واصلت تحويلات المصريين بالخارج تراجعها نتيجة فقدان الثقة في الاقتصاد المصري في زمن الانقلاب، وبذلك تتصاعد أزمة نقص الدولار التي تعاني منها حكومة الانقلاب ما يهدد بإفلاس البلاد وعدم القدرة على سداد الديون.
وأكد خبراء اقتصاد أن تراجع تحويلات المصريين بالخارج أمر طبيعي، بسبب وجود سعرين للدولار في السوق المصري، موضحين أن الدولار في البنوك لا يتجاوز سعره 32 جنيها في حين في السوق السوداء يصل إلى 52 جنيها.
وقال الخبراء: “في ظل هذه الأوضاع ليس من المتصور أن يقوم المصري المتواجد بالخارج بتحويل الدولارات إلى البنوك المصرية، لأن قيمة تحويلاته أو مدخراته سوف تنخفض إلى النصف تقريبا”.
كانت بيانات البنك المركزي المصري بشأن معاملات الاقتصاد مع العالم الخارجي، خلال العام المالي 2022-2023، قد كشفت عن تراجع تحويلات المصريين العاملين في الخارج خلال العام المالي الماضي، إلى 22.1 مليار دولار، مقابل 31.9 مليار دولار في العام المالي السابق عليه.
سعر الصرف
من جانبه أرجع الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، تراجع تحويلات المصريين بالخارج هذا العام 2023، إلى وجود سعرين للدولار في مصر الأول رسمي في البنوك والثاني في السوق السوداء، بالإضافة إلى عدم وجود انضباط في سعر الصرف.
وأكد الشافعي، في تصريحات صحفية، أن السوق السوداء سحبت بساط الدولار من حكومة الانقلاب، مشددا على ضرورة بذل كل الجهود من أجل القضاء على السوق السوداء لجذب الدولار من جديد إلى البنوك المصرية.
وكشف أن البعض ينادي بتعويم جديد للجنيه من أجل ضبط السوق السوداء، لكن الحقيقة غير ذلك، حيث أن تعويم الجنيه مرة ثانية سيؤدي إلى وضع كارثي بالاقتصاد المصري، بالإضافة إلى ضعف الرقابة على الأسواق من جانب حكومة الانقلاب .
وقال الشافعي: إن “هناك بعض الحلول من أجل تحسين وضع الاقتصاد المصري، لابد أن تعمل حكومة الانقلاب على تنفيذها، منها توطين الصناعة وتشجيع الاستثمارات بجانب ضبط السوق”.
الاقتصاد المصري
وقال الخبير الاقتصادي واستشاري تمويل المشروعات، علاء السيد: إن “تراجع التحويلات يرجع إلى عدد من الأسباب على رأسها اهتزاز الثقة في الاقتصاد المصري وفي قدرة حكومة الانقلاب وصندوق النقد الدولي على النجاح، فيما يسمى ببرنامج الإصلاح الاقتصادي الجديد المرتبط بآخر قرض لمصر”.
وأضاف السيد في تصريحات صحفية : من أسباب هذا التراجع اضطراب سوق العقار وفشل المطورين العقاريين في استكمال مشروعاتهم بسبب انهيار قيمة الجنيه المصري وتأثير ذلك على ارتفاع أسعار مستلزمات البناء .
السوق الموازية
وقال الدكتور عمرو سليمان أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان: إن “تراجع تحويلات المصريين بالخارج أمر طبيعي، لأن مصر لم تشهد تحريرا لسعر الصرف ولكن شهدت فقط تخفيضا لقيمة الجنيه المصري أكثر من مرة”.
وأضاف سليمان في تصريحات صحفية أن التخفيض الذي حدث لم يكن بالقدر الكافي لكشف القيمة الحقيقية للجنيه أمام الدولار، وبالتالي ظلت السوق الموازية مستمرة، واستمرت معها التخوفات من التحويل إلى العملة المحلية، وبالتالي تسبب ذلك في إحجام البعض عن التحويلات الدولارية من الخارج.
وأكد أنه بعد تحرير سعر الصرف وتعويم الجنيه بالكامل سوف يصبح السعر عادلا وحقيقيا بالنسبة للجنيه أمام الدولار، وبالتالي من المتوقع أن تشهد تحويلات المصريين بالخارج نموا كبيرا بعد اتخاذ هذه الإجراءات.
تقلبات حادة
وأكد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني أن هذا الانخفاض الكبير جاء مدعوما بتقلبات سعر الصرف، موضحا أنه نتيجة لهذه التقلبات الحادة والانخفاض المستمر في قيمة الجنيه فضّل بعض المصريين بالخارج تأجيل تحويلاتهم، أو أنهم قاموا بتحويل أموالهم من خلال مصارف غير رسمية، أي ليس عبر البنوك للاستفادة من فرق سعر الصرف بين المركزي والسوق السوداء التي برزت بقوة منذ بدء خفض قيمة الجنيه.
وكشف الميرغني فى تصريحات صحفية أن بعض المستوردين والتجار أقاموا مراكز لتجميع العملة بالدول الخليجية، أكبر مصدر لتحويلات المصريين العاملين بالخارج، من أجل تسوية صفقات تجارية لديهم، أو للمضاربة على سعر الدولار.
وتوقع أن يستمر التراجع في تحويلات المصريين إلى أن يستقر سعر صرف الدولار مقابل الجنيه وتعود الثقة بين هؤلاء المغتربين والجهاز المصرفي، لافتا إلى أن سعر الصرف لا يزال لا يعبر عن القيمة الحقيقية للجنيه.
ترتيب أولويات
وأكد الباحث الاقتصادي، أحمد أبو علي، أن تحرير سعر الصرف بالكامل سيكون دافعا قويا نحو دفع تحويلات المصريين بالخارج للزيادة، موضحا أن حالة التخبط التي يشهدها العالم الآن اقتصاديا، قد تكون مثلت دافعا قويا لخلق حالة من التخوف لدى كثير من المواطنين وليس فقط المصريين في الخارج.
وقال أبو علي في تصريحات صحفية: إن “الكثير من المصريين بالخارج بدأوا في إعادة ترتيب أولوياتهم في الإنفاق، وبدأ جزء كبير منهم في ظل ارتفاع مستويات التضخم والمعيشة خارجيا في تخفيض نسب مدخراتهم، وبالتالي هذا انعكس علي نسب تحويلاتهم لمصر” .
وأشار إلى أن نسبه كبيرة من المصريين بالخارج بدأت في التوجه نحو الادخار في دول أخرى قريبة منهم ترتفع بها معدلات الفائدة، خاصة على الودائع المصرفية، ومنهم من بدأ يحتفظ بالدولار لفترة أكبر ظنا منهم في ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الجنيه، وذلك لتحقيق مكاسب أكبر.
وتوقع أبو علي أن تشهد الفترة المقبلة استقرارا لسعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري، ما يساهم في دخول قدر كبير من الاستثمارات الأجنبية المباشرة للبلاد خاصة في قطاع الاقتصاد الأخضر.