بيان غربي يطالب الاحتلال بـ«حماية المدنيين».. قراءة في تطورات «طوفان الأقصى»

- ‎فيتقارير

البيان المشترك الذي أصدرته عدة عواصم غربية على رأسها واشنطن ولندن وباريس وبرلين، مساء الأحد 22 أكتوبر 2023م، والذي يطالب حكومة الاحتلال الإسرائيلي بـ«حماية المدنيين» في غزة، في الوقت الذي يؤكدون فيه على «حقها في الدفاع عن نفسها»، يمثل تطورا لافتا في مشهد الحرب.

وحسب البيان المشترك الذي وقعت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا، فإنهم يؤكدون حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها لكنهم طالبوها أيضا بالالتزام بالقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين. كما رحبوا بالإفراج عن رهينتين (الصواب أسيرتين) ودعوا إلى الإفراج عن باقي الأسرى لدى حركة المقاومة الإسلامية حماس. وأكد البيان التزام زعماء تلك الدول بالعمل مع الشركاء في المنطقة لمنع تمدد الصراع.

البيان في لغته ومضامينه ومحتواه يمثل تراجعا عدة خطوات إلى الخلف؛ لأن هذه الخطاب السياسي الصادر عن هذه العواصم منذ اندلاع “طوفان الأقصى” فجر السبت 7 أكتوبر، كان بالغ التطرف والعنصرية؛ ومنح حكومة الاحتلال الضوء الأخضر لارتكاب جرائم إبادة ضد الإنسانية بدعوى حقها في الدفاع عن النفس، وكأنه ليس من حق الآخرين الدفاع عن أنفسهم، ولم يضعوا للاحتلال قيودا أو شروطا على ذلك. والراصد للإعلام الغربي وخطابه الإعلامي يدرك ذلك بكل وضوح؛ فكل البرامج في هذه الدول كانت تمهد الطريق لارتكاب جريمة إبادة جماعية بحق غزة، وأن قتل المدنيين ضرورة من أجل سحق حماس، وبلغت بهم الوقاحة حد تبرير جريمة التهجير القسري داعين إلى تهجير أهالي غزة الذي يصل تعدادهم إلى ن حو “2.3” مليون نسمة، إلى سيناء من أجل منح قوات الاحتلال الفرصة لتسوية غزة بالأرض والقضاء نهائيا على حركات المقاومة!

فما الذي جرى حتى تغير هذه العواصم خطابها السياسي وخطابها الإعلامي بالتبعية؟

من الواضح أن هذه الخطوة تمثل تراجعا نسبيا وقد يكون شكليا عن خطاب العنصرية الذي فاق في تطرفه الخطاب النازي والفاشي. فالرئيس الأمريكي بايدن كان قد صرح في خطاب متلفز، ليل الخميس الجمعة، أنه سيقدم دعماً غير مسبوق لإسرائيل في طلب تمويل إضافي، مشيراً إلى أنه سيتم إرسال طلب إنفاق عاجل إلى الكونغرس، الجمعة. وأضاف بايدن: “نواجه نقطة تحول في التاريخ”، مؤكداً أنه لن يسمح “لإرهابيين مثل حماس وطغاة مثل (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين أن ينتصروا”، على حد تعبيره. وقد أمدت هذه العواصم إسرائيل بنحو ألف طن من الأسلحة منذ بدء الحرب حسب بيان رسمي من جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وفيما يبدو فإن البيان الغربي يمثل التفافا على الانتقادات الحادة التي طالت الغرب وخطابه السياسي الذي مثل أعلى صور العنصرية والتطرف، فكيف لهذه الدول التي تدعي الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان أن تكون بكل هذه الوقاحة والعنصرية والتطرف واللاإنسانية؟ كيف أصابهم العمى إلى هذا الحد وتلك الدرجة؟ إذا كانوا يدعمون أوكرانيا بوصفها دولة محتلة تتعرض لغزو روسي فإن ذلك حق وفق القانون الدولي الذي يسمح بالدول المحتلة أن تواجه المحتلين بكل أشكال المقاومة وعلى رأسها المقاومة المسلحة؛ لأن الاحتلال لا يمكن أن يكون احتلالا إلا بالعنف والإرهاب والمذابح. فماذا تفعل إذا دخل بلطجي دارك ونهب مالك وقتل اطفالك؟  أليس من حقك ان تقاومه بكل ما تملك؟  هذا هو الوضع في أوكرانيا وهذا هو الوضع في فلسطين؛ فلماذا يدعم الغرب أوكرانيا ويناقض نفسه في فلسطين بدعم الاحتلال لا الشعب المقهور منذ منتصف القرن العشرين؟! لماذا هذه الازدواجية في المعايير؟

قوبلت حكومات الغرب بكل ذلك، ووجهت بهذه الانتقادات الحادة والمقنعة للغاية، وكان لمذبحة المستشفى المعمداني الأربعاء 18 أكتوبر 2023 وقعا هائلا في تحول الرأي العام الدولي حتى داخل هذه الدول الغربية نفسها؛ وبدأت المظاهرات تنطلق في كل العواصم العالمية وعلى رأسها عواصم تلك الدول، تطالب بوقف هذه الجريمة، ودعم غزة وشعب غزة ومقاومة غزة، الأمر الذي أذهل صناع القرار في هذه العواصم والذين ظنوا أنهم بما يمتلكون من آلة إعلامية جبارة قادرون على تضليل شعوبهم وحشدها خلف الحكومات من أجل إبادة غزة واستكمال مشروع تهجير كل الفلسطينيين لتبقى كل فلسطين للصهاينة كدولة يهودية خالصة.

لكن المؤكد أن بيانهم الأخير ما كان له ن أن يصدر لولا انتفاضة الشعوب ورفضها لهذه الجريمة الوحشية، وما كان لهذا البيان أن يصدر لولا إدراكهم بأنهم هزموا في معركة الرواية، وأن الحق الفلسطيني يلقف ما يأفكون كعصى نبي الله موسى حين تحولت إلى ثعبان مبين تلتهم عصي سحرة فرعون، وخداعهم وتضليلهم.

الدليل على ذلك أن استطلاع رأي أجرته شبكة سي بي إس الإخبارية الأمريكية يؤكد أن 56% من الأمريكيين غير راضين عن سياسة الرئيس جو بايدن تجاه الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وأن 52% يعارضون إرسال السلاح إلى تل أبيب. بينما قال 24% إن بايدن يقدم أسلحة كثيرة إلى إسرائيل. بل إن الاستطلاع الذي أجرته الشبكة بين 16 و19 أكتوبر الجاري، فإن 57% من المشاركين يدعمون إرسال مساعدات إلى غزة. وأبدى 85% من المشاركين قلقهم إزاء خطر اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط، في حين أعرب 79% عن قلقهم بخصوص احتمال إجراء الولايات المتحدة أنشطة إرهابية.

السبب الثاني أن هذه العواصم تخشى من اتساع رقعة الحرب حتى تتحول إلى حرب إقليمية أو عالمية، لأن بشاعة الجريمة حتما ستؤدي إلى اتساع رقعة الرفض والمعارضة ودخول أطراف إقليمية في الصراع؛ فإن كما أكد وزير خارجيتها مرارا يعتقدون اعتقادا جازما أن هزيمة المقاومة في غزة يعني هزيمة إيران نفسها؛ لأن واشنطن وحلفاءها سيتجهون مباشرة إلى حزب الله وإيران إذا تمكنوا من هزيمة المقاومة في غزة. وكما قال وزير خارجية إيران فإنهم إن تركوا غزة اليوم فإنهم سوف يواجهون الفوسفور الأبيض فوق مدنهم وقراهم غدا. وهذا تقدير موقف صحيح بشكل كامل. وفق خلاصة قصة “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”.

فالحرب سوف تتسع ورقعتها سوف تتمدد شاء من شاء وأبى من أبى، والشعوب العربية قد تنتفض انتفاضة كبرى تفوق بكثير ما جرى قبل عقد من الزمان؛ وقد تتم الإطاحة بنظم الحكم العميلة للغرب في مصر والأردن والسعودية والإمارات وسوريا وغيرها. وتخشى واشنطن من التورط في الحرب في هذه الحالة؛ الأمر الذي قد تستغله روسيا أفضل استغلال، فتمد إيران وحركات المقاومة بالسلاح من أجل استنزاف أمريكا والغرب كما يفعلون تماما معها في أوكرانيا؛ وهذه بتلك. وتتحول المعركة إلى حرب عالمية ثالثة؛ وهذا عين ما تخشاه واشنطن وعواصم الغرب كلها.

السبب الثالث، هو رفض الدول العربية لمخططات التهجير؛ نعم حكومات مصر والأردن يمكن اتهامها بالخيانة والعمالة؛ فهذا معلوم ولا يحتاج إلى برهان؛ وهم أذلة أمام الغرب والأمريكان على نحو خاص؛ لكنهم حين رفضوا مخططات التهجير لدوافع خاصة تتعلق بالأمن القومي لبلادهم، ولاعتبارات أمنية بحتة؛ فإنهم بذلك ساهموا في وقف هذه المخططات الشيطانية. فالسيسي مثلا لا يمانع من تهجير سكان القطاع بشرط ألا يكون ذلك على حساب مصر؛ فهو للأسف لا يرفض التهجير من حيث المبدأ، بل يرفضه إذا كان على حساب مصر، ولا يمانع أن يكون ذلك في صحراء النقب المحتلة!

علينا ألا نرتب على هذا البيان شيئا؛ فقد يكون الهدف منه البراءة المسبقة من جرائم الاحتلال؛ فمعروف عن إسرائيل أنها لا تلتزم بالقانون الدولي، لأنها أساسا تأسست على أنقاض القانون الدولي وبما يخالف نصوصه ومضمونه، كما أنها لا تضع اعتبارا لحقوق الإنسان وحماية المدنيين؛ فمتى فعلت إسرائيل ذلك؟ لم يعرفه عنها في يوم من الأيام أنها التزمت بالقانون الدولي والإنسائي، بل تتعامل بمنطق البلطجي الذي لا يكترث بقانون أو أخلاق؛ ومثل هذه النوعية لا يصلح معها مسار المفاوضات والسلام الوهمي فهؤلاء لا يرتدعون إلا بالقوة والقوة فقط. لكن هذا البيان يبقى على كل حال برهانا على هزيمة الغرب والاحتلال في معركة الرواية، وهذا نصر آخر يضاف للمقاومة وقضيتنا العادلة.