لعل الوحشية التي ظهر بها السيسي وعساكره في فض اعتصامي رابعة والنهضة، كانت جديدة ومفاجئة للمصريين، إلا أنها رسمت شكل النظام وسياساته ومدى إجرامه الذي فاق تصورات أكثر المتشائمين.
ومع تركيز القتل في المعارضين ورافضي الانقلاب العسكري وجماعة الإخوان المسلمين، أوصل لبعض المصريين نظرية أن القتل والعنف الشديد سيكون قاصرا فقط على تلك الفئات لرفضها حكم العسكر والانقلاب العسكري، إلا أنه مع مرور السنوات وتوالي الأحداث، وصل عنف النظام إلى مساحات أخرى وفئات أوسع، كما وصلت إلى المواطن البسيط الذي يحتج على أي شيء أو يعترض على أصغر مسؤول بالدولة، وامتدت الانتهاكات إلى رافضي هدم منازلهم فوق رؤوسهم.
وانطلقت آلة القتل العسكرية، التي أوجدها السيسي في عقلية الجيش، بعد أن كان الشعب بالنسبة للجيش خطا أحمر وكان القتل مستبعدا حتى وقعت مجازر رابعة والنهضة فانتشرت رائحة الدم في أنحاء مصر بشكل غير مسبوق؛ حيث أصبح القتل الخيار الأول مع حدوث أي خلاف في وجهات النظر بين أي مواطن وضابط شرطة أو جيش، وكان أحدث الضحايا "فرحات المحفوظي" و"خلف" و"رامي" ضحية قسم دار السلام بالقاهرة، حيث أصبح الكل مستهدفا ومباح الدم والعرض والدار.
بث الرعب
منذ اللحظة الأولى ليوم 14 أغسطس 2013، كان واضحا صدور أوامر عليا بالتعامل بأقسى درجات العنف وأقصاها ضد المعتصمين في ميادين رابعة والنهضة، ودللت سرعة حسم الموقف في النهضة لارتفاع معدلات القتل والحرق والتعامل الإجرامي من قبل قوات الأمن.
واعتمدت سلطات الانقلاب العسكري بث الرعب مع كل الموجودين في محيط الميدان، بما فيهم ممثلي وسائل الإعلام.
وواجه شباب المعتصمين السلميين بصدورهم العارية جحافل القوات الخاصة الملثمين ، الذين لم يعطوا لأحد فرصة الخروج حيا، ورغم الاهتمام الإعلامي الكبير سواء محليا أو إقليميا أو عالميا بجريمة فض اعتصام رابعة العدوية، إلا أن جريمة أخرى لا تقل عنها بشاعة اقترفتها قوات الأمن على الضفة الأخرى للنيل بميدان النهضة، فالمعتصمون من محافظات الصعيد ومراكز محافظة الجيزة، والمعروف عن معظمهم التدين ، اختاروا ميدان النهضة مقرا لاعتصامهم في الثاني من يوليو، أي قبل يوم واحد من إعلان عبد الفتاح السيسي انقلابه العسكري.
وشهد اعتصام النهضة اعتداءات من قبل اتباع الأمن ومؤيدي السيسي، وخاصة أهالي المناطق المحيطة بالاعتصام، كميدان الجيزة والمنيل وبين السرايات، على فترات متباعدة من أيام الاعتصام، تعددت أسبابها بين الشحن الإعلامي للأهالي ضد المعتصمين، وضيق حارات المرور ودعم الأمن لبعض البلطجية.
التسوية بالأرض
يقول المصور الصحفي مصطفى الشيمي الذي حُطمت معداته وأصيب بكدمات في الوجه والصدر: إنه "كان يمارس عمله الطبيعي كمصور صحفي في ظل رسائل طمأنة متكررة من قبل وزارة الداخلية ، بأن ينزل كل إعلامي ليمارس عمله في تغطية فض الاعتصام ليرى بنفسه ضبط النفس من قبل رجال الأمن".
يضيف الشيمي "في الساعات الأولى لصباح ذلك اليوم نزلت ومعي ثلاثة من زملائي المصورين لتغطية أعمال الفض، كنا في البداية بين صفوف قوات الأمن، بدأوا في إطلاق قنابل الغاز مباشرة بعد رسائل تحذيرية وجهها الأمن للمعتصمين أن يسلموا أنفسهم ويخلوا الميدان فورا، مقاومة لا تذكر من المعتصمين، ثم اقتحمت قوات الأمن الميدان، بعد ذلك بدأت الفوضى، جنود الأمن المركزي اقتلعوا الخيام من الأرض من دون تمييز بين الخيام الخاوية والتي يحتمي بها أحد المعتصمين والأوناش والجرافات سوت كل شيء بالأرض في بضع ساعات".
يؤكد الشيمي أن ما حدث في ميدان النهضة يرجع إلى أن كل الأنظار كانت موجهة نحو ما يحدث في ميدان رابعة العدوية، ولكن لم يلتفت أحد إلى ميدان النهضة، فمهما كانت درجة بشاعة ما وقع بميدان رابعة العدوية فلن تساوي مشهد الجثث المحترقة للمعتصمين في الخيام.
محرقة النهضة
وبحسب تقرير لجنة تقصي حقائق 30 يونيو التي تشكلت بعد الانقلاب فإن عدد الضحايا في صفوف المعتصمين بلغ 88 قتيلا و366 مصابا، الغريب في الأمر أن الفضائيات الحكومية والخاصة وقتها كانت تذيع مقاطع لملثمين يقولون: إنهم "ينتمون إلى صفوف المعتصمين وهم يطلقون النيران على قوات الأمن، وبعد فض الاعتصام مباشرة أذاعت هذه القنوات مقاطع أخرى للجنود بجانب ما سموها مضبوطات من أسلحة وذخائر بالطبع يمكنها أن تقتل أكثر بكثير من جنديين".
داخلية الانقلاب زعمت أنها ضبطت 41 سلاحا ناريا مختلف العيار وآلاف الطلقات بعد فض اعتصام النهضة، وبقياس هذا الرقم على عدد القتلى من صفوف المعتصمين، وبافتراض أن الشرطة قتلت كل من يحمل السلاح، بحسب تأكيداتها المتكررة، فإن الشرطة قتلت على الأقل 47 أعزلا لم يُحاسَب قاتلوهم.
وتبقى جريمة ومحرقة النهضة شاهدا على إجرام السيسي بحق المصريين ، وتعمده فرض سنوات من الرعب والقتل والقمع على المصريين، كي يستقيم له حكم مصر بالسلاح والدبابة.
هولوكوست رابعة
وفي رابعة في ذلك الصباح يوم 14 أغسطس 2013، كان المعتصمون لا يدركون أنهم على موعد مع يوم ساخن، انفتحت فيه جهنم بكل لهيبها وعذابها وشرورها، وفوجىء المعتصمون أن قوات الجيش والشرطة تحرق الأحياء وتقنص الأطفال والشباب والبنات والنساء والعجائز.
كما تم إغلاق كافة الطرق المؤدية إلى الاعتصامين، واستمرت المذبحة من السادسة صباحا حتى السادسة مساء تتساقط خلالها أجساد المحاصَرين، ونصبوا لهم شراك ممرات آمنة للخروج، فمن سلكها كان بين معتقل وشهيد، وشاهد العالم في بث مباشر لمدة 12 ساعة واحدة من أبشع المجازر البشرية راح ضحيتها 2200 شهيد حسب منسق المستشفى الميداني في رابعة العدوية، و802 قتيلا وفقا لبعض الموثقين.
أسوأ قتل جماعي
ووصفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" استخدام قوات الأمن المصرية للقوة في فض الاعتصامات، بأنه أسوأ حادث قتل جماعي التاريخ المصري الحديث، وصنفت المنظمات الدولية الحقوقية ما حدث في رابعة والنهضة كإبادة جماعية، حيث أنه التدمير المنتظم لكافة أو جزء من مجموعة عرقية أو إثنية أو دينية أو وطنية.