تشهد سوق العقارات ارتفاعات جنونية في الأسعار، سواء بالنسبة للتمليك أو الإيجارات، وهو ما يمثل أزمة كبيرة خاصة بالنسبة للشباب المقبلين على الزواج، لأن دخولهم وقدراتهم الشرائية لا تتلائم مع أسعار الشقق السكنية، ولا مع الإيجارات التي ارتفعت بصورة جنونية، مع تزايد أعداد اللاجئين الأفارقة
شكاوى الأسر والمواطنين تزايدت من صعوبة التوفيق بين دفع الإيجارات والاحتياجات الحياتية الأخرى، خاصة أن الإيجار بعد أن كان يتراوح بين 1000 إلى 1500 جنيه في المناطق الشعبية وصل إلى 5 آلاف جنيه، وفي المناطق الراقية أصبح يتراوح بين 15 إلى 20 ألف جنيه.
أسعار العقارات جعلت الزواج حلما بعيد المنال بالنسبة للشباب ، ففي ظل غلاء الأسعار والتضخم، أصبح الحصول على شقة مسألة يصعب تحقيقها، وبعد أن أصبحت شقق التمليك في مستوى المواطن المليونير، قرر الشباب للجوء إلى الإيجارات ليتفاجأوا بارتفاعها بشكل جنوني، بما يفوق قدراتهم، وهكذا توقفت مشروعاتهم وأحلامهم المشروعة في إتمام “نص دينهم”.
حكومة الانقلاب تتجاهل الأزمة تماما، وكأنها تحدث لشعب آخر غير المصريين، بل تحاول استغلال موجة الغلاء ، حيث تدرس وزارة إسكان الانقلاب بالتعاون مع بعض جهات القطاع الخاص إنشاء شركة تستهدف تأجير الوحدات السكنية الشاغرة والمطروحة للإيجار من جانب ملاكها.
يشار إلى أنه منذ منتصف العام الماضي تزايدت أعداد اللاجئين إلى مصر من البلدان العربية والأفريقية، وزاد الطلب على المساكن رغم محدودية المعروض من الوحدات السكنية للإيجار، فارتفعت أسعار العقارات بنسبة 100% .
إيجارات مرتفعة
“متزوج مع وقف التنفيذ” هكذا وصف محمد محسن حاله بعد أن اضطر لترك شقته، بسبب جشع وطمع مالك العقار الذي رفض تجديد عقد إيجار الشقة التي كان يقطن فيها منذ ٣ سنوات بمنطقة فيصل، وطالبه المالك بزيادة الإيجار من 2000 جنيه، إلى 7000 جنيه، لتجديد العقد أو الإخلاء، نظرا لأن هناك أسرة سودانية على استعداد لدفع المبلغ المطلوب.
وقال محمد: “دخلي لا يسمح بدفع هذا المبلغ، لذلك اضطررت للإقامة مع أسرتي وإرسال زوجتي وابنتي إلى أسرتها حتى أجد مسكنا مناسبا”.
وأكد كريم عادل موظف أن أسعار الشقق مرتفعة جدا، خاصة بالنسبة للشباب الذين تكون رواتبهم ضعيفة موضحا أن أقل شقة يتراوح إيجارها بين ٥٠٠٠ و٦٠٠٠ آلاف جنيه، وهذا أمر غير منصف في ظل الظروف المعيشية الحالية التي تشكل عبئا كبيرا على عاتق الشباب.
وأشار عادل إلى أن الحياة أصبحت صعبة جدا بالنسبة لكل شاب في سني، ليس لديه شقة سكنية، وهناك أيضا أثاث ومفروشات وتكلفة حفل الزفاف، والذهب موضوع صعب جدا، موضحا أننا إذا قمنا بحساب ميزانية الزواج سنجدها تتعدى نصف مليون جنيه.
تكاليف المعيشة
وقالت هاجر محمد: “الإيجارات في تزايد مستمر، ولا تتناسب مع رواتب المواطنين ذوى الدخل المحدود والمتوسط، وقد يضطر الزوجان للعمل من أجل توفير الإيجار”.
وأكدت أن هناك صعوبة في توفير احتياجات المنزل وتكاليف المعيشة الأخرى، لافتة إلى أن أغلب أعمال الصيانة والتصليح تقع على عاتق المستأجر، مما يسبب أعباء وضغطا نفسيا كبيرا على أي شاب وفتاة يرغبان في الزواج.
وقال عم محمد موظف سابق بالمعاش يعمل حاليا سائق تاكسي: “كفاية وافدين، إحنا بلد مش مستعدة لاستقبال أعداد أكتر من كده”.
وأضاف : جواز بنتي واقف منذ فترة لعدم إيجاد خطيبها شقة تتناسب مع إمكانياته، مؤكدا أنهم فشلوا في العثور على شقة إيجار قديم أو حتى بنظام الإيجار الجديد، والسبب زيادة الطلب من السودانيين ودفع أسعار لا نستطيع دفعها.
الطلب والعرض
من جهته، أرجع الخبير الاقتصادي الدكتور كرم سلام عبدالرؤوف، ارتفاع أسعار العقارات إلى الظروف الاقتصادية المتغيرة، مما أدى إلى عدة ظواهر أبرزها: زيادة الطلب، حيث إن تزايد عدد السكان وزيادة عدد الأسر الصغيرة، أدى إلى زيادة الطلب على الوحدات السكنية، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار.
نقص العرض، حيث إن قلة الأراضي المتاحة للبناء في المناطق الحيوية والمدن الكبرى يزيد من الضغط على الوحدات المتاحة، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها.
ارتفاع تكاليف البناء نتيجة ارتفاع أسعار مواد البناء، العمالة، وتكاليف النقل، ما يؤدي إلى زيادة تكلفة بناء الوحدات السكنية، وهو ما ينعكس على أسعار البيع.
المضاربة العقارية نتيجة قيام بعض المستثمرين بشراء العقارات وإعادة بيعها بأسعار أعلى بهدف الربح، مما يساهم في رفع الأسعار بشكل كبير.
التضخم الاقتصاد، حيث إن ارتفاع معدلات التضخم تؤدي إلى تآكل القيمة الشرائية للعملة، مما يدفع أسعار العقارات إلى الارتفاع لتعويض هذا التآكل.
ارتفاع الفائدة البنكية، حيث إن ارتفاع أسعار الفائدة على القروض العقارية يجعل التمويل العقاري أكثر تكلفة، مما يزيد من إجمالي تكلفة شراء العقارات.
إسكان اجتماعي
وأشار عبدالرؤوف في تصريحات صحفية إلى عدة حلول لأزمة الحصول على سكن لائق منها:
< تطوير الإسكان الاجتماعي، من خلال إنشاء مشاريع إسكان اجتماعي بأسعار معقولة، تستهدف الشباب وذوي الدخل المحدود، مع تقديم تسهيلات في السداد وتمويل منخفض الفائدة.
< تحفيز القطاع الخاص من خلال تقديم حوافز ضريبية وتشجيعية للمطورين العقاريين لبناء وحدات سكنية بأسعار مناسبة للشباب، وتشجيعهم على تبني ممارسات بناء مستدامة تقلل من التكاليف.
< تسهيل الإجراءات القانونية والإدارية من خلال تبسيط وتسريع إجراءات شراء العقارات وتسجيلها، ما يقلل من التكاليف الإدارية ويسهل على الشباب عملية التملك.
< دعم التمويل العقاري من خلال تقديم قروض عقارية مدعومة من حكومة الانقلاب بفوائد منخفضة أو بفترات سداد طويلة، وتوفير برامج تمويل مشترك بين حكومة الانقلاب والبنوك.
< تنظيم الإيجارات من خلال وضع قوانين وتنظيمات لضبط أسعار الإيجارات ومنع المضاربات والإيجارات المبالغ فيها، ما يساعد على توفير خيارات سكنية ميسورة للشباب.
وشدد على ضرورة أن تتخلى حكومة الانقلاب عن سياسة التعامل مع المواطنين كمستثمر، وتقديم مبادرات مجتمعية تهدف إلى تخفيف العبء عن كاهل الشباب، موضحا أن هذه المبادرات يمكن أن تشمل توفير الدعم المالي للمشترين لأول مرة، وتحفيز مشاريع الإسكان الاجتماعي، وتسهيل الإجراءات البيروقراطية، كما يمكن للقطاع الخاص أن يلعب دورا مهما من خلال توفير حلول مبتكرة تساهم في خفض التكاليف وتوفير السكن الملائم.