في منتصف أغسطس 2023م، قررت نيابة أمن الدولية العليا حبس الفتاة إسراء أيمن محمود الروبي لمدة 15 يوما، على ذمة قضية تعرف إعلاميا باسم "جروب مطبخنا". وإسراء هي، أم لطفل حديث الولادة، اختفت قسريا في 15 يوليو الماضي "2023"، وظهرت في 19 يوليو على ذمة قضية رقم 2976 لسنة 2022 حصر تحقيق نيابة أمن دولة عليا.
حبس إسراء يمثل نموذجا صارخا لحجم الظلم والانتهاكات التي تتعرض لها المرأة المصرية منذ انقلاب الجنرالات المشئوم في يوليو 2013م؛ ويكفي أن نتعرف على التهمة التي زجت بها إسراء في سجون العسكر؛ وتعود التفاصيل إلى أن مجموعة من الفتيات، ممن لهن أقرباء معتقلون سياسيون، فكرن بمبادرة وقررن جمع أموال من بعضهن البعض لإعداد طعام للمعتقلين في السجون وإرساله إليهم. وتحمل من عليها الدور في زيارة أحد ذويها من المعتقلين السياسيين الطعام المجمع لكافة المعتقلين في السجن الذي تزوره من أجل التخفيف عن أسر المعتقلين وتقليل الإهانات التي يتعرضن لها على بوابات السجون والمعاملة المهينة لهن على الدوام.
لكن نيابة أمن الدولة العليا كان لها رأي آخر، إذ اعتمدت على تحريات أمنية رأت أن ما فعلته الفتيات هو نوع من "جمع التبرعات والتمويل لعناصر وجماعات محظورة". وقامت النيابة المذكورة بإعداد قضية "تمويل" ضمت عددا كبيرا من الفتيات، أما إسراء فقد تم تتبعها بعد أن فتحت الحساب الخاص بها على "فيسبوك" ومن ثم ألقي القبض عليها.
وماذا عن آية؟
والشهر الماضي "يوليو 2023م"، قررت نيابة أمن الدولة العليا، تجديد حبس الناشطة آية كمال الدين، السجينة في سجن القناطر للنساء، لمدة 45 يوماً على خلفية اتهامها بـ"الانضمام لجماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي". تحدثت آية، خلال النظر في أمر تجديد حبسها، مع هيئة المحكمة، وجدّدت حديثها عن ظروف حبسها السيئة للغاية ومعاناتها مع إدارة سجن القناطر للنساء منذ إيداعها فيه أكثر من عام ونصف تقريباً وحتى الآن. وأوضحت أنها معزولة تماماً عن باقي السجينات، وفي حبس انفرادي دون ارتكابها أي مخالفات، وذلك بالمخالفة للقانون ولوائح السجن، مروراً برفض إدارة السجن إدخال الدواء وجهاز التنفس الخاص بحالتها الصحية السيئة والمتدهورة، وأنها طلبت من المحكمة نقلها من السجن لأي مكان آخر أو مستشفى على نفقتها الخاصة، لأنها لا تستطيع التحمل بعد الآن وحياتها في خطر وحمّلت السلطات الأمنية مسؤولية حياتها.بيد أنّ المحكمة رغم تكرار هذه الشكاوى في جلسات النظر في أمر تجديد الحبس، إلا أنها لم تستجب لها أو تحقق في ما عرضته من انتهاكات تعرضت لها.
وكان المحامي الحقوقي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، نبيه الجنادي، والذي حضر جلسة التحقيق والنظر في أمر تجديد الحبس، أفاد بالتقدم إلى المحكمة بطلب لنقلها من سجن القناطر نساء للمحافظة على حياتها وصحتها الجسدية والنفسية، إلا أنه لم يصدر ردّ عن المحكمة بخصوص الطلب. وأضاف، أنه في وقت سابق اشتكت آية من تعرضها للتحرش الجنسي من إدارة سجن القناطر، وتقدم على إثر ذلك ببلاغ رسمي إلى النائب العام حمادة الصاوي، للتحقيق في تلك الواقعة، إلا أنه لم يفتح تحقيقاً في الأمر منذ ذلك الوقت، بل استمرت إدارة السجن في ممارسة الانتهاكات.
وكانت سلطات الانقلاب قد ألقت القبض على كمال الدين، خريجة معهد الدراسات الإسلامية في 3 يوليو 2022، بتهمة "نشر أخبار كاذبة"، وهو الاحتجاز الثالث لها منذ عام 2013م. واعتقلت كمال الدين للمرة الأولى عام 2013 في القضية المعروفة إعلامياً بـ"بنات 7 الصبح"، وصدر بحقها حكم بالحبس لمدة 11 عاماً، وتمت تبرئتها في درجة الاستئناف. وفي مارس 2020، ألقي القبض عليها مجدداً على ذمة القضية 558 لعام 2020 أمن دولة باتهامات "الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة"، وظلت محبوسة احتياطياً لأكثر من عام إلى أن أخلي سبيلها بعد أشهر لتدهور حالتها الصحية أثناء فترة حبسها. وأدرجت كمال الدين (29 عاماً، صاحبة ماركة يافا للملابس)، على ذمة القضية رقم 93 لسنة 2022 أمن دولة، ووجهت لها النيابة اتهامات بـ"الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي"، بعد حوالي يومين من إلقاء القبض عليها من منزلها.
وكان والد كمال الدين بعث برسالة إلى منظمات حقوقية مصرية، يعرض فيها شكوى ابنته من ظروف حبسها ومعاناتها مع السجن تحت عنوان "حياة آية في خطر عظيم". وكتب والدها وقتها واصفاً معاناة ابنته: "آية كانت عندها جلسة… اشتكت للقاضي أنها مريضة محجوزة في زنزانة الإيراد – الزنزانة الأولى التي يدخلها المحبوسون قبل توزيعهم على عنابر السجن ـ منذ دخولها السجن في 2 يوليو/ تموز 2022، وتعاني من تدخين السجائر بسبب مرضها. تمت معاندتها والتعامل معها باعتبارها متمردة مع أخذ ملابسها وأغطيتها واحتكاك الجنائيات بها بأوامر أحد الضباط ويدعى (تامر بيه)". أضاف والد آية في رسالته: "زيادة في الإذلال.. كانت والدة آية، المسنة المريضة تزورها اليوم، التي خرجت من الإسكندرية في الثالثة صباحاً، ووصلت إلى القناطر في السابعة صباحاً، وتم تسجيل الزيارة بالفعل. وعند الدخول، قالوا لها انتظري للتفتيش وذلك عند الواحدة ظهراً. الأكل (الطعام) الذي أحضرته والدة آية أصبح غير قابل للأكل. وبعدما انتظرت في المكان المخصص للزيارة، فوجئت بإخراجها من دون زيارة ابنتها، فأصابها الفزع وتساءلت عما جرى لها وما إذا كانت في المستشفى من دون إجابة. وقبل موعد نهاية الزيارة بدقائق، أخرجوا آية لوالدتها".
"300" فتاة معتقلة
وكشفت مصادر قضائية وقانونية لـصحيفة "العربي الجديد" اللندنية، عن وجود 300 فتاة معتقلة على ذمة قضايا سياسية مختلفة، تجاوزت فترة حبسهن الاحتياطي المدد القانونية المحددة قانونا وهي سنتان كحد أقصى، إلا أنه مستمر حبسهن دون أي سند قانوني. الفتيات المعتقلات ـ حسب هذه المصادر ـ مستمر حبسهن رغم تجاوز فترة حبسهن الاحتياطي المحددة قانونا، وأغلبهن اقترب من 3 سنوات حبس احتياطي على ذمة القضية، بل واقترب بعضهن من الحبس 4 سنوات حبس احتياطي على ذمة القضايا السياسية المختلفة.
يتم تجديد الحبس للفتيات على ذمة ذات القضايا المحبوسات على ذمتها دون حتى توريطهن في قضايا أخرى جديدة يتم حبسهن على ذمتها في ما يعرف باسم "تدوير المتهم في قضايا جديدة حتى لا يتم إخلاء سبيله"، إلا أن الفتيات يتم تجديد حبسهن على ذات القضية. وتعتبر قرارات تجديد الحبس الصادرة بحق الفتيات المعتقلات، مخالفة للقانون الذي حدد سنتين فقط كحد أقصى للمتهم للحبس على ذمة القضية الواحدة، ومن ثم أوجب القانون إما أن يتم إخلاء سبيله على ذمة القضية أو أن يتم التصرف في القضية سواء بالإحالة للمحاكمة الجنائية أو الحفظ أو ألا وجه لإقامة الدعوى القضائية، أما استمرار الحبس فهو مخالف للقانون. وكشفت أن النائب العام المصري حمادة الصاوي تلقى بلاغات متفرقة لكل حالة على حدة، بينما تجهز جهات حقوقية قائمة بأسماء الفتيات للتقدم بها بشكل مجمع واصدار بيان مجمع بها.
وحسب المحامي بالنقض والمحكمة الدستورية العليا أحمد حلمي، فإنه يتولى الدفاع عن 10 فتيات معتقلات على ذمة قضايا سياسية تتعلق باتهامات الانضمام إلى جماعة محظورة وتلقي تمويل ودعم لتحقيق أغراض الجماعة، وأن أغلبهن محبوسات على ذمة قضايا تم تجاوز فترة الحبس الاحتياطي القانونية فيها. وأضاف حلمي: "هناك تعنت شديد من قبل السلطات المختصة في ملف الفتيات المعتقلات، مشيراً إلى أنه من الغريب في هذا الأمر أن أغلبهن يتم حبسهن على ذمة قضية واحدة ويتجاوزن فترة الحبس الاحتياطي فيها، وبعضهن تجاوزت فترة حبسه 4 سنوات مع تدويرهن مؤخراً في قضية جديدة، لضمان استمرار حبسهن. وتابع المحامي بالنقض والمحكمة الدستورية العليا، أنه مع آخرين يسعون بكل السبل لإيجاد حل لهذا الأمر مع الجهات المختصة، لعدم قانونية الحبس الاحتياطي طوال هذه المدة.
البداية بكشوف العذرية
وفي 9 مارس 2011م، اقتحمت قوات من الجيش ميدان التحرير، واعتقلت عشرات المتظاهرين والمتظاهرات المعتصمات بالميدان، ليصل مجموع المعتقلات إلى 17 فتاة وسيدة مصرية. وحسب تقرير أعدته "الشبكة المصرية لحقوق الإنسان" في مارس 2021م، بعنوان: «القصة لم تنته.. كشوف العذرية.. جريمة فتحت الباب لانتهاكات متواصلة بحق المرأة المصرية»، تعامل الجيش المصري معهن بالضرب والسحل، ليجري ترحيلهن إلى السجن الحربي -بالمخالفة للدستور والقانون- المخصص للعسكريين وليس للمدنيين، والذي لا يتناسب مع طبيعتهن كنساء أو فتيات". تم تهديد المعتقلات الـ17 بتوجيه تهم الدعارة لهن، وضربهن، وصعقهن بالكهرباء قام "أفراد من الجيش بتجريدهن من ملابسهن، وشرعت قوات الجيش في إجراء كشوف العذرية، والتي تمثل الانتهاك الأكثر بشاعة وايلاما للمرأة نفسيا وجسديا". وأوضح أن "المعتقلات تعرضن للكشف عليهن من قبل رجال عسكريين، ما بين طبيب ومجند، وذلك بأمر مباشر من اللواء حسن الرويني، قائد المنطقة المركزية العسكرية سابقا، وبتنسيق كامل مع رئيس المخابرات الحربية السابق اللواء عبد الفتاح السيسي".
ولفت التقرير إلى أن "القيادة العسكرية المصرية حاولت في البداية نفي ما حدث، إلا أنها اضطرت للاعتراف لاحقا بحدوث الجريمة، وقدمت مبررات واهية ولا تمت للواقع بصلهة، بل وصلت إلى حد إدانة من كشف النقاب عنها". وأكدت الشبكة أن "المجلس العسكري اعترف بالواقعة، في تسريب أذاعته إحدى القنوات الفضائية للواء حسن الرويني، وقد أصدر السيسي بيانا بصفته رئيس المخابرات الحربية وعضوا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، قال فيه إن الإجراء تم (لحماية الجيش من اتهامات محتملة بالاغتصاب)، لكن سرعان ما ادعى أن الكشوف كانت تصرفا شخصيا من الطبيب الذي قام به". وأوضحت الشبكة المصرية أنه "رغم ثبوت تلك الجريمة وكونها وصمة عار على جبين المؤسسة العسكرية، فإنه لم يتم محاسبة أي من المشاركين بها، ولم تتقدم القوات المسلحة المصرية باعتذار رسمي للضحايا، ولا للشعب المصري".
وقالت الشبكة إن "هذه الانتهاكات تحدث تحت مرأى ومسمع من الجميع، سواء المجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، ولجنة المرأة بمجلس النواب المصري، لافتة إلى أنها "تؤكد غياب الدور الرقابي، بعد إفلات مرتكبي تلك الجرائم من العقاب والمحاسبة، وفي ظل تجاهل النائب العام المصري والنيابات العامة المختلفة للبلاغات المقدمة في هذا الإطار". وتطالب الشبكة بإيقاف جميع الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة المصرية بشكل عاجل وكامل، والكف عن ملاحقاتها أمنيا والتنكيل بها قضائيا، والإفراج الفوري عن السيدات اللاتي يجري التنكيل بهن داخل السجون وأماكن الاحتجاز.