بنجاح واقتدار وضعت سياسات المنقلب السفيه السيسي مصر بين خطرين قاتلين بلا مخرج، فإما التعويم القاتل لأكثرية المصريين، أو تقلص التمويلات والقروض الدولية التي يقدمها الصندوق النقد الدولي لمصر، بشكل مباشر منه، أو بشكل غير مباشر عبر داعميين دوليين ينتظرون شهادة صندوق النقد الدولي عن الاقتصاد المصري، الذي دخل مرحلة اللا يقين.
وعلى الرغم من التقارير الإعلامية وحملات التطبيل الصحفية لإعلام النظام، حول المستقبل المشرق لمصر التي سيدخلها مليارات الدولارات قريبا، ما زال صندوق النقد الدولي، يرهن إتمام برنامج حزمة المساعدات القديمة والجديدة، بثلاثة إجراءات على حكومة السيسي تنفيذها، وهي خروج الدولة من الاقتصاد، ومرونة معدلات الفائدة وسعر الصرف، باعتبارها الأدوات التي في مقدورها امتصاص الصدمات.
ويتعارض شرط مرونة سعر الصرف وخفض الجنيه المصري أمام الدولار، مع مخاطر جملة تهدد الأمن القومي المصري، الذي قاب قوسين من الانهيار والانفلات، بفعل الفقر المدقع الذي يضرب بيوت المصريين ويحرمها من أبسط مقتضيات الحياة.
وقالت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا: إنه “يجب تعزيز مرونة الاقتصاد من خلال مرونة معدلات الفائدة وسعر الصرف”، موضحة في تصريحات متلفزة قبل يومين، أن صناع السياسة في مصر، يجب أن يركزوا على خفض معدلات التضخم في المقام الأول”.
ويتوقف مرونة سعر الصرف أو تعويمه على الوضع المحلي وقوة الاحتياطي الأجنبي نحو 35 مليار دولار، بحسب جورجيفا، وشددت على أنه “يجب أن تضع مصر البنود الأولى للبرنامج قيد التنفيذ إلى جانب دعم جميع الفئات الهشة”.
ويضع صندوق النقد اللمسات النهائية على المراجعتين الأولى والثانية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي لمصر، ومن ثم الإفراج عن جزء من شرائح البرنامج التمويلية، إلى جانب حصولها على تمويل إضافي عما تم الاتفاق عليه في السابق والبالغ 3 مليارات دولار دون تحديد حجم التمويل.
فجوة تمويلية
وزاد حجم الفجوة التمويلية لمصر بشكل كبير عن الاتفاق السابق مع صندوق النقد الدولي، وفق حسابات الصندوق، لكنه لم يكشف عن حجم تلك الفجوة حتى الآن.
وتشن السلطات الأمنية في مصر حملة اعتقالات واسعة ضد تجارة العملة في السوق الموازي، بهدف منع تداولات العملة الصعبة خارج البنوك الرسمية، ولكن مع اتساع الفجوة بين الرسمي والموازي يشكك متعاملون في السوق السوادء في نجاح تلك الحملة.
ويشترط صندوق النقد تعديل سعر الصرف للقضاء على وجود أكثر من سعر، وهو ما يعني النزول بسعر الجنيه لا النزول بسعر الدولار؛ لأن توحيد سعر الصرف مهم للمستثمرين لقياس أرباحهم، كما يجب أن يضمنوا قدرتهم على إخراج أرباحهم من البلاد.
خيارات مؤلمة
ووفق اقتصاديين، فإن الطلب على العملات الأجنبية لا يزال مرتفعا وهو ما يعقد جهود الحكومة في الوصول إلى سعر صرف رسمي تعادلي، كما أن القطاع المصرفي سواء الرسمي أو الخاص ليس لديه ما يكفي من السيولة الأجنبية لسد الفجوة مع السوق الموازي على خلفية تراكم الطلبات وتداول العملات الأجنبية خارج القنوات الرسمية.
وأمام تلك الحالة، فمن المستبعد أن تقوم مصر بتعويم كلي للجنيه، ولكنها سوف تخفض الجنيه إلى مستويات أكبر، وإلا لن تكون للخطوة أي معنى إذا لم تستطع جذب الدولار إلى قنواتها الرسمية ولكن الحكومة يدها مرتعشة من حدوث انهيار كبير للعملة، وبالتالي غلاء فاحش في الأسعار يتبعه فوضى في الأسواق.
التعويم انتحار اقتصادي
على مصر اعتماد برنامج وطني لانتشال الاقتصاد من كبوته، كما يقول الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، وتكبيلها بشروط صندوق النقد الدولي سيجعلها تغرس في وحل الديون يوما وراء يوم، وهو ما نراه منذ نهاية عام 2016 مع تعويم الجنيه، مشيرا إلى أن مصر لن تستطيع تعويم الجنيه لأن ذلك يكون نوعا من الانتحار الاقتصادي، ولكنها سوف تضطر لإجراء تخفيض على قيمة الجنيه بين فترة وأخرى بما يعرف بسياسة التعويم المدار.
إذ إنه نتيجة لهذه السياسات التي تعتمد على الاستدانة والاقتراض من أجل سداد الديون أصبح 33% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر الوطني وأكثر من 60% يعيشون تحت خط الفقر الذي يضعه البنك الدولي، ومع استمرار سياسات السيسي بالانفاق الهستيري على المشاريع الفنكوشية، باتت مصر مضطرة لرفع أسعار الفائدة طالما أنها أقل من معدل التضخم السنوي، ومنذ اتساع فجوة سعر الصرف بين السوقين تآكلت الأجور والمعاشات وقيمة المدخرات والودائع في البنوك على المستوى الشعبي، أما على المستوى الحكومي فهناك ضغوط على الاقتصاد الوطني من مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية على مصر والتخفيض المستمر في قدرة مصر على سداد التزاماتها.
وقلل بنك جولدمان ساكس من أي محاولات مصرية للعودة إلى الخفض المدار للجنيه، وقال: إنه “من المستبعد أن يفي الخفض المدار لقيمة الجنيه بأهداف سياسة الحكومة المصرية، وحتى يمكنها توحيد سعر الصرف تحتاج مصر إلى المزيد من تشديد السياسة النقدية وتدبير حصيلة كافية من السيولة بالعملات الأجنبية قبل خفض قيمة الجنيه، تلك السياسات والمعطيات تقذف بمصر في أتون الانتحار الاقتصادي غير المسبوق، في بلد تزخر بمقدرات بشرية وطبيعية كبيرة، إلا أن نظام العسكر دمرها على مدار سنوات”.