اتجه وفد من الأمانة العامة لما يسمى بالمؤتمر القومي العربي برئاسة المرشح الرئاسي الأسبق حمدين صباحي مساء الأحد الثاني من أغسطس 2023م من العاصمة اللبنانية بيروت حيث انعقدت الدورة الـ"33" للمؤتمر، إلى العاصمة السورية دمشق؛ للتعبير عن الولاء ومدى الدعم المطلق للطاغية بشار الأسد.
وتنقل صحيفة "العربي الجديد" عن مصادر داخل المؤتمر القومي أن زيارة صباحي لدمشق لم تلق ترحيبا من معظم القيادات والأعضاء الذين فضلوا عدم الذهاب وعلى رأسهم المعارضة (القومية) السورية بالداخل؛ فبعضهم لا يزالون معتقلين في سجون النظام، والذين ضغطوا على المناضل الشهير بالكومبارس من أجل عدم إتمام الزيارة، وهو ما دعمه مقربون من صباحي؛ لكن الأخير "كانت له حسابات أخرى"، على حد وصف المصادر.
ولا ينسى المصريون أثناء الانتخابات الرئاسية 2012م الزيارة المفاجئة والغامضة وغير المفهومة في أسبابها ومراميها التي قام بها المرشح حمدين صباحي إلى "طهران" عاصمة الملالى حلفاء بشار الأساسيين، حمدين صباحى، الذى يعارض الآن ما يسميه الاستبداد باسم الدين أو الاستبداد باسم العسكر فى مصر، يدافع اليوم عن استبداد الطاغية الدموى بشار الأسد وهو ما يعد موقف مخزي يحسب ضده. وكانت انتشرت علي شبكات التواصل الاجتماعي " فيس بوك " و " تويتر " صورة تم التقاطها من عدد قديم لجريدة الكرامة التي كان رئيس تحريرها المرشح لرئاسة الجمهورية " حمدين صباحي " تتضمن ملحق خاص عن العقيد الليبي الراحل معمر القذافي وثورة الفاتح التي اندلعت بقيادة القذافي . وقد علق النشطاء السياسيين الذين قاموا بنشر الصورة ان حمدين صباحى أنكر في الكثير من الحوارات أنه كان يدعم العقيد الراحل معمر القذافي وأنه ليس له علاقة من قريب أو بعيد به، وأضاف النشطاء أن هذا الملحق من جريدة الكرامة والتي كان رئيس تحريرها حمدين صباحي فى عام 2006 حيث يتكلم الملحق عن 37 عاما من الإنجازات للقذافي بالإضافة الي حملة " تلميع " للقذافي – علي حد تعبيرهم!
ملاحظات مهمة
الملاحظة الأولى على زيارة صباحي لدمشق أنها تتسق مع التوجهات الرسمية للنظم العربية والتي توافقت فيما بينها من أجل إعادة تعويم بشار الأسد والنظام السوري من جديد رغم جرائمه الوحشية وقتله لأكثر من نصف مليون سوري على مدار العقد الماضي. وذلك بعد قرار الجامعة العربية إعادة سورية إلى مقعدها بالجامعة.
الملاحظة الثانية، أن صباحي الخطيب المفوه في الخطابات السياسية والمتحدث اللبق في الديمقراطية وحقوق الإنسان والذي يمكن أن يبهرك من حلاوة حديثه عن الديمقراطية وإرادة الشعوب والتداول السلمي للسلطة يصر على مخالفة كل هذه القيم فهو دائم العشق للطغاة والمستبدين؛ يعشق الطاغية جمال عبدالناصر رغم أنه لم يجر أي انتخابات حرة على مدار 16 سنة حكم فيها مصر بالحديد والنار(1954 ـ 1970)، وهو من كرس الحكم العسكري الاستبدادي الذي لا تزال مصر تعاني منه حتى اليوم. كان عبدالناصر يتاجر بالقومية العربية رغم أنه كان شغوفا بشق الصف العربي والسخرية على كل زعيم يخالفه ولو في موقف بسيط؛ وفي عهده تقزمت خريطة مصر حيث انفصلت السودان سنة 1957م، واحتل الصهاينة سيناء بالكامل بعدما تعرضت مصر لأكبر هزيمة عسكرية في تاريخها كله على يد حفنة من الصهاينة لا يستطيعون اليوم دخول قطاع غزة الذي لا يمتلك طائرة واحدة ولا دبابة واحدة! وفي مرحلة الثورة كان صباحي مؤيدا على طول الخط لحل المجالس الشرعية المنتخبة بإرادة الشعب الحرة؛ ثم أيد الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013م، ثم أيد المذابح بحق الإسلاميين المؤيدين للديمقراطية وإرادة الشعب الحرة؛ ثم جعل نفسه في خدمة النظام العسكري الفاشي بقيادة السيسي، حتى تم إحراقه في مسرحية 2014م حين قبل أن يؤدي دور "الكومبارس" فحصل على الترتيب الثالث بعد الأصوات الباطلة في فضيحة من العيار الثقيل. وصباحي معروف بولهه وعشقه للسفاح بشار الأسد رغم أنه قتل نحو نصف مليون سوري من أجل التشبث بالحكم والسلطة؛ وفي الثلاثين من يونيو الماضي (2023)، صوتت دولتان عربيتان فقط، هما قطر والكويت، لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، بإنشاء آلية مستقلة للكشف عن مصير قرابة ربع مليون معتقل ومفقود ومختفٍ قسرياً في سجون نظام بشار الأسد، في حين رفضت أو امتنعت الدول العربية الأخرى عن التصويت. وقررت الجمعية العامة للأمم المتحدة إنشاء مؤسسة مستقلة للكشف عن مصير آلاف المفقودين في سورية على مدى 12 عاما، وذلك في استجابة لطلب كثيرا ما قدّمه أهالي المعتقلين والمدافعون عن حقوق الإنسان. وحظي القرار، الذي تبنته الجمعية العامة، بأغلبية 83 صوتا مقابل 11 ضده، وامتناع 62 عن التصويت.
الملاحظة الثالثة، أن القومجية يثرثرون كثيرا حول ريادة دمشق للمقاومة العربية؛ وفي 2012 دافع صباحي بشدة عن نظام الأسد المستبد مدعيا أن ما يحدث في سوريا حين خرج الشعب يطالب بالحرية والديمقراطية هو نتاج «مؤامرة كونية» على البلاد ونظامه وذلك للقضاء على المقاومة والخلاص منها، وبما أن سوريا هي رأس الحربة للمقاومة فهي في وجه المدفع. وللعجب فإن هذا هو نفس موقف الجيش وبقايا نظام حسني مبارك وقتها فقد كانوا ينظرون إلى الربيع العربي بوصفه خريفا ومؤامرة دولية. لكن صباحي والقومجية العرب يتجاهلون عمدا أن هضبة الجولان السورية لا تزال حتى اليوم محتلة منذ هزيمة 5 يونيو 67؛ ورائدة المقاومة تحت زعامة حزب البعث (حافظ ثم بشار) لم تطلق رصاصة واحدة ضد قوات الاحتلال؛ وحتى اليوم وعلى مدار (56) سنة لم تر إسرائيل جبهة هادئة تماما وساكنة تماما كما هو الحال على الجبهة السورية؛ لدرجة أن لبنان كانت جبهتها مشتعلة على عكس الجبهة السورية فقد رضي البعثيون القومجية كل الرضا بالاحتلال الصهيوني لقطعة من أرضهم دون خجل أو حياء؛ ورغم هذا التواطؤ وتلك الخيانة إلا أن بشار ونظام البعث يحظى باحترام وعشق صباحي والقومجية العرب ولو صدقوا لتبرأوا من هذا النظام وخذلانه لشعبه والأمة العربية كلها.
الملاحظة الرابعة، أن هذه النظام البعثي الوديع للغاية مع الاحتلال هو نفسه الذي تحول إلى أسد هصور ضد شعبه حين خرج هذا الشعب يطالب بالحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة سنة 2011م؛ فقتل مئات الآلاف وشرد الملايين واعتقل نحو "250" ألف سوري لا يزالون حتى اليوم بين معتقل ومفقود. بمعنى أوضح فإن بشار الأسد ونظامه وأجهزته الذين فشلوا في حماية الأمن القومي لبلادهم وفرضوا أنفسهم حكاما مستبدين على الشعب السوري الشقيق على مدار العقود الماضية؛ مارسوا أبشع صنوف التعذيب ضد الشعب السوري لأنه فقط يطالب بالحرية والمساواة في ثمران بلادهم السياسية والاقتصادية وحق الشعب في أن يكون هو صانع القرار بحقه في اختيار حكامه وانتخاب حكوماته عبر صناديق الاقتراع والتداول السلمي للسلطة.
الملاحظة الخامسة، أن التاريخ لا يعزز فرضية الاتحاد تحت لافتة العروبة؛ فالقومية العربية لم تكن في يوم من الأيام لافتة يجتمع تحتها العرب؛ بل كان العرب معروفين بالصراع والنزاع الداخلي والحروب الأهلية لأتفه الأسباب؛ وتاريخهم قبل الإسلام ثم في عصر الدولة الوطنية حاليا خير دليل على ذلك؛ فقط كان الإسلام هو الراية الوحيدة التي جعلت للعرب قيمة وصنع لهم إرثا وحضارة عظمى جمعت بين التقدم العلمي المادي والتراث الروحي المذهل؛ فكانوا خير أمة أخرجت للناس بوصفهم مسلمين وليس بوصفهم عربا؛ لكن صباحي والقومجية العرب لا ينظرون إلى الإسلام إلا بوصفه عدوا (لأنهم علمانيون) وخصما من القومية العربية رغم أنه الوحيد الذي جعل للعرب بين الأمم قيمة؛ لا أدرى على أي معيار وبأي عين ينظر القومجية للإسلام وشريعته على هذا النحو الصادم والمتناقض؟! ربما كانت خلفيتهم العلمانية هي السبب وراء هذا المرض العضال.
الخلاصة
في سبتمبر 2017م، وضع صباحي تعريفًا جامعًا مانعًا للسيسي ونظامه، نشره على صفحته الشخصية في موقع فيسبوك، مصحوبًا بمقطع فيديو، تحت عنوان "نظام السيسي كما يراه حمدين صباحي، جاء فيه: "عبد الفتاح السيسي هو النسخة الأكثر رداءه من نظام مبارك. هو الاستبداد فجا وفاجرا. هو العداء للفقراء وهو الانصياع لصندوق النقد الدولي ومؤسسات التمويل الغربية.. هو التبعية والرضوخ للمهيمن الاستعماري. هو العلاقات الدافئة مع العدو الصهيوني وهو الضحكات المبتذلة مع ممثل الكيان الصهيوني. هو التفريط لأول مرة في تاريخ مصر في أرض مصر في تيران وصنافير. وهو العدوان بالقمع والسجن والمطاردات والاختفاء القسري والقتل خارج القانون على كل صوتٍ حر. وليست شيماء الصباغ إلا واحدة من رهط عظيم من الشهداء على يد هذا النظام الفاسد المستبد..»؛ ورغم ذلك كله فإن صباحي يرضى بالدنية مع هذا النظام وكلما استدعي لبى على الفور ومشاركته فيما يسمى بالحوار الوطني خير برهان.
مشكلة صباحي أنه يريد أن يرسم لنفسه صورة البطل القومي الذي تهتف الشعوب باسمه، وتحمله فوق أكتافها إلى قصر الرئاسة؛ لكنه يكتفي بالكلام والشعارات البراقة والخطابات المعسولة؛ ثم ينسف ذلك كله بأفعاله المشينة ومواقفه المخزية المنافية للحق والعدل والمنطق، وانحيازه المطلق للطغاة والمستبدين.