكارتة على طرق الجيش.
وهناك فارق أساسي أيضاً بين أوياك والاقتصاد العسكري المصري، هو أن أوياك بتعمد مالياً على عوائد مشاريعها الإنتاجية والخدمية إلى جانب الاستقطاعات الإلزامية للمعاشات التقاعدية للضباط الأتراك.
أما الجيش المصري يعوّض نقص إيرادات مشاريعه بالضغط على البنوك العامة لتوفير التمويل، وبالتالي يحرم القطاع الخاص من الموارد اللازمة للتوسع أو حتى الاستمرار، ودي إحدى المشاكل المزمنة اللي بيعاني منها الاقتصاد المصري.
وفي السنين الأخيرة وتحت حكم العدالة والتنمية بقى فيه مجلس إشراف خاص يشرف على أنشطة "أوياك" ويتكون من 3 أفراد أحدهم ضابط عسكري وعضو رقابي وعضو مصرفي.
باكستان في قبضة الجنرالات
وفي البلاد اللي الجيش يقوم فيها بدور مركزي في صنع السياسات، تدخلات الجيش في الاقتصاد تأخذ طابع افتراسي، كما هو لأقرب نموذج للاقتصاد العسكري المصري، وهو النموذج الباكستاني.
بدأ تدخل الجيش الباكستاني في الاقتصاد مباشرة بعد الاستقلال بهدف تمويل معاشات الضباط بعد التقاعد.
مع الوقت الجيش كون شبكة من المؤسسات التي تمتلك استثمارات ضخمة في قطاعات أساسية وحقق أرباح كبيرة.
في كتابها "الدخل العسكري: نظرة على الاقتصاد العسكري الباكستاني من الداخل" تناولت الباحثة الباكستانية عائشة صديقي، حالة الاقتصاد العسكري في باكستان وتداعيات دمج القطاعين العسكري والتجاري.
توصلت عائشة صديقة لأن الاقتصاد العسكري يُديم حوافز بقاء الجيش في السلطة، وأن هذا يحصل في أنظمة "الإقطاع العسكري" كسبب ونتيجة يغذوا بعض، بحكم أن الموارد التي تتدفق لجيوب العسكريين تعزز قوة ونفوذ الجيش الباكستاني، ونفوذ الجيش يترجم لأرباح اقتصادية وهكذا.
ورصدت الباحثة الباكستانية بدقة طبيعة الإمبراطورية التجارية التي يديرها الجيش الباكستاني التي تُقدّر قيمتها بمليارات الدولارات.
وتشمل هذه الإمبراطورية مشاريع تجارية متنوعة منها مزارع ومدارس وشركات أمن خاصة، وبنوك تجارية وشركات تأمين وقنوات تلفزيونية ومصانع، إلى جانب المشاركة المؤسسية المباشرة للجيش في مشاريع تحصيل الرسوم ومحطات الوقود، وده تقريباً نفس سلوك الاقتصاد العسكري المصري.
تقول عائشة صديقة: "إن الاقتصاد العسكري مكلف اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً بالنسبة لباكستان، خصوصاً أن الشركات العسكرية تستخدم موارد حكومية واسعة بشكل يُشوه السوق، إلى جانب أنها لا تُدار بكفاءة وطول الوقت الحكومة الباكستانية تدعمها وتتحمل تكلفة خسائرها مثل الإنتاج الحربي في مصر."
تعاني باكستان من تحول العسكريين لطبقة مغلقة تحصل على امتيازات سياسية واقتصادية لا تتوفر لأي جماعة أخرى في البلاد.
ويعاني الاقتصاد الباكستاني من نفس ما يعاني منه الاقتصاد المصري من المنافسة غير المتكافئة مع القطاع الخاص لضعف الشفافية.
الجيش فوق الدولة في ميانمار
رابع التجارب وأشهرها هي تجربة ميانمار التي يهيمن فيها الجيش على الحياة السياسية حتى أثناء وجوده خارج السلطة، عبر ترتيب دستوري يفيد بأن الجيش "تاتماداو" مؤسسة مستقلة لا تخضع لأي رقابة أو إشراف مدني.
الجيش يسيطر على وزارات الدفاع والداخلية وشئون الحدود، ويحتفظ بنسبة 25% من مقاعد المجلس التشريعي، بشكل يمنحه حق الفيتو على أي تعديل دستوري، خصوصاً مع اشتراط موافقة أكثر من 75% على أي تعديل.
وعلى المستوى الاقتصادي، الجيش يمتلك شبكة ضخمة من الشركات القابضة والبنوك والمصانع وشركات التعدين والعقارات، بشكل يوفر له استقلال مالي عن السلطة المدنية، ويعزز نفوذه السياسي والعسكري.
يمتلك الجيش علاقات وثيقة مع الشركات الخاصة التي يمنحها امتيازات اقتصادية مقابل دعم النظام العسكري، فضلاً عن العلاقات مع الشركات الحكومية العاملة في النفط والغاز والأخشاب والأحجار الكريمة والتعدين.
ينشط الجيش تقريبا في كل القطاعات المهمة في اقتصاد ميانمار وخصوصاً التعدين في ظل سيطرته اليشم والياقوت والذهب والنحاس والفحم والقصدير والتنجستن والكهرمان.
تشير بعض التقديرات الدولية إلى أن تجارة اليشم وحدها قد تصل قيمتها إلى 31 مليار دولار سنوياً.
يعني باختصار يمتلك الجيش اقتصاد موازي لاقتصاد الدولة يعمل خارج الموازنة العامة، ولا يخضع للرقابة البرلمانية، ولا شركاته تعلن عن ميزانياتها.
إمبراطورية اقتصادية بهذا الحجم لها آثار كارثية على الاقتصاد في ميانمار، بسبب إضعاف المنافسة في ظل حصول الجيش على إعفاءات وامتيازات واحتكار لبعض القطاعات بشكل يقلل فرص القطاع الخاص، إلى جانب ضعف الشفافية".
تسبب اقتصاد الجيش في هروب الاستثمار الأجنبي، وزود معدلات الفساد والمحسوبية اللي استفاد منها شبكات المحسوبية اللي راكمت ثروات على حساب الشعب.
وبسبب النفوذ السياسي للجيش على الوزارات ديما فيه سوء تخصيص الموارد لصالح شركات الجيش، في ظل تركيز الجيش على استخراج الموارد الطبيعية أكثر من تطوير قطاعات إنتاجية ذات قيمة مضافة، بشكل عزز سمات الاقتصاد الريعي في ميانمار، والعلاقة بين الريعية والاستبداد أوثق من أن تحتاج إلى دليل.
التجارب الأربعة دي على اختلافها تقول: "إن هناك مسارين، المسار الأول هو حوكمة الاقتصاد العسكري، وتركيزه في الاستثمار في البحث والتطوير في المجالات القريبة من التسليح وغيرها، أو حتى في صناعات مدنية بس فيها قيمة مضافة مرتفعة، ولا يستطيع القطاع الخاص العمل فيها بسهولة".
بمعني إخضاع الاقتصاد العسكري لأهداف تنموية اقتصادية، والعكس من ذلك هي تجارب زي باكستان وميانمار وغيرهم، الاقتصاد العسكري يعمل بشكل سيادي مستقل، مثله مثل وضع مصر للأسف في الوقت الراهن ومن خلال هذا يعيد إنتاج التشوهات الاقتصادية الموجودة بالفعل وعلى رأسها الاقتصاد الريعي.
إن استمرار نشاط الجيش في تطوير العقارات، المحاجر، وغيرها من الأنشطة الريعية هو ليس فقط كارثة تتعلق بالفساد والحوكمة ولا بالمنافسة مع القطاع الخاص، وإنما هو كارثة أكبر تعيد ترسيخ وإنتاج نمط اقتصاد ريعي قائم على استخراج الموارد في حين أنه من الأفضل لينا جميعا أن الجيش لا يشتغل بالاقتصاد.