خوفًا من تدهور الجنيه، يتعلق المصريون بآمال إنقاذ ما تبقى لديهم من ثروات باكتناز الذهب والفِضة، يأتي ذلك في ظل الركود العقاري وصعوبة الاستثمار في بدائل أخرى، مما يدفع أسواق الصاغة لفتح شهية أصحاب المدخرات للإقبال على شراء الذهب والفضة لتحقيق أرباح جيدة، بينما يقبل المستهلكون على اقتناء السبائك والمشغولات القديمة تجنبًا لدفع قيمة الدمغات والمصنعية التي تمثل نحو 3% من قيمة المعدنين الأصفر والفضي.
وأدى تراجع الفائدة على الدولار من مستوى 5.25% و5.5% إلى 4.75% في الفيدرالي الأميركي إلى انخفاض قيمته عالميًا، مما أضعف قوته في السوق المحلية، في حين اتجهت أنظار أصحاب المدخرات إلى الاستثمار في الذهب والفضة وأي سلعة مقومة بالدولار، بالإضافة إلى الشهادات البنكية والسندات ذات العائد المرتفع، مع مخاوف من تدهور جديد للجنيه قد يدفعه إلى مستويات تتجاوز 50 جنيهًا مقابل الدولار قبل نهاية العام.
ويقبل المشترون على الذهب باعتباره أكثر المعادن قدرة على تعزيز قيمة المحفظة الاستثمارية والتحوط ضد المخاطر، بفضل قدرته على الاحتفاظ بقيمته في الأوقات الصعبة، وتحقيق أرباح في ظل انتعاش الأسواق.
رغم صعوده المستمر منذ أربع سنوات وسط أخطار انتشار وباء كورونا والمخاطر الجيوسياسية المتزايدة في المنطقة والعالم، والاضطراب الاقتصادي في الدول الصناعية الكبرى، ارتفع الذهب إلى مستويات قياسية بنسبة 20% خلال 12 شهرًا، مع ذلك، فإن العائد من الاستثمار فيه يقل تدريجيًا كلما ارتفعت الأسعار.
وسجل الذهب أسعارًا قياسية خلال الفترة الأخيرة، إذ بلغ سعر الأونصة صباح أمس نحو 2653 دولارًا في البورصات الدولية، قادمًا من مستوى 2503 دولارات في أول سبتمبر الجاري، و2038 دولارًا في مطلع عام 2024.
وبلغ سعر جرام الذهب عيار 21 الأكثر طلبًا في الأسواق المحلية نحو 4100 جنيه في يناير الماضي، بينما سجل 3435 جنيهًا في بداية سبتمبر و3548 جنيهًا يوم الاثنين الماضي، مما يعكس تراجعًا في سعر البيع بالجنيه رغم الزيادة الكبيرة في سعره عالميًا.
أسواق الفضة
في المقابل، استقبلت أسواق الفضة العام الجديد عند سعر 38 جنيهًا لجرام الفضة المحلية و40 جنيهًا للفضة السويسرية، لتصل إلى 47.25 جنيهًا للجرام المحلي و48.50 جنيهًا للسبائك السويسرية.
ويشتري المستهلكون الفضة باعتبارها الأكثر ربحية في ظل ارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، مما يثير مخاوف لدى المستهلكين من توقف ارتفاعها المفاجئ أو مرورها بفترة تراجع مفاجئ قد تعرضهم لخسائر فادحة.
وأكد رئيس شعبة الذهب السابق، فاروق إبراهيم، أن حركة البيع والشراء في أسواق الصاغة تمر بحالة من الركود، وأن المضاربات على الذهب والفضة تجري بعيدًا عن أرض الواقع، ومعظمها يتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يظهر أثرها في السوق الحقيقي والإجراءات الرسمية.
يبدي إبراهيم مخاوفه من اضطراب حركة الأسعار في الذهب، ويعتبرها غير مبررة سواء في الخارج أو في الأسواق المحلية، مشيرًا إلى أن صغر حجم سوق الذهب مقارنة بحجم التداول والإنتاج عالميًا لا يجعله إلا تابعًا لما يحدث من تحولات في الأسعار في البورصات الأجنبية.
من ناحية أخرى، يرى رئيس شعبة الذهب باتحاد الصناعات الأسبق، رؤوف عباس، أن شهية المصريين للإقبال على الذهب أو الفضة تعكس حالة الاقتصاد المصري، ويبين أن المستهلكين يلجؤون إلى اقتناء الذهب أو الفضة كملاذ آمن يحافظ على قيمة ثرواتهم ويساعدهم في تنمية أصولهم المدخرة، بعد أن فقدوا القدرة على توظيف أموالهم في أوعية ادخارية مناسبة تحميهم من الارتفاع الهائل في معدلات التضخم أو استثمارها في مجالات تحافظ على قيمتها وتنميها.
وأشار عباس إلى أن تصرفات الأفراد تعكس حال الدول؛ حيث يتدهور الاقتصاد وتنتشر الضبابية وحالة عدم الاستقرار، وترتفع الأسعار وتزداد المخاوف من المستقبل، مما يدفع الناس إلى اكتناز الذهب والفضة وكل ما يستطيعون وضعه تحت أيديهم من ثروات، خوفًا من تعرضها لمخاطر التبديد أو الخسائر الفادحة.
وتوقع محللون أن يواصل سعر الذهب الصعود مع تسجيل أرقام قياسية جديدة، ليبلغ 2700 دولار بنهاية العام الجاري مع اقتراب الانتخابات الأميركية، ليظل عند المعدل المرتفع طوال عام 2025، ومع استمرار حالة عدم اليقين والضبابية في المشهد الجيوسياسي، قدرت مؤسسات مالية كبرى أن ترتفع أونصة الذهب إلى 3000 دولار بحلول عام 2025.
من ناحية أخرى، يرى خبراء أن موعد تعويم الجنيه المرتقب في نوفمبر المقبل بات شبه مؤكد، في ظل الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي تضرب مصر، وضرورة سداد نحو 11 مليار دولار خلال نوفمبر، بالتزامن مع بدء صندوق النقد الدولي المراجعة الرابعة للاقتصاد المصري في أكتوبر المقبل.