«هي عزبة ولا دولة؟»… موظف في بنك يستولي على 70 مليون جنيه

- ‎فيتقارير

في بضع سنوات اختلس 70 مليونا دون أن يشعر به أحد، ذلك موظف صغير جدا لا يرى بالعين المجردة في نظام الانقلاب العسكري، وهو يعمل مسؤولا بأحد البنوك الاستثمارية في الغربية، ويتعلق الأمر بالاستيلاء على مبالغ مالية من حسابات عملاء البنك بالمحلة، والتي تم سرقتها على فترات مختلفة.

الجريمة لم يتم كشفها عن طريق حكومة الانقلاب أو الشرطة أو حتى البنك، إنما عن طريق أحد الضحايا ويدعى الدكتور عبد المعطي السمنودي، بعدما اكتشف أن مبلغ 6 مليون و600 ألف جنيه اختفى من حسابه في أحد البنوك الاستثمارية في الفترة من أغسطس 2022 إلى فبراير 2023.

وعلى الفور، قام الدكتور بتقديم شكوى رسمية لإدارة البنك والبنك المركزي وبلاغ للنيابة، مشيرا إلى أن أحد الموظفين بالبنك قام بالاستيلاء على المبلغ وعلى أموال بعض المودعين بما يفوق 70 مليون جنيه.

وكشف أيمن عصام المستشار القانوني محامي مقدم البلاغ، أن الموظف المتهم قام بعمل قرض باسم موكله وهو لا يعلم عنه شيئا، ويقوم البنك بخصم 20 ألف جنيه شهريا قيمة القسط الشهري للقرض الذي لم يحصل عليه.

وفي مقابلته مع بي بي سي، اعترف رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي بخطر الفساد، وقال: "نحن نقر بذلك، الناس لازم تعرف، والمصريون ليسوا بحاجة لأن يعرفوا حجم الفساد في بلادهم فهو مثار سخرية مريرة".

هم يحكون، في واحدة من نكاتهم الشهيرة، أن مواطنا ليس لديه خبرة سابقة في تقديم رشوة، ذهب لإحدى مؤسسات الحكومة لقضاء مصلحة، كان الموظف المختص مشغولا عنه، ورأى المواطن درج مكتب الموظف مفتوحا، فوضع فيه عشرين جنيها.

وأراد لفت انتباه الموظف إلى أنه سدد الرشوة لقضاء المصلحة، فقال: "يا أستاذ انتبه، سقطت منك عشرون جنيها في الدرج ، صرخ الموظف غاضبا، كيف تقول لي إن عشرين جنيها سقطت مني؟ فظن المواطن أنه في ورطة، غير أن الموظف تابع بسرعة قائلا له، اسأل كل الذين في الغرفة أو الذين تعاملوا معي، هل يسقط مني أقل من خمسين جنيها؟".

في ديسمبر من العام 2015 صرح المستشار هشام جنينة، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، إنه "من الصعب حصر حجم تكلفة الفساد داخل المؤسسات المصرية، ولكن من خلال التقارير الرقابية يمكننا القول بأن التكلفة خلال عام 2015 تجاوزت الـ 600 مليار جنيه وسيتم رفع كافة التقارير لرئاسة الجمهورية لاتخاذ الإجراءات اللازمة بهدف التصدي للمخالفات".

كانت هذه تصريحات جنينة لصحيفة اليوم السابع في ديسمبر 2015، وعقب رفعه لتلك التقارير، حدث ما لم يتوقعه المستشار، ولا أي عاقل على أرض مصر، حملة إعلامية شرسة هاجمت من كشف الفساد وطالبت بمحاسبته، بل واجتمع تسعون نائبا بالبرلمان في يناير 2016 مطالبين بتحويل هشام جنينة للنيابة العامة بتهمة الإساءة للدولة ونظامها ورئيس جمهوريتها.

بالرغم من أن المستشار لم يطالب سوى بالتحقيق في مخالفات مالية وسرقات، وكأن البرلمان يعترف صراحة بأن من قام بها، هو رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي.

الطريف، أن فداحة الرقم الذي ذكره جنينة، الذي مهمته مراقبة كافة أنشطة ومعاملات مؤسسات الدولة، أصاب الشعب المصري جميعه بالذهول، بل ودعا بعض معارضي النظام، للاعتقاد بأن المستشار قد بالغ -ربما- في عدد الأصفار، وعوضا عن التحقيق في إهدار الأموال، قامت نيابة أمن الدولة العليا، في مايو 2016 بالتحقيق مع “جنينة”، بتهمة الإضرار بمصالح الدولة،

 وفي يوليو من نفس العام، تم حبس من أبلغ عن السرقة، بعد اعفائه من منصبه، وقضت محكمة جنح القاهرة بمعاقبته بالحبس سنة مع الشغل وتغريمه 20 ألف جنيه وكفالة 10 آلاف جنيه، بتهمة نشر أخبار كاذبة.

وبعد الإفراج عن “جنينة”، أُحيل لاحقا للنيابة العسكرية، في فبراير 2018، لإدلائه بتصريحات صحفية، رآها الجيش تدين قياداته، فحكم عليه بالسجن 5 أعوام.

دخل الانقلاب في معركة مباشرة مع رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات لقيامه بدوره الطبيعي الذي عينته الدولة من أجله، وهو كشف ملفات الفساد، ما يعني أن الانقلاب ذاته، هو من يدير هذه الملفات.

بالوعة الفساد تلك، والتي لم نصل بعد لقاعها السحيق، وربما لن نصل إليه مطلقا، قد أُغلق غطاؤها بأحكام، عقب التخلص من رئيس الهيئة المحاسبية الأولى في مصر، وتهميش دورها تماما، ثم اصدار قانون يقضي بتعيين رئيس الانقلاب السيسي لكافة رؤساء الهيئات القضائية في مصر.