لا يمكن فهم الحريق الذي وقع في مبنى وزارة الأوقاف القديم بالقاهرة السبت 5 أغسطس 2023م، إلا في إطار مساعي مافيا الفساد للتعتيم والتستر على جرائمها بافتعال الحريق والتخلص من ملفات ووثائق ومستندات تدين مافيا الفساد وحيتان المال الحرام.
الحريق أثار تساؤلات كثيرة لا سيما وأنه يأتي في أعقاب إخلاء المبنى من الموظفين بنحو شهر ونقل الوزارة بالكامل إلى مقرها الجديد بالعاصمة الإدارية مطلع يوليو الماضي (2023). مع توجيهات من الوزير مختار جمعة باستمرار عقود الصيانة للمبنى واستمرار تأمينه مع إخلاء جميع المخازن، مع إجراء استغلال المبنى القديم أو التصرف به باعتباره مبنى وقفيا مملوكا لوزارة الأوقاف المصرية.
تعد وزارة الأوقاف من أغنى الهيئات في مصر، وتمتلك أصولا عقارية وزراعية وأموالا سائلة ضخمة، وتصل قيمة أملاك الوقف إلى حوالي تريليون و37 مليار جنيه و370 مليونا و78 ألف جنيه، وفق أول أطلس لحصر أملاك الوقف أصدرته الوزارة في أبريل 2019، كان الدولار يساوي وقتها نحو 15.7 جنيه فقط. ما يعني أن أملاك الأوقاف حاليا تزيد على تريليوني جنيه. يعود تاريخ إنشاء وزارة الأوقاف إلى عام 1835 بقرار من والي مصر محمد علي باشا تحت اسم "ديوان الأوقاف العمومي"، وفي عام 1899 افتتح الخديوي توفيق مبنى ديوان الأوقاف، وهو الجزء الرئيسي من المبنى، ثم تم توسيعه ببناء ملحق له في 1912، ثم ملحق آخر في 1929، ثم جرى هدم منزلين مجاورين وبناء ملحق ثالث للمبنى في 1936.
خطورة الحريق
يقول الشيخ سلامة عبدالقوي، مستشار وزير الأوقاف والمتحدث السابق باسم وزارة الأوقاف بحكومة الدكتور هشام قنديل ــ إن "حريق مبنى وزارة الأوقاف لا ينبغي أن يمر مرور الكرام، لأن المبنى يضم الوثائق والحجج والصكوك والأسانيد الخاصة بأصول وأملاك الوقف التي تعود ملكيتها لكل الشعب المصري، أي لمن أوقفها ولمن أوقفت من أجله". بشأن مكان اندلاع الحريق في المبنى، في الطوابق العليا، أوضح عبد القوي، في تصريحات صحفية لموقع "عربي 21" أن "المبنى العريق يتكون من نحو أربعة طوابق، وفي الأسفل بدروم قديم ويضم بعض الحجج القديمة والمهمة وهو مكان مهمل للغاية، أما الطابق العلوي الذي اندلع فيه الحريق فتوجد الإدارة المسؤولة عن حفظ وتوثيق وتسجيل تلك الحجج والأسانيد ما يعني أن النار أتلفت كل ذلك، ودلالة هذا الأمر خطيرة من حيث عدم وجود ما يثبت أنها أصول أو أرض وقف، ومن هنا وجب التحذير من أن الأمر أخطر من مجرد حريق عابر؛ لأن حرق الوثائق يفتح الباب أمام نهب الأصول".
وتنقل صحيفة "العربي الجديد" عن مصدر قضائي قوله إن التحريات الأولية التي وردت إلى جهات التحقيق القضائية كشفت أن الحريق اندلع في غرفة مخصصة لحفظ الأوراق والوثائق الهامة والسرية والتي تقع تحت إشراف مباشر لوزير الأوقاف ومدير مكتبه، مضيفا أنه لم يكن تم الانتهاء من نقلها بالكامل إلى مقر الوزارة الجديد في العاصمة الادارية الجديدة. وتابع المصدر أن غرفة أخرى خاصة بالحسابات المالية و"الأرشيف المحاسبي" قد احترقت أيضا في الحريق.
وفي رده على هذه المخاوف، ادعى مساعد وزير الأوقاف للشؤون الإدارية عبد الله عبد القوي بأن جميع حجج الوقف، ومستنداته، وملفاته، وملفات عمل الوزارة لم تتعرض للتلف، وآمنة تماماً، مشيراً إلى حصر التلفيات المادية من جراء الحريق بمعرفة اللجان المختصة.
تحقيقات نتمنى ألا تكون شكلية
من جانبه أمر النائب العام حمادة الصاوي، ورئيس النيابة الإدارية حافظ عباس، بفتح تحقيق مشترك في واقعة الحريق الذي أسفر عن إصابة 7 أشخاص بحالات اختناق نتيجة الدخان المتصاعد عن الحريق، وتم نقلهم إلى المستشفى لتلقي العلاج، بينما لم يسفر الحريق حتى الآن عن أي وفيات. إذ تمكنت قوات الحماية المدنية من السيطرة عليه عقب ساعات من محاولات إطفائه.
وأمرت جهات التحقيق بانتداب المعمل الجنائي ليقوم بفحص أثار الحريق والوقوف حول أسبابه وما إذا كان "جنائياً" وعن عمد والمواد المستخدمة في إشعاله. كما كلفت جهات التحقيق نيابة الأوقاف الإدارية بسرعة مباشرة التحقيقات في الواقعة، والوقوف على ملابسات الحريق والقضايا المتعلقة به وتحديد الأوراق والوثائق التي كانت في الغرف المحترقة وبيان ما إذا كانت هناك نسخ أخرى "إلكترونية" من عدمه.
وأظهرت التحريات أن الحريق اندلع في يوم إجازة لكافة الموظفين، باستثناء عدد محدود كان موجداً بعضهم بشكل روتيني للحراسة والآخر تم تكليفه بإنهاء بعض الأعمال الخاصة بالانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة. وقررت جهات التحقيق رسميا استدعاء مدير مكتب وزير الأوقاف والشؤون القانونية والإدارية ومن كان موجدا اليوم بمقر وزارة الأوقاف، وكذلك مدير الشؤون المالية ونائب رئيس إدارة الحسابات، وذلك لحصر الأوراق والوثائق المحترقة والتحقيق بشأن آلية التأمين والنسخ البديلة.
بروفة لبيع المبنى
وانتقلت ملكية المقار الإدارية الحكومية، المقرر نقلها إلى العاصمة الإدارية الجديدة، إلى "صندوق مصر السيادي" تباعاً خلال الفترة الأخيرة، بغرض طرحها أمام مستثمري الخليج تحت مسمى التطوير. وأعطى قانون إنشاء الصندوق الحق لرئيس الجمهورية في نقل ملكية أي من الأصول غير المستغلة أو المستغلة المملوكة للدولة، ملكية خاصة، أو للجهات التابعة لها، أو التي تساهم فيها الدولة، إلى الصندوق، ما يفتح الباب تلقائياً لخصخصة عدد كبير من الكيانات الحكومية.
الوزير الفاسد
ومنذ تعيينه وزيرا في يوليو 2013م، لا يزال مختار جمعة الوحيد الباقي من تشكيل أول وزارة في أعقاب الانقلاب العسكري في يوليو 2013م؛ التي كان يرأسها حازم الببلاوي؛ فقد مضى الببلاوي وبعده وزارة إبراهيم محلب الأولى والثانية، ثم وزارة شريف إسماعيل وحاليا مصطفى مدبولي، خرج مئات الوزراء وتبدلوا وذهب رؤساء الحكومة وبقي مختار جمعة في الأوقاف رغم ثبوت اتهامه بالفساد.
وتلاحق اتهامات الفساد وزير الأوقاف في كثير من التهم؛ منها شقة الوزير الفاخرة ، حيث تلقت الرقابة الإدارية بلاغًا بالفساد المالي لرئيس هيئة الأوقاف السابق، الدكتور صلاح الجنيدي، واستغلال نفوذه لتجهيز شقة فاخرة بالمنيل على نيل القاهرة، تابعة لوزير الأوقاف، من أموال الوقف الإسلامي، إلا أن النيابة بعد التحقيقات، طالبت فقط بتقديم الجنيدي استقالته، دون أن ترفع تقريرًا بإدانة جمعة الذي استغل نفوذه الوظيفي بالضغط على مدير الوقف بالوزارة. وفي 23 أغسطس2015 كشف تقرير الإدارة المركزية للتفتيش المالي التابع لوزارة المالية أن مختار جمعة قام بإرسال زوجته ونجله لأداء مناسك الحج على نفقة الوزارة الخاصة في مخالفة للقانون.
كما أعلنت وزارتا الأوقاف والتموين عن صكوك الأضحية بقيمة 1200 جنيه، نظير ذبح الأضحية للمواطنين، وبعد أن حصّلت الدولة 16 مليون جنيه قيمة تلك الصكوك، ظهر على السطح اتهامات طالت وزارة الأوقاف، بسبب ما حصلت عليه من أموال الفقراء، بينما لم تذبح الأضاحي، بل قامت بشراء لحوم مجمدة بالتعاون مع التموين، لا تتجاوز صلاحيتها خمسة أيام. كما كشفت قيادات في وزارة البترول عن تعيين ابنة مختار جمعة في الوزارة، على الرغم من صدور قرار داخلي في شركات البترول بوقف التعيينات، في وقت أكد فيه رئيس الهيئة العامة للبترول، أنه غير مسئول عن تعيين ابنة وزير الأوقاف، وأن تعيينها جاء بقرار مباشر من وزير البترول طارق الملا.
وفي جلسة بشهر مايو 2023م هاجم ممثل حزب الوفد النائب عبدالعليم داوود وزير الأوقاف محمد مختار جمعة واتهمه بالتورط في الفساد مع مافيا نهب الأراضي قائلا: «لو استخدمنا أموال الوقف بشكل صحيح لن يكون هناك فقير واحد، أو مسجد مغلق أو من دون فرش». مؤكدا على أن «ممتلكات وزارة الأوقاف قادرة أن تجعل مصر من أغنى الدول في العالم، إلا أنها تورطت في وقت سابق في توقيع عقود لمساحة 40 ألف فدان في منطقة الساحل الشمالي لمجموعة من العصابات»، على حد تعبيره. وانتقد الأوضاع المالية للصعبة للأئمة متسائلا: أين تذهب أموال هيئة الأوقاف؟ ولماذا تطل علينا يا وزير الأوقاف ليل نهار في محطات الإذاعة والتلفزيون؟ أدعوك للاستقالة من منصبك بعد أن حولت إذاعة القرآن الكريم إلى محطة للإعلانات التجارية".