يواجه نظام الانقلاب عجزا ماليا كبيرا، سواء على صعيد الأصول الأجنبية أو الجنيه المصري؛ حيث تراجع احتياطي النقد الأجنبي وتزايدت الديون الخارجية والداخلية لتقترب من 7 تريليونات جنيه، وهو ما جعل عددا من المراقبين وخبراء الاقتصاد يتوقعون أن يلجأ نظام السيسي إلى الاستيلاء على ودائع البنوك، في الوقت الذي يتعين على دولة العسكر المثقلة بالديون سداد 55.2 مليار دولار ودائع وأقساط ديون في الفترة من مارس 2023 إلى مارس 2024.
وقال الخبراء: إن "البنوك المحلية تواجه أزمة كبيرة، ولذلك تلجأ إلى طرح شهادات وودائع بالعملة المحلية والأجنبية بعائد تاريخي من أجل مواجهة أزمة شح الدولار من ناحية، وخفض معدلات التضخم في الأسعار من ناحية أخرى، إلى جانب طلب تأجيل تمديد آجال ودائع الدول الخليجية قبل موعد استحقاقها عاما تلو الآخر".
وأكدوا أن جدارة وقوة البنوك المصرية مهددة بالتراجع، وقوتها على التحمل لن تستمر إلى الأبد، في ظل الاستنزاف المتواصل من جانب نظام الانقلاب .
كانت مؤسسة "ستاندرد أند بورز" قد خفضت، في مايو الماضي نظرتها المستقبلية لكل من البنك الأهلي المصري، وبنك مصر والبنك التجاري الدولي من مستقرة إلى سلبية وأبقت التصنيف الائتماني للبنوك الثلاثة عند BB، بسبب حالة التدهور التي يشهدها القطاع المصرفي، والاقتصاد المصري بشكل عام.
وفي فبراير الماضي، خفضت وكالة التصنيف الائتماني "موديز" تقييم ودائع أكبر خمسة بنوك درجة واحدة هي البنك الأهلي المصري، وبنك مصر، والبنك التجاري، وبنك القاهرة وبنك الإسكندرية، ما يعكس عدم قدرتها على سداد التزاماتها نحو الودائع بالعملة المحلية والأجنبية، وذلك بعد يومين فقط من خفض تصنيف مصر الائتماني إلى درجة متدنية.
دائرة جهنمية
من جانبه طالب الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد خزيم، دولة العسكر بالبحث عن مصادر مستدامة من العملة الصعبة، وزيادة عائدات السياحة وقناة السويس والصادرات ومضاعفة الإنتاج؛ محذرا من أن خفض التصنيف الائتماني وتراجع الأصول الأجنبية يؤثران بقوة على أي نظام اقتصادي ويجعله في مهب الريح .
وقال خزيم في تصريحات صحفية: إن "خفض وكالات التصنيف الائتماني لجدارة مصر الائتمانية، وكذلك خفض تصنيف البنوك المحلية التي تعد أكبر المقرضين المحليين لحكومة الانقلاب، يؤدي دون شك إلى التأخر عن سداد مستحقات دولية، وبالتالي خفض التصنيف مجددا، والدخول في الدائرة الجهنمية من الأزمة الطاحنة، وكافة تصرفات البنوك المحلية تؤكد هذا من خلال طرح شهادات بالدولار بأعلى عائد من أي مكان آخر".
وتوقع أن تجري وكالات التصنيف خفضا جديدا لمصر وللبنوك، خاصة أنها تحت المراجعة، وإذا حدث ذلك فسوف تترتب عليه آثار سلبية؛ لافتا إلى أن الودائع الموجودة لدى البنك المركزي رغم أنها مؤمنة، فإنها قد تتأثر بدرجة أو بأخرى، خاصة المنتجات بالعملات الأجنبية، أما الودائع بالجنيه المصري، فقد لا تتأثر بسبب سهولة طباعة الجنيه .
ودائع العملاء
واعتبر رجل الأعمال المصري المقيم بأمريكا، الدكتور محمود وهبة، أن تحول البنوك المحلية بقيادة بنوك دولة العسكر لطرح شهادات دولارية بعائد كبير وغير مسبوق هو بداية ما حذرنا منه من التفاف حكومة الانقلاب على أموال المواطنين بالعملة الصعبة بعد صعوبة الوصول للأسواق الدولية بشهادات لمدة 3 سنوات من أجل استخدامها في تسديد التزاماتها الخارجية .
وأكد وهبة في تصريحات صحفية أن حكومة الانقلاب تقوم بسحب ودائع العملاء بدون علمهم أو موافقتهم وبنهاية العام تكون حكومة الانقلاب قد استولت على كل أموال المودعين بالعملة الأجنبية، موضحا أن ما كشف ذلك هو قيام وكالات التصنيف الائتماني الدولية بخفض تصنيف البنوك المصرية إلى آخر مرتبه قبل مرتبه الإفلاس .
وأوضح وهبة أن تقرير صدر عن البنك المركزي يشير إلى أن صافي الأصول الأجنبية أصبح أكثر من سالب 27 مليار دولار، وما تبقى من الودائع سوف تأتي عليه حكومة الانقلاب في غضون شهور، في ظل عدم وجود موارد دولارية جديدة، مشيرا إلى أنه فيما يتعلق بالودائع المحلية، فقد اقترضت حكومة الانقلاب من البنوك ما لا يقل عن 40% منها لتمويل عجز الموازنة .
وطالب بإصدار قانون خاص بأثر رجعي لضمان ولحماية الودائع والمودعين، موضحا أن القوانين الحالية تحمي البنوك وعلاقتها بعملائها، دون وجود نصوص صريحة في القانون عن كيفية حماية الودائع، خاصة في حالة إفلاس البنوك .
الدين الخارجي
وكشف الباحث الاقتصادي عبدالحافظ الصاوي، أنه في إطار بحث حكومة الانقلاب عن حلول لأزمة النقد الأجنبي طُرحت عدة مبادرات للحصول على النقد الأجنبي، منها:
– السماح للمصريين العاملين بالخارج باستيراد سيارة وإعفائها من الرسوم الجمركية، مقابل إيداع 5 آلاف دولار في حساب وزارة مالية الانقلاب كوديعة، تسترد بعد 5 سنوات بالجنيه المصري حسب سعر الصرف في حينه.
– طرح أراض ووحدات سكنية للعاملين بالخارج مقابل سداد الثمن بالدولار .
– توسع حكومة الانقلاب في حصول الأجانب على عقارات بمصر بشرط الدفع بالدولار.
– طرح بنكا مصر والأهلي شهادات ادخارية بالدولار مدتها 3 سنوات بسعر فائدة عال بلغ 7%، يصرف بالدولار كل عام، أو بنسبة فائدة تراكمية 27% تصرف في نهاية السنوات الثلاث.
– إصدار بيان من خارجية الانقلاب بشأن تسوية موقف المتخلفين عن التجنيد للمصريين بالخارج، الذين تجاوزت أعمارهم 30 عاما، مقابل دفع مبلغ 5 آلاف دولار أو ما يعادلها باليورو.
وأوضح الصاوي في تصريحات صحفية أن خطوات حكومة الانقلاب لتغطية العجز في النقد الأجنبي، لم تتوقف ولكنها سعت لبيع حصص في ملكية شركات قطاع الأعمال العام، سواء لمجموعة من الشركات الخليجية أو غيرها، ومؤخرا أعلن رئيس وزراء الانقلاب مصطفى مدبولي الانتهاء من تعاقدات بيع حصص في شركات قطاع الأعمال العام بنحو 1.9 مليار دولار.
وأشار إلى أن كل هذه الإجراءات غير كافية، موضحا أنه باستثناء الإجراءات التي تعنى بعملية الخصخصة، يُلاحظ أن باقي الأدوات ركزت على مورد واحد فقط، وهو العاملون بالخارج، سواء في ما يتعلق بمبادرة السيارات، أو الأراضي والوحدات السكنية، أو الشهادات الدولارية، أو تسوية الموقف من التجنيد.
وأكد الصاوي أن مورد العاملين بالخارج، له سقف ولا يمكن الاعتماد عليه بشكل كبير، وتدفقات العاملين بالخارج إلى مصر ليست كلها مدخرات، لكن الجانب الأكبر من هذه التحويلات يتم توجيهه لتغطية المتطلبات المعيشية لأسر العاملين بالخارج.
وقال: "إذا ما افترضنا أن هامش الادخار سيكون بحدود 20% من تحويلات العاملين بالخارج، بعد تغطية متطلبات المعيشة لأسرهم، فإنه من الصعب أن يتم توجيه هذه المدخرات بالكامل لمبادرات حكومة الانقلاب المختلفة".
وأضاف الصاوي : إن "عوامل الضغط على حكومة الانقلاب في مسألة عجز النقد الأجنبي تأتي بشكل كبير من جانب الالتزامات الخاصة بالدين الخارجي، التي تأتي متتابعة كل 3 أشهر، لافتا إلى أن الدين الخارجي بلغ 163 مليار دولار في ديسمبر2022".