أمريكا تشكك في قدرة جيش الاحتلال وتقديرات إسرائيلية: الحرب البرية ستغرقنا في الوحل

- ‎فيتقارير

أصيب المجتمع الإسرائيلي بحالة صرع وهستيريا في أعقاب عملية طوفان الأقصى التي شنتها المقاومة الفلسطينية فجر السبت 7 أكتوبر 2023م، وتسود أروقة حكومة وجيش الاحتلال حالة من الشك وعدم اليقين بشأن قدرة الجيش على الانتصار في حرب برية في قطاع غزة. وكانت صحيفة “نيويورك تايمز” قد نقلت الإثنين 23 أكتوبر، عن مسؤولين في إدارة الرئيس جو بايدن قولهم إنّ الإدارة “قلقة لأنه لا توجد لدى إسرائيل أهداف يمكن تحقيقها وأن جيشها غير جاهز لشنّ عملية برية”. وبحسب الصحيفة، فإنه نظراً لعدم ثقة الولايات المتحدة في قدرة جيش الاحتلال على شن العملية البرية، فقد تحدث وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن إلى نظيره الإسرائيلي يوآف جالانت، وحثه على عدم شن العملية البرية ومواصلة الغارات الجوية وتنفيذ عمليات بواسطة قوات الكوماندوز.

الكدخوله قد يقود إلى تدهور الوضع إلى حرب إقليمية. ستتواجد قوات كبيرة داخل غزة وتتعرض لنيران كثيفة لعدة أشهر. وسيبقى عشرات الآلاف غيرهم داخل الأنفاق. العجلة من الشيطان”. وتابع الجنرال أن الحل بالنسبة لإسرائيل هو “مواصلة القصف من الجو (لقطاع غزة) بدلاً من دخول معقلهم (أي معقل المقاومة). تجب محاصرتهم لعدة أشهر. يجب الوصول إلى وضع لا يمكنهم فيه استلام الوقود والماء والغذاء. إضعافهم بكل القوة. خلال هذه الأشهر يتدرب الجيش ويستعد للحرب”.

وقد جاءت التحذيرات الأميركية لإسرائيل من مغبة شن العملية البرية في أعقاب تلميحات زعيم حركة “شاس” الحاخام آرييه درعي من أن الجيش غير جاهز لشن العملية البرية. وعرضت قناة “كان” التابعة لسلطة البث الإسرائيلية فيديو يظهر فيه درعي وهو يتحدث إلى وزراء ونواب حركته، قائلاً: “نحن لسنا في وضع الجيش فيه جاهز للعملية البرية، والمستوى السياسي لا يصدر الأوامر بشنها”.

 

صدمة

هذه الخلاصة أصابت قطاعات معتبرة في المجتمع الإسرائيلي بصدمة كبيرة؛ حيث دعا يوسي ميلمان، معلق الشؤون الاستخبارية في صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، في تغريدة على “إكس”، الثلاثاء، القيادة الإسرائيلية إلى تسريح مئات الآلاف من جنود الاحتياط الذين تم تجنيدهم والامتناع عن شن عملية برية، والتوصل لصفقة تبادل أسرى شاملة مع حركة حماس. وقال تومر بريسكو، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية: “إن كان هذا (ما يقوله الأميركيون) صحيحاً فإنه فظيع، لا يوجد ما يبرر شن عملية برية بدون خطة، فقط من أجل تكبد خسائر كبيرة، بحيث نتلقى هزيمة معنوية أخرى وضرر هائل للاقتصاد”. وأضاف: “إن كانت الأمور على هذا النحو، فيجب تسريح قوات الاحتياط ومواصلة الغارات الجوية حتى يتم التوصل لصفقة تبادل أسرى والانتظار حتى نتمكن من تصفية قيادة حماس.. أنا أقدر ما يمر به صناع القرار عندنا.. ليتنا ننتصر”.

أما الكاتب أورن شفيت فقد ذكّر، في تغريدة، بأنّ آخر مرة شن فيها جيش الاحتلال حرباً أفضت إلى انتصار كانت حرب 1967، مشيراً إلى أنّ جيش الاحتلال ظل يتلقى الهزائم في الحروب والعمليات العسكرية منذ حرب أكتوبر 1973. وأضاف: “منذ ذلك الوقت لم يحدث أن تمكنا من تحقيق أهدافنا في الحروب والعمليات العسكرية، هذا إن كانت لنا أهداف، وفي حال شن جيشنا عملية برية في قطاع غزة فإنه سيغرق في الوحل الغزي لسنوات طويلة ويتكبد مئات القتلى”.

في السياق ذاته، أشار المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل، اليوم الثلاثاء، إلى أن “الانتظار الطويل لعملية برية في قطاع غزة يوتّر أعصاب الجمهور والجيش والحكومة”، مضيفاً أن استمرار التأخير في اليوم الثامن عشر للحرب، مع وجود طلب أميركي بإعطاء فرصة أخرى لتحرير الأسرى، يزيد من مخاوف تدهور إضافي مع “حزب الله” اللبناني وإيران، ويعزز الشكوك بشأن جودة المناورة البرية المطلوبة والنتائج التي يمكن أن تحققها. وبعد إفراج حركة حماس عن أربعة محتجزين حتى الآن، والحديث عن إمكان الإفراج عن المزيد خاصة ممن يحملون جنسية مزدوجة، يرى الكاتب أن حماس لديها مصلحة في الإفراج عن جزء منهم وكسب الوقت لتأخير العملية البرية. كما يرى أن صفقة إفراج جزئية عن الرهائن تفيد حماس بعض الشيء في تخفيف الضغط الدولي الممارس عليها. لكن المحلل الإسرائيلي أشار في الوقت ذاته، إلى أن “إسرائيل منزعجة من الرسالة الصعبة التي ترافق إطلاق سراح من لديهم جنسية أجنبية فقط، ومفادها أن حياة مواطنيها (ناهيك بالجنود المختطفين) أقل قيمة من حياة مزدوجي الجنسية”.

 

ارتباك وحيرة

وفي تحليلها للمشهد المعقد، تؤكد صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أن دوائر صنع القرار في تل أبيب سواء بالحكومة أو  الجيش في حالة ارتباك؛ وأن إسرائيل تقف حائرة حول كيفية التعامل مع قضية المحتجزين والقبول بصفقة تشمل مثلاً المحتجزين الذين يحملون جنسيات أجنبية، ما قد يعيدهم إلى البيت، لكنه سيرسل رسالة إشكالية جداً لمن يحملون الجنسية الإسرائيلية فقط بأن الحكومة تتخلى عنهم. وتشدد هيئة الأركان، بحسب الموقع ذاته، على أنه لا مفر من الاجتياح البري، من أجل تحقيق الأهداف التي حددها المجلس الوزاري لشؤون الحرب (كابينت الحرب)، فيما يؤكد جيش الاحتلال أنه يجب القضاء على “حماس” كلياً، بالإضافة إلى وضع قائمة شخصيات لاغتيالها. وتؤكد مصادر الموقع الإسرائيلي أن الأهداف لن تتحقق بدون التوغل البري. كما ينظر الجيش بشكل مختلف إلى قضية الأسرى، مدعياً أن تطويق الذراع العسكرية لـ”حماس” سيزيد من فرص إطلاق سراح المحتجزين، بسبب الضغوط الشديدة عليها.

وفي ذات الوقت تشير الصحيفة إلى أن حماس تمارس حرباً نفسية في قضية الأسرى، لإعاقة العملية البرية.  ونقل الموقع عن مسؤول إسرائيلي رفيع من صناع القرار، لم يسمه، قوله إنّ “من أهداف الحرب أيضاً إعادة المختطفين، ويجب استنفاد فرص عودتهم. حتى لو تأخرت المناورة (البرية)، فلن يتذكر أحد متى بدأت بالضبط”. ونقل الموقع عن مسؤول في هيئة أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، لم يسمه، قوله إنّ “التوازن بين الرغبة في التوصل إلى صفقة معقولة (بشأن الأسرى) وضرورة ضرب حماس إلى حد القضاء على كل قوتها في غزة، هو موضوع يتم التعامل معه أيضاً في الجيش. لن يتم إيقافنا. هناك نقاش مهم وجدي مع المستوى السياسي”.

وفي سياق الصراع الداخلي حول من يتحمل مسئولية الفشل؛ انتقد المدير العام لديوان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، يوسي شيلي، خلال جلسة المجلس الوزاري المصغر لشؤون الأمن، في جلسة الجمعة 20 أكتوبر مستوى القدرات القتالية لعناصر جيش الاحتلال مقارنة بمقاتلي حماس؛ معترفا بأن القدرات القتالية لعناصر حماس تفوق بكثير القدرات القتالية لعناصر جيش الاحتلال. هذه التصريحات أثارت غضب رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال هرتسي هليفي.

 

المقاومة تتصدى

وخلال الأيام الماضية حاول جيش الاحتلال تنفيذ اقتحام بري صغير لقياس مدى يقظة المقاومة؛ واندلعت فجر الإثنين 23 أكتوبر، اشتباكات عنيفة بين مقاومين وجيش الاحتلال في المناطق الحدودية للمناطق الشمالية من قطاع غزة. وكان جيش الاحتلال يقوم بمناورة حدودية شمالي قطاع غزة، تبدو وكأنها محاولة اجتياح بري محدودة، لكن المقاومة تصدت لها بالأسلحة، وإطلاق الصواريخ المضادة للدروع على الآليات والجنود. وسمع سكان بيت لاهيا شمالا أصوات الاشتباكات التي استمرت لنحو ساعتين، فيما استخدمت قوات الاحتلال قوة نارية مفرطة للضغط على المقاومة والمدنيين خلال وعقب الاشتباك.

وقبلها بيوم ـ  الأحد 22 أكتوبر ـ قالت كتائب القسام، إنها أوقعت قوة إسرائيلية مدرعة في كمين محكم شرقي خان يونس (جنوب قطاع غزة) بعد عبورها السياج الفاصل لعدة أمتار. وأضافت الكتائب -في بيان- أن مجاهديها التحموا مع القوة المتسللة ودمروا جرافتين ودبابة وأجبروا العدو على الانسحاب، وعادوا إلى قواعدهم بسلام. وتابعت “لقد أكد مجاهدونا أن جنود القوة الإسرائيلية التي وقعت في كمين خان يونس غادروا آلياتهم وفرّوا شرق السياج الفاصل مشيا على الأقدام”. واعترف جيش الاحتلال بأن مسلحين أطلقوا النار باتجاه قوة للجيش غرب السياج الحدودي لقطاع غزة في منطقة كيسوفيم. وأضاف أن إحدى الدبابات الإسرائيلية هاجمت المجموعة التي أطلقت النار على الجنود في كيسوفيم، من دون مزيد من التفاصيل. وأكدت الإذاعة الإسرائيلية وقوع إصابات في صفوف الجيش الإسرائيلي خلال اشتباك مسلح قرب كيبوتس كيسوفيم في مجمع أشكول شرق الحدود مع قطاع غزة. بدورها، قالت القناة 12 العبرية إن 4 جنود أصيبوا، أحدهم في حالة حرجة، في إطلاق صاروخ مضاد للدروع من قطاع غزة.

وقبل أيام نشرت كتائب القسام رسالة مصورة للقوات الاحتلال البرية، تظهر مقاتليها وهم يتدربون على استهداف آليات عسكرية وأسر جنود في حال قام الجيش الإسرائيلي بالتوغل البري في غزة. كما كشفت القسام عن قذيفة “الياسين” المضادة للدروع التي دخلت الخدمة خلال عملية طوفان الأقصى. وفي فيديو بثته كتائب القسام أظهرت الصور قذيفة “الياسين” ذات العيار 105 مليمترات وهي تدمر دبابة ميركافا إسرائيلية في إحدى المستوطنات في غلاف قطاع غزة خلال عملية طوفان الأقصى.