القاهرة ليست الوجهة الأفريقية الأولى للأجانب.. بيع الأصول المصرية ليس استثمارا

- ‎فيتقارير

من اللحظة الأولى التي تسمع فيها أن مصر هي الوجهة الأولى للمستثمرين في أفريقيا سينتابك نوبة من الضحك الهستيري، لكن لو تعمقت ستجد أن العبارة لها أوجه متعددة، حيث إن حكومة الانقلاب تعتمد في سياستها الاقتصادية والتي ستضر أجيالا عديدة قادمة على بيع أصولها لدولتي الإمارات والسعودية وبيع أذون خزانة بفوائد عالية، ولعل ما يفضح الاقتصاد المصري هو هروب رجال الأعمال المصريين للاستثمار في الإمارات والسعودية، وغيرهم، خوفا من جبايات قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، ولأن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” قد أكد في بيانه الصادر منتصف الشهر الماضي، أن مصر تعد الوجهة الاستثمارية الأولى في قارة إفريقيا للعام الثاني على التوالي، وأنها احتلت المركز 32 عالميا في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر لعام 2023، لكن ذلك مبني على كم المليارات التي دخلت مصر عن طريق بيع أصولها والتي كان آخرها رأس الحكمة، لماذا يهرب رجال الأعمال من مصر ؟ لأنك تحمل الجنسية المصرية وتعيش داخل بلد لا يحترم القانون، فإنك معرض للاعتقال أو مصادرة أموالك وممتلكاتك، فالجهة التي من المفترض أن تحميك هي التي ستنكل بك، وإما أن تدفع الجباية وتعطي كامل فروض الولاء للسيسي وعصابته، وإلا فإنك ستكون في مرمى بوابة الاختفاء وراء الشمس، ولك عبرة في رجلي الأعمال صفوان ثابت ورجب السويركي.

 وبما أنه لا كرامة لمصري في وطنه، فقد لجأ العديد من رجال الأعمال المصريين للهروب بأموالهم إلى الإمارات أو السعودية بل نجد بعض المستثمرين ذهبوا بأموالهم للصومال، والبعض الآخر حول أصول شركاته لملكية أجنبية خوفا من غدر السيسي، حتى يجد حماية دولية للمتلكاته كما فعلت ياسمين وفريدة ابنتا رجل الأعمال فريد خميس.

 وبجانب الخوف والرعب الذي يعيش فيه المستثمر المصري داخل بلده فإنه يعاني أيضا ويلات السياسات الاقتصادية الفاشلة لرئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي، فعلى مدار أكثر من 10 سنوات، كرّس نظامه لسيطرة شركات الجيش والمؤسسات السيادية على أغلب القطاعات، ما أدى لتوقف مصالح بعض رجال الأعمال أو تقليصها، أو الهروب بها إلى ملاذات آمنة وأسواق غير مضطربة، واقتصاديات لا تعاني أزمات مع العملات الصعبة، أو القرارات الإدارية المتضاربة.

 وبشهادات عالمية عدة، وقرائن دامغة، ليست خافية على المراقب لاقتصاد مصر وحركتها الاجتماعية والاقتصادية، لم تعد مصر واجهة استثمارية سواء لمستثمرين أجانب أو حتى محليين، بل أصبحت طاردة للجميع حتى رجال الأعمال المقربين من نظام عبدالفتاح السيسي، قرروا أيضا الخروج من مصر بحيل غير معتادة، رغم الأزمة الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها البلاد والتي تتطلب استمرارهم للبناء عليهم.

هروب أبناء «فريد خميس» الهروب الأكبر كان لـ ياسمين وفريدة خميس، ورثة رجل الأعمال الراحل، محمد فريد خميس، فكشف إفصاح صادر عن البورصة المصرية أن ياسمين وفريدة نقلا حصتهما البالغة 24.61% في شركة النساجون الشرقيون إلى شركة إنجليزية تحمل اسم FYK LIMITED بقيمة 52.62 مليون دولار.

 بيان شركة النساجون الشرقيون، في شهر يناير 2023، أشار لاحقا إلى أن فريدة وياسمين هما المالكتين للشركة الإنجليزية الجديدة، والموجودة في مدينة مانشستر بنسبة 100%.

 ويقول المراقبون: إن “الغرض من انتقال ملكية الشركة إلى شركة استثمارات أجنبية، هو جعل الشركة خاضعة للاتفاقيات الدولية للتحكيم التجاري الدولي، في حال حدوث أي نزاع، فضلا عن أن حركة الأموال تتم خارج مصر، ويلفتوا إلى أن هناك حالة من التضييق تمارسها الحكومة المصرية على رجال الأعمال النافذين، دون أسباب واضحة، إلى جانب عراقيل عديدة يضعها البنك المركزي على التصرف في الأموال المودَعة لديه بالدولار.

 ويؤكد المراقبون، أن الوضع الجديد للشركة يتيح لأصحاب رأس المال التحكم بحرية في أموالهم، بعيدا عن تعقيدات النظام الحالي.

 إن هروب عائلة ساويرس ونقل الملياردير الأغنى في مصر ناصف ساويرس مكتب الاستثمار العائلي الخاص به، والمعروف بـ”مجموعة NNS” والذي يمثل امبراطوريته المالية والاستثمارية، إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي، فيما وصفت شبكة “بلومبرج” العملية بأنها استمرار لـ”هجرة المليارديرات” إلى الإمارات.

 وقالت الشركة ، في 4 ديسمبر الماضي ، إن مجموعة “NNS” تهدف من هناك إلى بناء حصص كبيرة في عدد كبير من الشركات، خاصة في أوروبا والشرق الأوسط وأمريكا الشمالية.

 وقال ناصف ساويرس، في بيان: “يسعدني أن أعلن عن التزامنا طويل الأمد تجاه الإمارات وسوق أبوظبي العالمي على وجه الخصوص، أهمية الإمارات بالنسبة للنظام المالي العالمي تجعل NNS تعتقد أن نقل أنشطتها الرئيسية للإمارات سيساهم في مواصلة تطوير ونمو محفظتها وأنشطتها الأساسية”.

 وكذلك  استحوذ رجل الأعمال ناصف ساويرس، على 46% من أسهم الشركة الرياضية التابعة لأحد الأندية البرتغالية، وأعلن نادي فيتوريا جيماريش البرتغالي، عبر موقعه الرسمي، عن استحواذ ساويرس على نسبة كبيرة من أسهم الشركةالرياضية التابعة للنادي، مشيرا إلى أن الصفقة تمت مقابل 5.5 مليون يورو.

 ويعد ساويرس أغنى رجل في مصر، حيث تبلغ ثروته الصافية حوالي 7.6 مليار دولار، وفقا لمؤشر “بلومبرج” للمليارديرات.

 وتتنوع استثمارات ناصف ساويرس، حيث استثمر في شركة Adidas AG الألمانية لصناعة السلع الرياضية وكذلك في نادي كرة القدم الإنجليزي أستون فيلا، وفقا لما ذكرته “بلومبرج”، وسبق ذلك،  إعلان رئيس شركة أوراسكوم للفنادق والتنمية، سميح ساويرس، عدم الدخول في استثمارات جديدة في مصر، بسبب الأوضاع والقرارات الاقتصادية الحالية، وصعوبة دراسة ربحية المشروع إثر أزمة صرف العملة.

 وأضاف ساويرس، أنه بدأ بالفعل التفاوض بشأن تنفيذ العديد من المشاريع في المملكة العربية السعودية، مشيرا إلى أن المملكة تشهد حاليا ثورة على جميع المقاييس، وأن فرص الاستثمار بها سواعدة في ظل ما تقدمه من تسهيلات.

 وسبقهم قبل ذلك رجل الأعمال “نجيب ساويرس”، الذي قام منذ العام 2007 بتأسيس شركات وصناديق أجنبية تابعة له، وقام بحركة مراوغة للحكومة المصرية في ذلك الحين كونه لديه استثمارات في دول أفريقية وأوروبية عديدة، قبل أن يصفي أغلبها بعد وقت قليل؛ لتبقى عدة صناديق يمتلكها ويضع فيها الجزء الأكبر من أمواله.

 وأصبحت عائلة “ساويرس” يتعاملون في السوق المصرية بنفس امتيازات المستثمرين الأجانب، ويقومون بعمليات تدشين الشركات والمشروعات برؤوس أموال تأتي من الصناديق المملوكة لهم في الخارج، واستفادوا من التسهيلات التي تقدمها الدولة للمستثمرين الأجانب، وفي الوقت ذاته أضحى لديهم حرية تصرف في أموالهم بعد أن أدركوا أنهم عرضة للسطو أو التضييق عليهم في أي لحظة.

 هروب رجل الأعمال محمد  منصور  وكانت عدة تقارير غربية وأمريكية ، قد  كشفت عن توصل رجل الأعمال المصري، وصاحب توكيل شيفرولية مصر، محمد منصور، لاتفاق لشراء نادي في الدوري الأمريكي انطلاقا من عام 2025، بقيمة نصف مليار دولار.

 وأضافت التقارير، أن منصور كسر بذلك الرقم القياسي للمبلغ المدفوع للحصول على حقوق إنشاء نادٍ واشراكه في الدوري الأمريكي، مشيرة إلى أن أعلى مبلغ للإنشاء مسبقا بالدوري كان لنادي شارلوت في عام 2019، والذي بلغ 325 مليون دولار أمريكي.

  شركة القلعة  كما تعد شركة “القلعة” التي يملكها رجل الأعمال المصري أحمد هيكل، نجل الكاتب الصحفي الراحل “محمد حسنين هيكل” أبرز الشركات المصرية التي أسست صندوقا استثماريا في الخارج، وبلغ حجم تعاملاتها 9.5 مليارات دولار أمريكي، وقام بإنشاء تلك الصناديق منذ بدايات عمل الشركة قبل 15 عاما.

 الخوف من مصير صفوان والسويركي وجاء هذا الهروب المتزايد بسبب القوانين المصرية الطاردة للاستثمار، وخوفا من مصير رجال أعمال طمع النظام بشركاتهم، كـ”صفوان ثابت” مؤسس شركة “جهينة” للألبان، و”سيد السويركي” مالك محلات “التوحيد والنور”، ورجل الأعمال “حسن مالك”، وحبسهم جميعا وغيرهم.

 يذكر الخبير المصرفي “محمد عطية”، أن الاستثمار المحلي والأجنبي في مصر يواجه مشكلات عديدة بدءا من عدم توفر الدولار، مرورا بوجود سعرين للصرف، والمتاعب التي يواجهها رجال الأعمال في تحويل أموالهم للخارج.

 أضف إلى هذا توالي حالات القبض على رجال أعمال والاستيلاء على مشروعاتهم في بعض الأحيان، ما يجعل الدولة غير قادرة على جذب المستثمرين الأجانب، ويجعلها مرغمة على التعامل مع شركات الأوف شور التي تساهم في توفير العملة الصعبة.

 ويشير “عطية” إلى أن الشركات الناشئة المصرية استفادت من الخبرات السابقة لرجال الأعمال، وأضحوا يدشنون مشروعاتهم في عواصم عربية مختلفة ويتخذونها مقراً رئيسياً لهم، ويدخلون السوق المصري كمستثمرين أجانب.

 ويقوم البعض الآخر من الشركات التكنولوجية التي برزت في مصر خلال السنوات الماضية الآن بعملية هجرة جماعية إلى الأسواق السعودية والإماراتية وغيرها، ويعملون على استمرار مشروعاتهم في مصر، لكن تكون عملية الإدارة الرئيسية من الخارج.

 وبسبب الإدارة الفاشلة لقائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي هرب رجال الأعمال من مصر لنحتل المرتبة الثالثة في تأسيس الشركات في دبي، حيث هرب نحو 2355 مستثمر مصري إلى الامارات في 6 شهور فقط، كما زاد الاستثمار المصري في السعودية بنسبة 150 بالمئة.