على رغم النقص الكبير في أعداد الأطباء بمصر، وحاجة معظم المستشفيات والوحدت الصحية والمراكز الطبية لطواقم طبية، لمواجهة تزايد الأمراض المتفشية بين عموم الشعب المصري، يأتي انسجاب الحكومة المخزي من مسئوليتها عن الإنفاق على الصحة، المنصوص عليه دستوريا، ليثير المخاوف على مستقبل صحة المصريين، التي تتهددها الأزمات المتلاحقة.
ويواجه القطاع الطبي في مصر العديد من الأزمات المتراكمة، التي نتجت عن سياسات خاطئة استمرت لسنوات، وأدت إلى تشكل منظومة صحية مترهلة ومأزومة، وفقا لما وصفه خبراء.
ويتصدر نقص أعداد الأطباء ومقدمي الخدمات الصحية في المستشفيات قائمة هذه الأزمات، إلى جانب التدهور المستمر في أوضاع الأطباء، مما يدفع العديد منهم للهجرة خارج البلاد، ومع تزايد نقص الخدمات العلاجية والأدوية في الآونة الأخيرة، يواجه المواطن المصري مشقة إضافية في الاعتماد على النظام الصحي الحكومي، الذي كان ولا يزال الملاذ الأساسي له.
وقد أثار قرار نشرته مؤخرا نقابة العلاج الطبيعي عبر صفحتها الرسمية على (فيس بوك) بخصوص إلغاء نظام التكليف للأطباء وتقييد التعيين بالمستشفيات بناء على حاجة تحددها وزارة الصحة، جدلا واسعا وتحذيرات من انهيار منظومة العلاج الحكومي، يزداد القلق مع تزامن هذا القرار مع الموافقة الرسمية على قانون يسمح بتأجير المستشفيات الحكومية للقطاع الخاص، ما يوصف بأنه خطوة نحو خصخصة القطاع الطبي في مصر.
تحذير للطلاب
وخلال المنشور، حذّرت نقابة العلاج الطبيعي طلاب الثانوية العامة قبل الالتحاق بالكليات الطبية التي تشمل الطب البشري، وطب الأسنان، والعلاج الطبيعي، والصيدلة، والتمريض، مؤكدة أن وزارة الصحة المصرية قررت أن تكليف الخريجين لم يعد إلزاميًا، بل سيتم وفق احتياجات سوق العمل.
ويقصد بتكليف خريجي الكليات الطبية في مصر توظيفهم في المستشفيات والمراكز الطبية الحكومية مباشرة بعد التخرج، وقضاء “سنة الامتياز”، وهي سنة إلزامية للطلاب بعد إنهاء المقررات الدراسية، يمارسون خلالها تدريبات سريرية في المستشفيات أو المراكز الحكومية، ولا يُعتبر الطالب مؤهلًا لممارسة المهنة إلا بعد اجتياز هذه المرحلة.
جدل مجتمعي
وأعقب الإعلان عن القرار حالة من التضارب في التصريحات الحكومية حول تنفيذه؛ لكن نقيب الأطباء، أسامة عبد الحي، أكد في تصريحات صحفية أن “اللجنة العليا للتكليف في وزارة الصحة قررت في عام 2022 أن يكون تكليف خريجي الكليات الطبية وفقًا للاحتياجات، أي العجز في المستشفيات والوحدات الصحية، بداية من عام 2025.”
التعيين وفق الحاجة
يشار إلى أن قرار التعيين وفق الحاجة تم إقراره في نوفمبر 2022 من قبل اللجنة العليا للتكليف، وتمت الموافقة عليه من رئيس الوزراء، وبناء عليه سيجري التعيين وفق الحاجة بداية من 2025 لجميع أعضاء المهن الطبية.
خصخصة الصحة
في المقابل، علق أطباء وناشطون في القطاع الطبي على القرار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرين إلى أن إلغاء التكليف سيكون تمهيدًا لخصخصة الخدمات الصحية وبيع المستشفيات في مصر، خاصة وأن الحديث عن إلغاء التكليف الإجباري للأطباء والتمريض والصيادلة يتزامن مع صدور قانون تأجير المستشفيات الذي يسمح للحكومة بمنح حق إدارة وتشغيل المستشفيات الحكومية للمستثمرين المصريين أو الأجانب، بدعوى تشجيع الاستثمار في القطاع الصحي. ويسمح القانون للحكومة المصرية بتأجير المستشفيات الحكومية لمدة لا تقل عن ثلاثة أعوام ولا تزيد عن 15 عاما.
ووفق الحقوقي محمد فؤاد، المدير التنفيذي لجمعية الحق في الدواء، فإن قرار إلغاء التكليف مرتبط بشكل مباشر بقانون تخصيص المستشفيات الذي أقرته الحكومة مؤخرًا بهدف تقليص الإنفاق على المرافق الصحية، وهو ما يتماشى مع التزامات مصر أمام صندوق النقد الدولي بتقليص النفقات والرواتب.
وأوضح فؤاد أن الحكومة تسعى لتخفيض الإنفاق الكلي على الصحة، وقد بدأت برفع أسعار الكشوفات والأدوية، ثم اتجهت نحو تخصيص المرافق الصحية، وبدأت بمستشفى مبرة المعادي، وسيتم تأجير نحو 360 مستشفى وفق القانون الجديد. الهدف هو تمهيد الطريق للمستثمرين في القطاع الصحي، خاصة أن القانون يمنحهم الحق في تعيين عمالة أجنبية دون تحديد نوعها، سواء كانوا أطباء، ممرضين، صيادلة أو غيرهم، ولذلك يعتبر إلغاء التكليف خطوة جديدة على أجندة الحكومة الرامية لتقليل النفقات ودعم المستثمرين في القطاع الصحي، مما سيزيد من أعباء المواطن الذي سيتحمل ارتفاعًا كبيرا في أسعار الخدمات الصحية.
يعتمد الغالبية العظمى من المصريين على القطاع الصحي الحكومية كمصدر رئيس لتلقي الرعاية الصحية، ويكفل الدستور ذلك بموجب المادة رقم “لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقًا لمعايير الجودة، كما تكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التي تقدم خدماتها للشعب ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافي العادل.”
تُشغل مصر 662 مستشفى حكومي بتكلفة 147.8 مليار جنيه مصري، تُقدم خدماتها الصحية للمواطنين برسوم رمزية، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وشهدت السنة المالية 2023-2024، التي انتهت في يونيو 2024، تخصيص 147.8 مليار جنيه مصري للإنفاق على قطاع الصحة، وهو ما يعادل 3.1 مليار دولار، يُعد هذا الرقم زيادة عن السنة المالية السابقة 2022-2023، حيث بلغت ميزانية الصحة 128.1 مليار جنيه مصري.
وقد بلغ إجمالي عدد المستفيدين من التأمين الصحي 57 مليون مواطن حتى عام 2020، بحسب تقديرات جهاز الإحصاء، كما قُدرت عـدد المنشآت الصحية التابعة للقطاع الحكومي والخاص في مصر عام 2020 بنحو 2034 منشأة، وبلغت تكلفة تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبيـة بعـدد 18 مستشفى جامعي نموذجي شاملة أقسام ومستشفيات الطوارئ 2.7 مليار جنيه.
بالرغم من ذلك، لا توجد خطط واضحة لإنقاذ القطاع الصحي في مصر، فوفق تقدير نقابة الأطباء المصري في مارس 2023، لا يوجد أي توجه حقيقي وفعل يؤيد إعلان الحكومة تفهم المشكلات وتصريحاتها بسعيها لحلها، فعجز الأطباء في تزايد نتيجة بيئة العمل غير الصالحة بدءاً من الاعتداءات المتكررة مروراً بتدني الأجور و تعرضهم للسجن في القضايا المهنية والتعسف الإداري.
ويلحق القطاع الخاص بنظيره الحكومي – بحسب النقابة-، في نوعيات المشكلات التي تضاف إليها تعمد عديد من الجهات لتحصيل رسوم واشتراطات تعجيزية يصعب معها الاستمرار في تقديم خدمة طبية مرضية للمريض المصري ومقبولة التكلفة”. واليوم يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا المتعلق بالمواطن.. أين يذهب لتلقي العلاج؟
وأمام ذلك، بات أعضاء القطاع الطبي في مصر يفضلون الهجرة للخارج بسبب بيئة العمل السيئة وتدني الأجور وغيرها من الأزمات اليومية، ومن المتوقع أن يؤدي تخصيص المستشفيات إلى الاستغناء عن عدد كبير من العاملين لتقليل النفقات وزيادة أرباح المستثمر، وهو ما سيدفع المواطن ثمنه بارتفاع تكلفة كافة الخدمات الصحية المقدمة له.