انتقد الخبراء التصريحات التي أدلى بها هاني سويلم، وزير ري الانقلاب والتي اعترف فيها بالمخاطر الكبيرة التي سوف يسببها سد النهضة الإثيوبي على مصر، محذرا من أن الممارسات الأحادية غير التعاونية لأثيوبيا في تشغيل السد المبالغ في حجمه قد يكون لها تأثير كارثي.
وطالب الخبراء دولة العسكر باتخاذ إجراءات حاسمة ضد الجانب الأثيوبي قبل فوات الآوان، مؤكدين أن النتائج سوف تكون كارثية على الزراعة المصرية .
وأعربوا عن اندهاشهم لصمت دولة العسكر وعدم اتخاذها أي إجراء ضد أثيوبيا، رغم الكوارث التي سوف يسببها لمصر والمصريين.
كان وزير ري الانقلاب قد قال: إنه “في حالة استمرار الممارسات الأثيوبية تزامنا مع فترة جفاف مطول، قد يؤدي ذلك إلى خروج نحو مليون و100 ألف شخص من سوق العمل، وخسارة حوالي 15% من الرقعة الزراعية في مصر، بما ينتج عن ذلك من مخاطر ازدياد التوترات الاجتماعية والاقتصادية وتفاقم الهجرة غير الشرعية، كما قد تؤدي هذه الممارسات إلى مضاعفة فاتورة واردات مصر الغذائية”.
وأشار إلى أن سد النهضة الإثيوبي هو أحد التحركات الأحادية غير الملتزمة بهذه المبادئ على أحواض الأنهار المشتركة، الذي تم البدء في إنشائه منذ حوالي 12 عاما على نهر النيل، دون أي تشاور، أو إجراء دراسات وافية عن السلامة، أو عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية على الدول المتشاطئة .
واعترف سويلم بأن استمرار عملية بناء وملء سد النهضة، بالإضافة إلى الشروع في التشغيل بشكل أحادي، تشكل خرقا للقانون الدولي، ولاتفاق إعلان المبادئ الموقع في عام 2015،ولا تتوافق مع بيان مجلس الأمن الصادر في سبتمبر 2021.
أضرار اقتصادية واجتماعية
من جانبه كشف الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة الفاهرة، أن هناك أضرارا كبيرة ناتجة عن ملء خزانات سد النهضة الأثيوبية، مشيرا إلى أن هناك أضرارا تعمل دولة العسكر على عدم وصولها إلى المواطن، من خلال ترشيد استهلاك المياه، وإنفاق مليارات الجنيهات على مشروعات تطوير الري والزراعة، وإعادة استخدام المياه بعد معالجتها، وتبطين الترع، والتوسع في إنشاء الصوب الزراعية وغيرها من أجل الاحتفاظ باحتياطي مائي جيد فى السد العالى يضمن الأمن المائي للمواطنين.
وأكد شراقي في تصريحات صحفية أن هناك أضرارا مائية واقتصادية وسياسية واجتماعية وبيئية ناتجة عن التخزين المائي في إثيوبيا، مشيرا إلى أن أي كمية مياه تخزن في سد النهضة قليلة أو كبيرة، هذا العام أو الأعوام القادمة هي مياه مصرية وسودانية، وهي الخسارة الأولى المباشرة، والتي إذا استغلت في الزراعة حققت عائدا اقتصاديا قدره مليار دولار لكل مليار متر مكعب .
وأشار إلى خسائر آخرى منها تحديد مساحة الأرز بحوالي 1.1 مليون فدان، والتكاليف الباهظة بعشرات المليارات من الجنيهات في إنشاء محطات معالجة المياه وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي وتبطين الترع وتطوير الري الحقلي والتوسع في الصوب الزراعية وغيرها.
وقال شراقي: “بالنسبة للسودان تسبب تخزين المياه في خزانات سد النهضة في حدوث ارتباك في تشغيل السدود، كما أنه سوف يتسبب مستقبلا في قلة الإنتاجية الزراعية نتيجة حجز الطمي في سد النهضة، وارتفاع منسوب المياه الجوفية، وزيادة التكلفة الإنتاجية للمحاصيل الزراعية للتوسع في استخدام الأسمدة”.
وأضاف، بالنسبة لإثيوبيا سيحدث غرق مزيد من الأراضي الزراعية وبعض المناطق التعدينية، وعدم القدرة على توزيع الكهرباء عن طريق مصر لآسيا وأوروبا نتيجة التوتر وعدم الاتفاق.
وأوضح شراقي أن حصة المياه المصرية والتي تقدر بـ 55.5 مليار م3، والتي تعتبر متوسط الإيراد لمصر، بمعنى أن المياه التي تزيد عن الحصة تعوض سنة أخرى تكون الحصة فيها أقل، وبالتالي فقد تلك الزيادة في أي سنة يعني عدم الحصول على الحصة كاملة في سنوات الجفاف، لافتا إلى أضرار التخزين المائي في إثيوبيا، والتي تتمثل في استمرار إثيوبيا في فرض سياسة الأمر الواقع باتخاذ قرارات أحادية وخرقها للمرة السادسة للاتفاقيات الموقعة مع مصر (اتفاقيات 1891، 1902، 1906، 1925، 1993) والأعراف الدولية، وإعلان مبادئ سد النهضة 2015، وتوصيات القمة المصغرة للاتحاد الإفريقي، وأخيرا البيان الرئاسي لمجلس الأمن سبتمبر 2021، بعد التخزين الأول (1-21 يوليو 2020) والثاني (4-18 يوليو 2021) وتشغيل التوربين رقم 10 في 20 فبراير 2022، والتوربين رقم 9 في 11 أغسطس 2022، والتخزين الرابع خلال عام 2023.
توتر العلاقات
وحذر من استمرار أديس أبابا في اتباع نفس الأسلوب عند إنشاء سدود أخرى، ما يؤدي إلى مزيد من التوتر في العلاقات بين السودان ومصر من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى، مؤكدا أن الطريقة الأثيوبية قد تشجع دول منابع النيل على اتباع نفس الأسلوب عند إنشاء سدود على روافد نهر النيل.
وكشف شراقي أن الأضرار الاجتماعية الناشئة من التخزين المائي في إثيوبيا، تتمثل في تهجير مزيد من سكان بني شنقول، بعضهم سوف يتجهون إلى السودان الذي يعاني مثل كثير من الدول من ظروف اقتصادية صعبة خاصة واختلاف نمط حياة بعض المزارعين السودانيين الذين تعودوا على الزراعة الفيضية البسيطة غير المكلفة من فيضان النيل الأزرق على الجانبين في الأراضىي المنخفضة والمنبسطة بمساحات كبيرة، فيها يتم ترسيب الطمي وغسل التربة سنويا بمياه الفيضان، مما يجعلها على درجة عالية من الخصوبة، وسوف يحتاج هؤلاء المزارعون مستقبلا إلى حفر ترع الري وإنشاء شبكات ري مكلفة، والتأقلم اجتماعيا واقتصاديا مع الظروف الجديدة.
وأشار إلى أن تعدد التخزين أو التشغيل دون اتفاق يؤدي إلى غضب المواطن المصرى والسوداني من التصرفات الأثيوبية، واتباعها سياسة فرض الأمر الواقع، مؤكدا أن سد النهضة سوف يتسبب في أضرار بيئية تتمثل في زيادة الفاقد من البخر مع اتساع سطح البحيرة، وكذلك التسرب في الصخور المحيطة لخزان السد من خلال التشققات والفراغات، وزيادة الحمل الناتج من وزن السدين الرئيسي والمكمل (إجمالى 75 مليون طن) والمياه والطمي (حوالي 45 مليار طن) على الأرض المتشققة، مما يزيد من استعدادها لحدوث الزلازل بجانب نشاط الأخدود الإفريقي العظيم الذي يعتبر أكبر فالق على يابس الكرة الأرضية، ويشكل أنشط المناطق الزلزالية والبركانية في إفريقيا، وتحلل الأشجار الغارقة في مياه البحيرة وتأثيرها على نوعية المياه، وإحداث تغيير في التنوع البيولوجي للمنطقة، وكذلك غرق بعض المناطق التعدينية وانتقال بعض العناصر الثقيلة مثل الرصاص والنحاس واليورانيوم والمنجنيز في المياه، وتغير محلي في مناخ إقليم بني شنقول من حيث درجة الحرارة والأمطار.
وأكد شراقي أن ثمن التخزينات الإثيوبية يتحملها المزارع المصري مباشرة، حيث اضطرت حكومة الانقلاب إلى تحديد مساحة الأرز ومنعت زراعة الموز في بعض الأماكن، كما تحمله بقية الشعب في إنفاق 18 مليار جنيه على المرحلة الأولى في تبطين الترع، وأكثر من 100 مليار جنيه على معالجة مياه الصرف الزراعي والصحي والصناعي، وأكثر من 100 مليار جنيه أخرى على تحلية مياه البحر، وأكثر من مليار جنيه في حفر آبار مياه جوفية وعمل سدود للاستفادة من مياه الأمطار والسيول، وعشرات المليارات في تنفيذ مشروعات مائية مثل تجديد مجموعة القناطر، وعدة مليارات أخرى في تطوير الري الحقلي واستخدام طرق الري الحديثة في جميع الأراضي الجديدة، ومشروعات الصوب الزراعية.
مخاطر كبيرة
وقال الدكتور رشاد عبده أستاذ الاقتصاد والاستثمار والتمويل الدولي، بالجامعات المصرية: إن “تصريحات وزير ري الانقلاب حول التخزين المائي في إثيوبيا تؤكد أن الموقف خطير بلا جدال، حيث إنه قدم أرقاما مفزعة ومرعبة”.
وطالب عبده في تصريحات صحفية نظام الانقلاب بتدارس الأزمة والعمل على تخفيض المخاطر بقدر الإمكان، داعيا الانقلاب إلى عقد اجتماعات والاستعانة بالخبراء لتدارس الأمر وتحديد ما هي الفرص والأساليب والوسائل والحلول التي تحد من هذه المخاطر العظيمة على مصر.
استعلائية
وأكد الدكتور نجاح الريس، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن تصريحات وزير ري الانقلاب هاني سويلم عن التأثير السلبي لسد النهضة الإثيوبي كاشفة لحجم المخاطر السلبية التي من الممكن أن تتعرض لها مصر، مشيرا إلى إن التصرف الأحادي للحكومة الإثيوبية على الرغم من التوقيع على إعلان المبادئ عام ٢٠١٥ والتزام مصر والسودان به لكن تنكرت له الحكومة الإثيوبية وأفرغته من مضمونه، وسارت في عملية الملء في سياسة توصف بالاستخفاف وعدم الاكتراث بقواعد الشرعية الدولية والقانون الدولي.
وقال الريس في تصريحات صحفية إن “الإدارة الإثيوبية لعملية السد توصف بالاستعلائية، وتفسر قواعد القانون الدولي للأنهار وفق رؤيتها الخاصة كونها دولة المنبع مبدية عدم الاحترام لقواعد القانون الدولي وقانون الأنهار الدولية”.
وشدد على أن الأضرار على الدولة المصرية فعلية وسوف تؤثر على السياسة الزراعية المصرية، وصولا إلى الاقتصاد الزراعي نتيجة العجز المائي المتوقع أثناء فترات الجفاف في أثيوبيا، محذرا من أن الممارسات الأحادية للدولة الإثيوبية تهدد الأمن المائي المصري ومن ثم الأمن القومي.
وطالب الريس بضرورة توافر مبدأ حسن النية لدى الجانب الإثيوبي خلال جولات التفاوض التي تجري بين الدول الثلاث مصر وإثيوبيا والسودان، لأنه بدون مبدأ حسن النية والتفاوض من أجل الوصول لحلول توافقية، فالخطر قادم لا محالة والأمن والاستقرار الإقليمي مهدد بالتوتر.