في الوقت الذي تتزايد فيه الأزمة الاقتصادية بمصر، وتتسارع التقارير والتصنيفات الدولية المتخصصة المتشائمة حول الاقتصاد المصري، والتي كان آخرها “ستاندر اند بيوز” وموديز وفيتشوجلوبال وبلومبرج وغيرها، على إثر تراجع الاحتياطي النقدي المصري وشح الدولار، وتفاقم أزمات الدين العام وفوائدها المتصاعدة والمتراكمة، وهو ما دفع السيسي وحكومته للإعلان عن تطبيق موسع لبرنامج الطروحات الحكومية لبيع الأصول الحكومية من أجل تحصيل الدولار والعملات الأجنبية، طارحين أكثر من 32 شركة اقتصادية تملكها الدولة والقطاع العام للبيع.
والأمر على الرغم من خطورته في مضاعفة أزمة الدولار بالسوق المصري وتراجع الإنتاج وزيادة الاعتماد على الاستيراد وضعف التصدير والتزام الدولة بتحويل أرباح تلك الشركات المباعة للأجانب غالبا إلى دولهم، خارج مصر، ما يمثل أزمة مالية مضاعفة، لمصر حاليا ومستقبلا، إلا أن الأمر لم يكن أيضا يسير كما هو مخطط له بدخول عائدات بيع الشركات العامة والمقار الحكومية والعقارات الفريدة والمتميزة التي تملكها الحكومة في ميزانية الدولة العامة، لزيادة الحصيلة الدولارية في البنك المركزي، بل قام السيسي بجريمة أكبر وأشد وطأة ، إذ قام بلا أي رقابة من أحد أو محاسببة من برلمان أو أجهزة رقابية بتحويل تلك العوائد إلى الصندوق السيادي، الذي لا تدخل حساباته ضمن حسابات الموازنة العامة ولا يخضع إلا لسلطة السيسي، كما قال وكرر هو مؤخرا وقبل ذلك، أمام وزير الكهرباء في أحد المؤتمرات مؤخرا.
وهو ما يجعله خارج الرقابة ، يوجه تلك الأموال لمشاريعه الفنكوشية بعيدا عن ميزانية الدولة، ويستغل بعضها الآخر في مشاريع دعائية، لنفسه بمسرحية الانتخابات الرئاسية المزمعة.
وفي الوقت نفسه ، لا يقرأ المسؤولون عن التصنيف الائتماني لتلك العوائد الدولارية، في حسابات مصر، ما يجعلهم يخفضون تصنيفات مصر، ومن ثم تعقيد الأزمة الاقتصادية ورفض المستثمرون الاستثمار أو إقراض مصر، ومضاعفة أثمان الائتمان بمصر وزيادة تكاليف القروض.
وهو ما حدث يوم الجمعة الماضية، حيث خفضت مؤسسة “ستاندرد آند بورز” تصنيف ديون مصر، مشيرة إلى بطء التقدم في الإصلاحات، وخفضت الاقتصاد إلى بي سالب (B-) من بي (B).
وعلى الرغم من تلك الكارثة وتداعياتها الجمة على الاقتصاد المصري، زعم وزير المالية محمد معيط أن الحكومة نفذت صفقات لتخارج الدولة بقيمة 2.5 مليار دولار ضمن برنامج الطروحات خلال الربع الأول من العام المالي الحالي، بما يساعد على زيادة تدفقات النقد الأجنبي، فضلا عن استمرار تحقيق فائض أولي ونمو الإيرادات الضريبية.
وأضاف الوزير في بيان السبت، تعقيبا على خفض مؤسسة “ستاندرد آند بورز” التصنيف الائتماني للاقتصاد المصري إلى بي سالب (B-) من بي (B)، أن الوكالة قد ترفع التصنيف السيادي لمصر إذا زيدَت القدرة على جذب المزيد من التدفقات بالعملات الأجنبية للاقتصاد المصري من خلال الإسراع ببرنامج الطروحات خلال الفترة المقبلة.
بيع الفنادق التاريخية لهشام طلعت واستيلاء صندوق السيسي عليها
في السياق، قالت مصادر مطلعة: إن “مجموعة طلعت مصطفى العقارية اتفقت مع الحكومة على رفع حصتها في شركة الفنادق التاريخية إلى 51% بدلا من 37%، مقابل مبلغ إجمالي يصل إلى مليار دولار عبر عملية زيادة رأس المال المرتقبة لشركة الفنادق”.
وكانت مصر قد أعلنت في يوليو الماضي عن بيع حصة 37% من شركة حكومية مالكة لعدد من الفنادق، من طريق زيادة رأس المال، لتحالف يضمّ شركة تابعة لمجموعة “طلعت مصطفى” بقيمة 700 مليون دولار.
والفنادق التي شملتها الصفقة، وفقا لنشرة “إيكونومي بلس” الاقتصادية المحلية اليوم الأحد، هي: “سوفيتيل أولد كتراكت أسوان”، ومنتجع “موڤنبيك أسوان”، و”سوفيتيل وينتر بالاس الأقصر” و”شتايجنبرجر التحرير”، و”شتايجنبرجر سيسل الإسكندرية”، وفندق “ماريوت مينا هاوس”، بالإضافة إلى فندق “ماريوت القاهرة”، وكازينو “عمر الخيّام”.
وأشارت النشرة إلى أن مجموعة طلعت مصطفى حولت بالفعل جزءا من قيمة الصفقة إلى الصندوق السيادي المصري من فترة قريبة.
وكشفت مصادر حكومية، أن الفنادق لن تُقيَّم على أنها أصول عقارية، لكن بوصفها شركات تتمتع بميزة تاريخية، حيث يعود بعضها إلى القرن التاسع عشر.
وتعاني مصر من أزمة شحّ دولار متفاقمة منذ ما يقرب من عامين، على الرغم من تخفيض قيمة الجنيه ثلاث مرات في الفترة من مارس 2022 إلى يناير 2023، وفقدان العملة المحلية نحو نصف قيمتها مقابل الدولار.
ويواجه الاقتصاد المصري تضخما جامحا مع تدهور قيمة الجنيه، وارتفاع سعر الدولار والعملات الأجنبية، وتآكل القدرة الشرائية للمواطن، وسط مخاوف من تعويم هو الرابع للعملة في أعقاب مسرحية انتخابات الرئاسة نهاية العام الحالي، والخامس منذ نوفمبر 2016.
وتسعى مصر لإيجاد بدائل غير تقليدية لتوفير النقد الأجنبي، من خلال توجهها لمنح أفضلية لبيع الأراضي والعقارات لمن يدفع بالدولار، وطرح أكبر بنكين حكوميين شهادات دولارية بفوائد أعلى من أي مثيل لها في السوق المصرية، ضمن مبادرات عديدة أخرى.
ورغم كل تلك الإجراءات، تتزايد الأزمة، وهو ما يرجع بالأساس إلى عودة الإيرادات الدولارية لبيع كبريات الشركات الناجحة لصندوق السيسي السيادي، بعيدا عن حسابات الميزانية العامة التي سيستمر عجزها المالي.