أمس، مرر الكنيست الإسرائيلي، بصورة نهائية، مشروع قانون للحد من «حجة المعقولية» كخطوة أولى ضمن خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لما يعرف بـ«إصلاح المنظومة القضائية» والتي تحد من صلاحيات المحكمة العليا في مواجهة السلطة التنفيذية.
حجة المعقولية هي أحد أدوات المحكمة العليا لممارسة الرقابة القضائية على أعمال السلطة التنفيذية ووزاراتها والهيئات الرسمية التابعة لها، وهي الأداة التي مكنت «العليا»، مطلع العام الجاري، من إجبار نتنياهو على إقالة الرجل الثاني في الحكومة، آرييه درعي، بسبب إدانات سابقة بالاحتيال الضريبي.
مُرر مشروع القانون بموافقة 64 صوتا، أي جميع أعضاء الائتلاف اليميني الحاكم دون أصوات معارضة، وذلك لانسحاب جميع نواب المعارضة داخل الكنيست من الجلسة مع بدء التصويت.
وسبق انعقاد الجلسة تجمع لأعداد كبيرة من المعارضين خارج مقر الكنيست كمحاولة لمنع وصول النواب إلى المبنى، وواجهتهم الشرطة بخراطيم المياه، فيما ألقت القبض على 19 من المحتجين على الأقل.
ومنذ طرحه في يناير الماضي، تسبب مشروع القانون في احتجاجات واسعة، دفعت نتنياهو لتعليق إجراءات تمرير القانون للتشاور مع المعارضة قبل تمريره.
و أعطى الكنيست موافقته المبدئية لمشروع القانون، في وقت سابق من يوليو الجاري، ما تسبب في تجدد الاحتجاجات المعارضة للمشروع والتي أسفرت عن إلقاء الشرطة الإسرائيلية القبض على 42 متظاهرا.
ودعا الرئيس الأمريكي جو بايدن، أمس الأول، نتنياهو، إلى عدم التسرع في إقرار التعديلات القضائية، خلال تصريحاته لموقع «أكسيوس» مضيفا «من وجهة نظر أصدقاء إسرائيل في الولايات المتحدة، فإن اقتراح الإصلاح القضائي الحالي أصبح أكثر إثارة للانقسام وليس أقل.
اعتداءات السيسي على القضاء
وتأتي خطوة نتانياهو ، لتقليم أظافر القضاء في مراقبة سلطات نتانياهو، وبما يضمن له النجاة من اتهامات بالفساد، قد تطيح به من الحكومة إلى السجن.
خطوات نتانياهو التي تقلق الإسرائيليين المتمسكين باستقلال قضائهم، بعيدا عن السلطة التنفيذية، جاءت بعد سلسلة من القرارت والتعديات الغاشمة ، من قبل صديق إسرائيل الحميم في مصر، عبد الفتاح السيسي، الذي أمم المؤسسات القضائية والتشريعية والتنفيذية تحت سلطاته، التي باتت سلطات مطلقة لا تقبل النقد أو النقض، وكان آخر تلك التعديات، تعيينه رئيس محكمة النقض بالمخالفة للقانون.
وجاء مرسوم السيسي الصادر بتاريخ 10 يوليو 2023م بتعيين المستشار حسني حسن عبداللطيف رئيسا لمحكمة النقض، خلفا لرئيسها السابق المحال للتقاعد المستشار محمد عيد محجوب غير دستوري.
وفق قانونيين وقضاة، اعتبروا أن ما فعله السيسي هو سابقة قضائية تحدث للمرة الأولى في اختيار رؤساء الهيئات القضائية عقب تعديلات قانون اختيارهم، والتي تعد انتهاكا صريحا لقانون السلطة القضائية المعدل.
وأنه إذا كان الدستور والقانون يلزمان السيسي بالاختيار من بين أقدم سبعة نواب، فإن المشروع لم يعط لرئيس الجمهورية أي سلطة تقديرية للخروج على الاختيار من بين النواب السبعة الأقدم؛ وبالتالي فإن ما فعله السيسي هو خرق واضح لنصوص الدستور والقانون.
وأنه يجوز لكل ذي صفة أو مصلحة، وهنا نتحدث تحديدا عن المستشارين السبعة الأقدم من نواب رئيس محكمة النقض، أن يطعن على قرار السيسي بتعيين رئيس لمحكمة النقض من خارج أقدم سبعة نواب بالمخالفة للدستور والقانون، ويمكن أن يتقدم بالطعن أحد أصحاب المصلحة أو جميعهم متضامنين.
ووفق إجماع بين قضاة محكمة النقض، فإن المستشار حسني حسن عبداللطيف المعين من السيسي رئيسا لمحكمة النقض خلفا لرئيسها السابق المحال للتقاعد المستشار محمد عيد محجوب هو الثامن في ترتيب الأقدمية بين قضاة المحكمة، فيما ينص الدستور بعد تعديله في أبريل 2019 في مادته رقم 185 على أن يُعيِن رئيس الجمهورية رؤساء الجهات والهيئات القضائية من بين أقدم سبعة من نوابهم، وذلك لمدة أربع سنوات، أو للمدة الباقية حتى بلوغه سن التقاعد، أيهما أقرب، ولمرة واحدة طوال مدة عمله، وتنص (المادة 44) من القانون الخاص باختيار رؤساء الهيئات القضائية في مصر، والصادر في يونيو 2019، على أن يُعيّن رئيس محكمة النقض ورئيس المجلس الأعلى للقضاء، بقرار من رئيس الجمهورية، من بين أقدم 7 نواب لرئيس المحكمة، وذلك لمدة 4 سنوات أو للمدة الباقية حتى بلوغه سن التقاعد أيهما أقرب، ولمرة واحدة فقط طوال مدة عمله.
وكان "عبد اللطيف" أدى اليمين الدستورية أمام السيسي، يوم 9 يوليو، رئيسا لمحكمة النقض، وكذلك المستشارين حافظ أحمد عباس محمد، رئيسا لهيئة النيابة الإدارية، ومسعد عبد المقصود بيومي، رئيسا لهيئة قضايا الدولة.
عسكرة القضاء
فيما تسود حالة من الغضب في أروقة المحاكم والهيئات القضائية المختلفة ونادي القضاة على خلفية القرار الحكومي والذي يقضي بإخضاع المُعيّنين في القطاع الحكومي إلى دورات تدريبية حكومية بـ”الكلية الحربية” كشرط رئيسي ضمن مسوغات التعيين، وشمول المُعيّنين في الهيئات القضائية ضمن هذا الشرط، ورصد نادي القضاة غضبا واسعا في أوساط القضاة والهيئات القضائية جراء صدور قرار مجلس الوزراء بشأن الدورات التدريبية الحكومية بعيدا عن السلطة القضائية، وتلقى النادي شكاوى قضائية كثيرة تؤكد الرفض المطلق للتدخل في أعمال السلطة القضائية؛ وهو ما دفع النادي إلى مخاطبة المجلس الأعلى للقضاء، ومطالبته بالتحرك لمواجهة هذا القرار”.
وحسب نادي القضاة برئاسة المستشار محمد عبدالمحسن، فإن هذا الشرط يخل باستقلال القضاء ويُعد تدخلا في أعمال السلطة القضائية، حسب خطاب من رئيس نادي القضاة إلى رئيس محكمة النقض ومجلس القضاء الأعلى السابق المستشار محمد عيد محجوب قبل إحالته للتقاعد في 9 يوليو 2023م لبلوغه السن القانونية، وصدور قرار جمهوري بتعيين المستشار حسني عبد اللطيف بدلا منه بالمنصب، واحتوى الخطاب على اعتراض القضاة على قرار مجلس الوزراء بخضوع المُعيّنين في القضاء إلى دورات تدريبية حكومية بـ”الكلية الحربية” مدتها 6 أشهر كشرط رئيسي ضمن مسوغات التعيين.
وسبق ذلك تعديات عديدة للسيسي على السلطة القضائية، بتشريعات مشينة ، سلبت القضاة استقلالهم، ووسعت سلطات السيسي التي كانت تقتصر فقط على التصديق على اختيارات هيئات القضاة، من من أقدم المناصب القائية لرئاسة الهيئات القضائية، إلى حرية الاختيار، ما أخضع القضاة لسلطة السلطة التنفيذية، بالمخالفة لكافة الدساتير والقوانين، وهو ما يحلم به نتنياهو في إسرائيل الآن.