تعاني شركة مصر للطيران منذ الانقلاب العسكري في 2013 من مشاكل جمة تتمثل في فساد تفشى خلال حكم قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، فبعد أن كان الناقل الوطني من قائمة أفضل 100 شركة طيران حول العالم، خرج من هذه القامة، كما تسبب الفساد في إلحاق خسائر مادية بلغت 33 مليار جنيه سنويا، إلى أن تقلصت الخسار العام الماضي إلى 16.5 مليار جنيه، ليثير قلقا حول مصير واحدة من أعرق الشركات العربية وثاني أقدم شركة طيران أفريقية، إضافة لتأثير ذلك على جهود تطوير القطاع السياحي المصري.
وتعددت المشاكل المثارة حول شركة مصر للطيران ما بين تعيين أكثر من 33 مستشارا تجاوزت مرتباتهم المليار جنيه سنويا، ومابين شراء طائرات بأكثر من مليار و200 مليون دولار ثم بيعهم بعد شهور قليلة بثلث ثمنهم، ومع تلك الكارثة الكبرى والخسائر الفادحة، قال وزير الطيران المدني، سامح الحفني: إن “الشركة تتطلع لشراء صفقة طائرات ضخمة”.
ضربات متتالية
ومنذ الانقلاب العسكري وتوالت الأزمات على الشركة بداية من تعيين 4 آلاف عامل لاتحتاجهم السركة في عامي 2013 و2014 فترة عدم الاستقرار التي تعرضت لها مصر بين 2011 و2014 أثرت على “مصر للطيران”، إذ تم تعيين أربعة آلاف عامل، وبحسب تقارير صحفية يبلغ عدد العاملين بالشركة 37 ألف موظف، وهو رقم مبالغ فيه إذ تحتاج الشركة لربع هذا الرقم.
وخلاف ذلك تأثرت الشركة بحادثة انفجار الطائرة الروسية في 2015، ثم جائحة كورونا التي أثرت على قطاع الطيران عالميا.
كما فاقمت أزمة نقص النقد الأجنبي في مصر من خسائر مصر للطيران، إذ يؤكد رئيس الشركة محمد موسى، في تصريحات صحفية أن جزءا من الخسائر ناتج من تحريك سعر الصرف، إذ إن 90 % من مصروفات الشركة بالدولار فيما إيراداتها منه 70 %.
ولمواجهة تلك الخسائر أقرضت وزارة المالية “مصر للطيران” خمسة مليارات جنيه في 2021، بعد عام واحد من حصولها على قرض مشترك من بنكي “الأهلي” و”مصر” بقيمة ثلاثة مليارات جنيه.
بيع 12 طائرة
وكانت الفاجعة الكبرى هي إعلان رئيس الشركة القابضة يحيى زكريا، بيانا مفاجئا حول قرار بيع 12 طائرة من إجمالي أسطول الشركة البالغ 80 طائرة، لاستخدام حصيلة البيع في سداد ثمن قرض شراء الطائرات.
أدهشت الصفقة أعضاء الغرف السياحية والفندقية، ومسؤولي وزارة السياحة التي تطالب بمضاعفة عدد المقاعد المتاحة على مصر للطيران والشركات العاملة في مصر، لضمان توفير طاقة تستوعب زيادة عدد الزائرين للبلاد من 14 مليونا إلى 30 مليون مسافر بحلول عام 2030.
لم تقتصر الصدمة على الطائرات من طراز A320-200 التي اشترتها مصر من مجموعة إيرباص الأوروبية، منذ عامين فقط، بنحو 1.2 مليار دولار، ويعرضها للبيع على وجه السرعة، خلال الشهر الجاري، بأقل 40% من قيمتها السوقية، وإنما امتدت الصدمة إلى سبب التخلص من الصفقة، بقول رئيس الشركة القابضة لمصر للطيران: إن “الطائرات بيعت بسبب عدم ملاءمتها لظروف مصر المناخية”.
ويعزو المستشار الاقتصادي، وائل النحاس، سبب هذه الخسائر إلى سوء إدارة من الشركة، نافيا أن تكون ناتجة عن تداعيات جائحة كورونا أو الحرب في أوكرانيا.
ويوضح النحاس في حديث تلفزيوني، أن قطاع الطيران في العالم استطاع تقليص خسائره من 137 مليار دولار عام 2020 إلى 12 مليار عام 2021 ثم إلى نحو 9 مليارات العام الماضي.
ويلفت إلى أن العالم استطاع تعويض خسائره، لكن القاهرة تزيد منها بحجة الوباء والحرب.
صفقة شراء جديدة رغم الخسائر الكارثية
ورغم الفساد الكبير الذي يحيط بصفقات الطائرات وبدلا من تطوير وصيانة ما تبقى في الأسطول المصري، تطرق وزير الطيران، في لقاءه ، مع عريقات نائب رئيس المبيعات والتسويق بشركة بوينج لمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وتركيا، إلى ملامح خطة تطوير أسطول مصر للطيران، والذي من المخطط أن يصل إلى 125 طائرة بنهاية عام 2030، مما يعزز من إمكانياتها وقدراتها على المنافسة في الأسواق العالمية؛ من أجل استيعاب حجم الحركة الجوية والسياحية الوافدة إلى مصر بحسب قول الوزير.
فيما يرى خبراء أن صفقة شراء تلك السيارات، مجرد سبوبة كبيرة للفساد، سيجري تنفيع الكثير من المسئولين بدائرة السيسي، في ظل ما جرى سابقا من بيع لطائرات حديثة بنحو ثلث ثمنها، لسداد قروض شرائها.
هل الخسائر تمهد لخصخصة جديدة؟
ويرى المتخصص في الشأن الاقتصادي أحمد معطي، أن الخسائر المتلاحقة وتراجع التصنيف قد يكون فرصة للنظام من أجل خصخصتها وطرحها للقطاع الخاص، مؤكدا أنه لا يمانع، لكن ليس في الوقت الحالي لأنها ستتكبد خسائر وسيعرض المستثمرون أقل من ثمنها الحقيقي مستغلين تراجعها في الترتيب العالمي، مضيفا “فكرة المنافسة ودعم دخول القطاع الخاص في الاستثمار بالطيران المدني مهم جدا لتطوير المنظومة”.
وكان رجل الأعمال نجيب ساويرس قد ألمح عبر “تويتر” أن حل أزمة مصر للطيران هو طرحها للخصخصة، كما كان قد صرح العام الماضي بأنه يجب على الدولة طرح 30 في المئة من أسهم الشركة في البورصة.
وكان من بين المنادين بفتح مجال الاستثمار بقطاع الطيران وزير التجارة والصناعة والسياحة المصري الأسبق منير فخري عبدالنور، الذي نادى خلال المؤتمر الاقتصادي العام الماضي بإنهاء القطاع العام، وهو ما سيكشف عنه خلال الأيام المقبلة.