الأوضاع الاقتصادية الداخلية المنهارة والتطورات على الساحة العالمية، أصبحت تهدد بحرمان المصريين من رغيف العيش آخر القلاع التي كانوا يتحصنون بها من حصار الجوع، حيث تسببت السياسات الاقتصادية الفاشلة في زمن الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي في تراجع إنتاج القمح ورفض المزارعين توريد المحصول لحكومة الانقلاب، ما أدى إلى ارتفاع أسعاره وحدوث عجز كبير في كميات القمح التي ينتج منها رغيف الخبز المدعم، خاصة مع اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي من القمح والاستهلاك، والتي تصل إلى حوالي 8 ملايين طن من القمح سنويا.
كما تسببت الأوضاع العالمية ممثلة في فيروس كورونا المستجد والحرب الروسية الأوكرانية في أن تشهد أسعار القمح قفزة كبيرة، خاصة بعد قصف روسيا سفينة شحن في البحر الأسود، وتوقف إتفاق الحبوب روسيا البحر الأسود بشأن تصدير القمح .
كذلك، شهدت العقود المستقبلية للقمح، ارتفاعا بنسبة 1.2% ، فيما بلغ سعر الطن قبل التسليم 250 دولارا بارتفاع حوالي 3 دولار، بينما طالبت الشركات الزراعية برفع الحد الأدنى غير الرسمي لأسعار القمح إلى 260 دولارا للطن قبل التسليم.
كما أن القمح شهد ارتفاعات ملحوظة خلال الشهور الماضية بلغ 50 دولارا للطن الواحد، مما أثر على واردات القمح وبالتالي أسعار الدقيق والمخبوزات والصناعات المرتبطة به في الأسواق المحلية.
شركة إماراتية
كان نظام الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي، قد وقع اتفاقية بقيمة 500 مليون دولار لشراء القمح من شركة الظاهرة الإماراتية، وينص الاتفاق وفق ما أعلنته الشركة في بيان لها على استيراد السيسي شحنات من القمح بقيمة 100 مليون دولار سنويا على مدى خمس سنوات، مع توفير التمويل من مكتب أبو ظبي للصادرات.
الغريب أن "الظاهرة" تقوم بزراعة نحو 70 ألف فدان في مصر، وتعد أكبر منتج للقمح والذرة في القطاع الخاص بمصر، إلى جانب البصل وبنجر السكر والسمسم والحمضيات والذرة الرفيعة وكذلك علف الماشية.
كما تلقى السيسي الدعم من مؤسسات التمويل الدولية لتمويل واردات القمح، وقدم البنك الدولي والمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة معا قروضا بمليارات الدولارات، لتمويل واردات البلاد من القمح وسط ارتفاع أسعار المحصول والصعوبات في السداد بسبب أزمة العملات الأجنبية.
توريد المزارعين
حول تطورات أزمة القمح وانعكاسها على إنتاج رغيف الخبز قال الدكتور جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة: إن "الاتفاقية التي وقعها نظام الانقلاب مع شركة الظاهرة الإمارتية، تمثل محاولة لرفع رصيد مصر من مخزون القمح، حيث تمتلك الشركة الإماراتية مساحات في توشكى تزرع على أرضها القمح والبنجر وقصب السكر، علاوة على امتلاك الشركة مساحات في دول إفريقية وأسيوية حيث تستثمر زراعيا، موضحا أن الشركة خصصت 500 مليون دولار لمدة 5 سنوات بمعدل 100 مليون دولار كل سنة بحيث توفر الأقماح من مختلف دول العالم التي تستثمر فيها زراعيا".
وبالنسبة لرصيد الأقماح كشف "صيام" في تصريحات صحفية أنه تم إضافة ما يقرب من 200 ألف فدان أعطت نصف مليون طن من القمح بخلاف ما تم توريده من المزارعين الذي سجل 3.4 مليون طن من المستهدف 4 ملايين طن، وهنا يكون قد تراجع عن العام الماضي وهو 3.6 مليون فدان .
وأكد أن تراجع تحصيل المستهدف كان بسبب الأسعار التي حددتها حكومة الانقلاب للقمح المحلي، والتي لم تكن محفزة للمزارعين وكانت أقل من المستهدف .
وشدد "صيام" على ضرورة أن تتعلم حكومة الانقلاب الدرس من خلال الإعلان عن الأسعار التحفيزية في أوقات الزراعة في سبتمبر القادم، قبل أن يبدأ المزارعون في تحديد نوعية المحاصيل في نوفمبر من كل عام.
اتفاق الحبوب
وحول انعكاسات توقف اتفاق الحبوب عبر البحر الأسود، على أسعار القمح عالميا، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور عبد النبي عبد المطلب وكيل وزارة التجارة والصناعة الأسبق، أن الحرب الروسية الأوكرانية وتوقف اتفاق الحبوب عبر البحر الأسود، تسبب في ارتفاع أسعار القمح عالميا، وهذا أدى إلى ارتفاع أسعار الصناعات الغذائية المرتبطة بالقمح بنسبة تصل إلى 10%، موضحا أن هذه التطورات أدت إلى زيادة فاتورة المدفوعات المصرية من أجل الحصول على الإمدادات الغذائية اللازمة.
وأوضح عبد المطلب في تصريحات صحفية، أن إمدادات القمح من روسيا وأوكرانيا في منطقة البحر الأسود أصبحت عرضة للتهديد بعد انتهاء صلاحية اتفاق الحبوب، وبالتالي هناك تأثير كبير على معدلات الأسعار العالمية للقمح ويتبعه تأثير محلي في ظل الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك.
وقلل من أهمية محاولات حكومة الانقلاب من أجل الحصول على مصادر متنوعة للقمح، مؤكدا أن هذه المحاولات لن تمنع ارتفاع الأسعار والتي تؤثر على الصناعات الغذائية المرتبطة بالقمح.
مخزون القمح
وأكد الخبير الاقتصادي الدكتور سيد خضر، أن هناك بالطبع تأثيرات ملحوظة لاستمرار التوترات السياسية في روسيا وأوكرانيا، إضافة إلى توقف إتفاق الحبوب في البحر الأسود على مخزون القمح في مصر وعلى أسعاره أيضا.
وقال "خضر" في تصريحات صحفية: إن "هذه الأحداث تؤثر بشدة على أسعار القمح عالميا وتكاليف الشحن، مما يؤدي إلى التأثير على المنتجات والسلع الغذائية التي تدخل في إنتاجها، مؤكدا أن هذه الأوضاع ستنعكس على مصر في صورة ارتفاع أسعار لكل المنتجات والصناعات التي تعتمد على القمح".