قالت دراسة بعنوان “موقف حزب الله من العدوان الإسرائيلي على غزة: الأبعاد والمحددات والسيناريوهات” إن حزب الله يتبنى استراتيجية لدعم الفصائل الفلسطينية في حربها الجارية، يمكن تسميتها باستراتيجية الإسناد دون التورط، وهي تقوم على إثارة التوترات على الجبهة الشمالية لإسرائيل من خلال الهجمات على أهداف عسكرية إسرائيلية، أو القيام بعمليات تسلل على طول الحدود، فضلا عن السماح لأجنحة الفصائل الفلسطينية في لبنان بالقيام بعمليات استهداف وتسلل، بما يؤدي إلى أن تعزز القوات الإسرائيلية انتشارها العسكري في الجبهة الشمالية.
وأضافت الدراسة التي استعرضها موقع “الشارع السياسي” أن هذا الجهد هدفه تخفيف الضغط عن قطاع غزة، وتشتيت الجهود العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية.
وخلصت الدراسة إلى أنه “يبدو أن حزب الله لن ينخرط في هذه الحرب بشكل فعلي ومباشر، وإذا ما تطلبت التطورات الميدانية المقبلة أن ينخرط الحزب، فإنه سيظل حريصا على أن يكون تصعيده مناسبا ومتدرجا وفي حدوده المنضبطة ضمن معادلة الاشتباك القائمة، لكي تبقى احتمالات عدم تطور المواجهة إلى حرب شاملة هي الأكثر ترجيحا”.
السيناريوهات المحتملة لتطورات الصراع
وتحدثت الورقة عن ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطورات الصراع علي الحدود اللبنانية بين حزب الله والكيان الصهيوني:
السيناريو الأول
على الأرجح؛ باستمرار الاشتباكات الحالية المضبوطة والمراعية لقواعد الاشتباك حتى نهاية العملية الإسرائيلية في غزة، يدعم تحقق هذا السيناريو مجموعة من العوامل، أهمها:
سيناريو يحقق مصالح الطرفين؛ فحزب الله الذي يريد تحقيق مشاركة رمزية في وقت لا يشعر فيه بالارتياح إلى ساحته اللبنانية على مستويات عدة ما يمنعه من الذهاب إلى التصعيد.
مقابل إسرائيل التي يبدو أنها لا تمانع من حدوث اشتباكات مضبوطة تمنع حربا مفتوحة.
وأضافت الدراسة أن السيناريو مرتبط بنجاح حماس في الوقوف أمام العملة البرية الإسرائيلية، وتكبيد إسرائيل خسائر بشرية هائلة تضطرها إلى الانسحاب من القطاع، ويدعم هذا السيناريو أيضا الضغط الدولي والإقليمي على الطرفين، وبالذات على حزب الله، لعدم الانجرار إلى حرب واسعة، بحسب الدراسة ومصادرها.
السيناريو الثاني
وأوضح أنه قليل الاحتمال؛ ويقضي بالتخلي عن قواعد الاشتباك والانزلاق إلى حرب مفتوحة واسعة النطاق بين حزب الله وإسرائيل، وهو ما يمكن أن يحصل بسبب حصول تهديد جدي لحركة حماس وإمكانية تحقيق الهدف الإسرائيلي من العملية البرية الإسرائيلية بالقضاء التام علي الحركة، ما يضطر حزب الله إلى فتح الجبهة بين لبنان وإسرائيل على نحو واسع وشامل، بما قد ينقذ حماس.
وأضافت الدراسة أن هذا يرجحه حالة تنفيذ إسرائيل لعملية عسكرية موسعة في مدينة رفح، تتخللها ارتكاب مجازر واسعة بحق الفلسطينيين، في هذه الحالة قد يوسع حزب الله من نطاق استهدافه داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويمكن أن يستهدف الحزب ضرب منشآت عسكرية أكبر تستضيف مئات الجنود، بدلا من المواقع الصغيرة على طول الحدود.
وضمن هذا السيناريو قالت: إنه “يمكن لحزب الله أيضا أن يقرر تجاوز الأهداف العسكرية والبدء في استهداف البنية التحتية الحيوية والمدن والبلدات في شمال إسرائيل، والتي تقع في مرمى صواريخ حزب الله مثل منصات استخراج الغاز من الحقول البحرية الإسرائيلية، التي سبق وحذر حسن نصر الله من أنها دخلت في بنك أهداف المقاومة”.
ورجحت أنه “قد يدفع الحزب بقواته الخاصة إلى داخل الأراضي المحتلة لتنفيذ عمليات عسكرية، كما قد يلجأ الحزب إلي شن هجمات داخل المدن الموجودة في العمق الإسرائيلي مثل حيفا”.
سيناريو مستبعد
وعن السيناريو الثالث أشارت الدراسة إلى أنه مستبعد؛ وهو: شن إسرائيل عملية عسكرية برية على حزب الله في لبنان على غرار عمليتها العسكرية في غزة، ويحفز هذا السيناريو مجموعة من الأسباب.
ذكرت أن منها عدم حصول الكيان على الدعم العالمي في حربها الحالية علي غزة منذ حرب أكتوبر 1973، وهي قد تستغل هذا الدعم الذي تعدى الدبلوماسية والسياسة ليصل إلى تحريك حاملات طائرات، لتوجيه ضربة لحزب الله، باعتبار أن هذه الفرصة من الدعم العالمي لن تتكرر كثيرا.
ومنها أيضا محاولات نتنياهو جر الولايات المتحدة لحرب مع إيران منذ سنوات، وقد فشل في ذلك، بسبب رغبة واشنطن بتنظيم العلاقة مع طهران بطريقة تمنع الحرب وفي نفس الوقت تكبح مشروع النووي الإيراني.
واستدركت أن الأوضاع الحالية تمثل فرصة نادرة لنتنياهو لجر أمريكا لهذه الحرب ولو محدودة ضد إيران، عبر توسيع الحرب ضد حزب الله بعد الانتهاء من العدوان على غزة.
وعن ثالث الأسباب فهو مقاربة صهيونية تعتمد على وضع قواعد اشتباك محددة غير مكتوبة بين الاحتلال وحماس لم تفلح في منع هجوم الأخيرة على مستوطنات غلاف غزة، يتبع الاحتلال نفس المقاربة مع حزب الله، ومن الممكن أن تدفعه العملية التي أثبتت فشل قواعد الاشتباك هذه إلى حرب كبيرة ضد حزب الله ولبنان، لوضع قواعد اشتباك جديدة تضمن عدم تعرض الاحتلال لعملية أكبر من طوفان الأقصى من قبل حزب الله.
وأوضحت أنالهدف المعلن للحرب علي غزة هو القضاء على القدرات العسكرية لحركة حماس، وهو هدف قد لا يتأتى بحصر المواجهة الحالية في قطاع غزة، باعتبار أن الحركة أسست مواقع عسكرية لها في لبنان.
وعن السبب الخامس فهو رغبة نتنياهو في استمرار الحرب لأطول فترة ممكنة؛ لأن انتهاء العمليات العسكرية قد يعني دق ساعة الحقيقة بالنسبة لمسؤوليته عن أحداث 7 أكتوبر، وانتهاء مستقبله السياسي.
تحديات الوضع في الشمال
وعن ذلك أشارت الدراسة إلى رفض عودة مستوطني المستوطنات المحاذية للحدود مع لبنان (تم إجلاء قرابة 60 ألف إسرائيلي)، حتى ولو انتهت الحرب على جبهة غزة، دون القضاء تماما علي الخطر الذي يمثله حزب الله؛ لأن سيناريو السابع من أكتوبر أصبح عالقا في عقول المستوطنين الذين يخشون أن يتكرر في مستوطنات الشمال.
وأوضحت أن التخوف يزداد مع إعلان حزب الله مرارا منذ سنوات طويلة، أنه في حال فرضت حرب على لبنان فإنه سيحرر الجليل.
وقالت: إن “ما عزز هذه المخاوف أيضا هو أن جيش الاحتلال قد عثر فعلا على ستة أنفاق لحزب الله عام 2018، تمتد إلى داخل الأراضي المحتلة.
وأضافت أن أن لدى حزب الله قدرات عسكرية كبيرة، وقد لا يقف الأمر عند هذا الحد، ففتح جبهة الحرب معه قد يعني فتح جبهات أخرى بصورة أعنف وأقوى، من ضمنها جبهة الجولان السوري، ما يقود إلى سيناريو اندلاع حرب شاملة لا يريدها الاحتلال.
تقديرات صهيونية
وأوضحت أن التقديرات الاقتصادية عن حجم التداعيات الخطرة على الاقتصاد الإسرائيلي مع طول أمد الحرب على غزة، والتي قد تقف عائق أمام إسرائيل لفتح جبهة قتالية جديدة في شمال البلاد، غير معروف مداها، خاصة أن الكلفة الاقتصادية للحرب تتجاوز البعد العسكري لتشمل أبعاد أخرى تثقل كاهل الاقتصاد الإسرائيلي، مثل تأمين بدل سكن وتعويضات للنازحين من المنطقة الشمالية، إلى جانب تكلفة إعادة إعمار المنازل والمناطق المتضررة، وتكلفة توقف العديد من الأعمال التجارية، وتضرر القطاع السياحي، وهو ما يضاف إلى الأعباء الاقتصادية الكبيرة للحرب الإسرائيلية على غزة التي فاقت وفق آخر التقديرات 60 مليار دولار (241 مليار شيكل).
وأشارت أيضا إلى “زيادة الأعباء العسكرية، من حيث الإبقاء على مئات الآلاف من جنود الاحتياط في حالة تأهب، ناهيك عن الخسائر العسكرية الإسرائيلية سواء في صفوف الجيش، أو حتى تدمير المنشآت العسكرية والتقنيات المزروعة على الحدود (أنظمة المراقبة والتجسس والاستشعار وغيرها) بعد استهدافها من قبل حزب الله”.
وأبانت الدراسة أنه “ما زالت الولايات المتحدة ترفض بشكل علني تدحرج المواجهة الإسرائيلية مع حزب الله إلى مواجهة شاملة ومفتوحة، وتدفع إسرائيل للتركيز في حربها على قطاع غزة تحسبا من التدحرج نحو حرب إقليمية بين إسرائيل وإيران أو حلفاء إيران لا تريدها واشنطن بخاصة في هذه السنة الانتخابية.
واستندت الدراسة إلى تقارير عبرية تشير إلى أن الاحتلال خفف من طموحه بإبعاد حزب الله إلى ما وراء الليطاني، واكتفى بالمطالبة بإبعاده بضعة كيلومترات عن الحدود، والمقصود أن يكون حزب الله وقواته بعيدين عن مرأى المستوطنين في الشمال، إذ إن حزب الله كان قبل الحرب قد نشر عشرات نقاط المراقبة على الحدود، وكان عناصره يظهرون علانية بمحاذاتها، وهو مشهد يحاول الاحتلال إبعاده عن أعين مستوطنيه حتى يطمئنهم ليعودوا لمستوطناتهم.
https://politicalstreet.org/6357/