تواجه مصر في زمن الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي أزمات اقتصادية عنيفة، نتيجة لأسباب عالمية وأسباب داخلية على رأسها السياسات الخاطئة التي تم اتباعها من جانب حكومة الانقلاب خلال السنوات الماضية، وأدت إلى تفاقم الوضع الاقتصادي السيئ،وما ترتب على ذلك من ارتفاع الأسعار بشكل جنوني نتيجة انخفاض سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، مع نقص المعروض من العملة الصعبة وعودة السوق السوداء من جديد بعد اختفائها.
ويعيش الاقتصاد المصري تحت جُملة من الضغوط نتيجة العجز المستمر في العملة الأجنبية وتزايد الديون، التي تحتاج لإعادة تمويل أو سداد في غضون السنة المالية الحالية؛ وذلك في مُقابل ارتفاع نسبة الإنفاق، في ظل مُحاولات دولة العسكر لتنفيذ مشاريع فنكوشية جديدة وتوسعة شبكة الطرق.
وتشهد البلاد موجات غلاء غير مسبوقة، وارتفاعا في أسعار السلع والخدمات في حين أن الأجور والرواتب لا تزيد بشكل يتناسب مع زيادة التضخم المستمرة، حيث وصل معدل التضخم الأساسي في يونيو الماضي إلى 41% على أساس سنوي، وانخفضت قيمة الجنيه المصري منذ أواخر أكتوبر الماضي بنحو الثلث .
انهيار الجنيه
كانت وكالة رويترز قد كشفت عن أبرز نقاط الضعف الأساسية التي يعيشها الاقتصاد المصري، وسط توقعات باستمرار ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية وانهيار جديد للجنيه المصري.
وقالت الوكالة في تقرير لها: إن "الاقتصاد المصري، يُغامر بالتسبب في ارتفاع نسب التضخم إلى مستوى قياسي، ووضع المزيد من الضغط على الجنيه، فيما بات يتوجب معه وضع حلول آنية، لإبطاء وتيرة زيادة المعروض النقدي الذي يقول مصرفيون إنه يُستخدم لسد العجز المتزايد في الموازنة".
وأشارت إلى أن المعروض النقدي "ن1"، الذي يشمل العملة المحلية المتداولة والودائع تحت الطلب بالجنيه المصري قفز إلى 31.9 في المائة خلال سنة واحدة، حتى نهاية مايو 2023، وذلك بعد أن زاد بنسبة 23.1 في المائة خلال السنة المالية المُنتهية في نهاية يونيو سنة 2022 و15.7 في المائة في السنة المالية، 2021/2020 بحسب أرقام كشف عنها البنك المركزي المصري.
النقد الأجنبي
من جانبه كشف الخبير الاقتصادي ممدوح الولي نقيب الصحفيين الأسبق عن أسباب الأزمة الاقتصادية الحالية وفشل إدارة عملية الاقتراض خلال السنوات الماضية، بسبب عدم وجود أولويات مدروسة في إنفاق النقد الأجنبي الذي يتم اقتراضه، مما يضاعف المخاطر التي يتكبدها الوطن والمواطن جراء هذه السياسة ذات التكلفة المرتفعة.
وقال الولي، في تصريحات صحفية: إن "الخطر يتمثل في عدم وجود أولويات مدروسة في إنفاق النقد الأجنبي الذي يتم اقتراضه، مثلما تم الإنفاق على تفريعة قناة السويس التي لم تكن الملاحة الدولية بحاجة إليها، وبناء عاصمة جديدة بينما البلد تعاني من عجز مزمن بالموازنة، وغير ذلك من المشروعات غير ذات الأولوية، مثل: وجود مطار جديد، وقطار كهربائي، ومنوريل، بخلاف خطوط الأتوبيسات تتصل كلها بالعاصمة الإدارية قبل أن يسنكها أحد".
وأضاف، كذلك إنفاق القروض على مشروعات لا تدر عوائد دولارية تسهم في سداد أقساط القروض، وازدحام جدول سداد القروض، فالمبالغ المطلوب سدادها للعام القادم مثلا 28 مليار دولار بخلاف فوائد القروض قصيرة الأجل، رغم تأجيل دول الخليج سداد مستحقاتها إلى عام 2026، وهي مبالغ تفوق قدرة الاقتصاد على توليد تلك المبالغ، خاصة أن هناك أمورا أخرى يتحتم استيرادها، مثل: القمح، والذرة، والمشتقات البترولية من بنزين وسولار وبوتجاز، وغير ذلك من المواد الخام ومستلزمات الإنتاج للصناعة.
وحذر الولي من أن المبالغ المطلوب سدادها خلال السنوات المقبلة ستزيد عن الأرقام المذكورة عندما يحين وقت السداد في ظل استمرار الاقتراض، وعدم وضع حد أقصى للاقتراض السنوي حتى الآن، والسقوط بمصيدة القروض؛ بحيث نقترض لسداد الأقساط التي يحل أجل سدادها.
وأوضح الولي أن مستحقات الدين الخارجي متوسط وطويل الأجل تبلغ العام القادم 28 مليار دولار، وفي عام 2025 نحو 18.3 مليار دولار وبالعام التالي نفس القيمة، وبعام 2027 نحو 12.7 مليار دولار، أي أنه مطلوب خلال السنوات الخمس من العام 2022 حتى 2027 نحو 100 مليار دولار للسداد، إلى جانب فوائد الدين الخارجي قصير الأجل في حالة عدم سداده.
انخفاض الصادرات
ولفت إلى أن حكومة الانقلاب من أجل تدبير تلك المبالغ لسداد الأقساط والفوائد، قامت بتقليص الواردات وضيقت على استخدام المصريين كروت الائتمان بالخارج، وهو ما أثر على الصناعة التي تعتمد على استيراد المواد الخام ومستلزمات الإنتاج، والنتيجة انخفاض الصادرات خلال الثلث الأول من العام الحالي بنسبة 27% بالمقارنة لنفس الفترة من العام الماضي، وتأثر العمالة بتلك المصانع، وكلما قل المعروض من السلع المستوردة؛ زادت أسعارها بالأسواق مما يزيد من معاناة الجمهور.
وعن قدرة دولة العسكر على سداد ديونها، قال الولي: إن "القضية تتعلق بأن القروض تم إنفاق معظمها في أمور لا تمثل أولوية للناس، كما أنها لا تدر عوائد دولارية تسهم في سداد أقساط الديون، كما أن الموارد التقليدية للنقد الأجنبي تواجه بعض المعوقات، إذ أدى تأخر الإفراج عن البضائع بالموانئ من مواد خام ومستلزمات إنتاج إلى انخفاض الصادرات، كما أدى وجود سعر موازٍ للدولار إلى تراجع تحويلات المصريين بالخارج عن طريق البنوك الرسمية، وأدى الفارق بين سعر الصرف الرسمي والموازي، إلى عدم إدخال شركات السياحة المصرية جانا من إيراداتها السياحية عبر البنوك المصرية، ونفس الأمر يحدث من قبل الشركات المُصدرة وفي ضوء تلك العوامل يزداد شك المؤسسات الدولية في قدرة حكومة الانقلاب على سداد أقساط وفوائد الديون".
فساد وبيرقراطية
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس: إن "القوانين الخاصة بالاستثمار في زمن العسكر بها مجموعة من التشابكات التي يجب العمل على حلها والتخلص منها نهائيا، مشيرا إلى أن المشكلة الأبرز فيها أنها لا تنفذ بشكل فعلى، خاصة مسألة تسهيل الإجراءات والزيادة المبالغ فيها في الرسوم التي تؤدي في النهاية إلى تصفية الشركات لأعمالها وخروجها من مصر".
وأوضح النحاس في تصريحات صحفية أن القوانين تضع على المستثمرين أعباء كثيرة بين الحين والآخر، وهناك إجراءات يتم اتخاذها بشكل مفاجئ ومتغير، مثل إجبار الشركات على الانضمام إلى منظومة الفاتورة الإلكترونية ومضاعفة الرسوم المطلوبة بشكل مستمر، وهذا الأمر لا يشجع على الاستثمار، معربا عن أسفه لأن دولة العسكر تترك المستثمرين والمصنّعين الحقيقيين في معاناتهم اليومية مع البحث عن المواد الخام اللازمة للتصنيع والذهاب للمصالح الحكومية لتخليص الإجراءات المتعددة، بينما تدعم مستثمرين آخرين ليقوموا بإنهاء مصالحهم بسهولة، وكل ذلك يجب أن ينتهى.
وأكد ضرورة توافر الإرادة الحقيقية من دولة العسكر لجذب المستثمرين، لأن الحصول على التراخيص بسهولة يكون على الورق فقط، بينما يحصل عدد قليل جداً من المستثمرين على التراخيص في عدة أيام فعليا، في حين أن الغالبية لا تستطيع ذلك، بسبب صعوبة الإجراءات وشرط الحصول على الموافقات الأمنية في بعض الحالات والتي قد تستغرق سنة إذا كان ضمن ملاك الشركة أجانب، فضلا عن صعوبة الحصول على موافقة زيادة رأس مال الشركات، بسبب وجود أجانب من بعض الدول اشتروا أسهما فيها من خلال البورصة.
وأشار النحاس إلى أننا لا يوجد لدينا حتى الآن تنفيذ فعلي لمنظومة الشباك الواحد أو الرخصة الذهبية، وما زال الفساد والبيرقراطية هما المتحكمان في إنهاء تراخيص الاستثمار، فضلا عن مشكلة الموافقات من الجهات المختلفة التي تعتبر من العراقيل الكبيرة أمام المستثمرين، موضحا أنه في الوقت الذي تنتهي فيه إجراءات تأسيس الشركات في الدول الأخرى عن طريق الإنترنت خلال ساعات، ما زلنا في مصر نتعامل بالنظام البيروقراطي القديم.