في ذكرى العشرية السوداء.. كيف سقط العلمانيون في الاختبار الديمقراطي؟

- ‎فيتقارير

كان الانقلاب العسكري اختبارا في مدى الالتزام بالقيم الديمقراطية من عدمه؛ فلا يمكن لأي شخص أو حزب أو حركة  يدعي أنه يؤمن بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ودولة الدستور والقانون أن يقبل بانقلاب وزير الدفاع على الرئيس المدني المنتخب بإرادة الشعب الحرة، حتى لو كان هذا الرئيس من أشد الخصوم السياسيين؛ لأن ما فعله الجنرال هو جريمة تنسف أي معنى  للدستور ودولة القانون؛ والقبول بالانقلاب العسكري على هذا النحو ودعمه وتأييده هو نسف لأي التزام بالديمقراطية وقيم الحرية والتداول السلمي للسلطة، هو نسف للقواعد الصلبة والأساسية التي تأسس عليها النظام، والقبول بذلك يعني أنه ليس من حقك  أن ترفض استخدام هذا الأسلوب وتلك الطريقة معك مستقبلا؛ وهو ما ينسف النظام السياسي من جذوره وهذا أكبر تهديد للأمن القومي ووحدة البلاد وتماسكها الاجتماعي والسياسي.

من جانب آخر فإن الإيمان بالقيم الديمقراطية يستلزم التسليم بنتائجها ما دامت أجريت بنزاهة ودون إقصاء لأحد؛ لأن التسليم بنتائج الديمقراطية إذا جاءت في صالحي والكفر بها إذا جاءت في صالح الخصوم يعكس نفاقا متجذرا وخللا في منظومة القيم ومرضا عضالا يحتاج إلى علاج نفسي وفكري مكثف؛ فالإيمان بالديمقراطية وقيمها يوجب الدفاع عنها والتسليم بنتائجها مهما كانت حتى لو كانت في صالح خصومي؛ فهذا عين الاستقامة السياسية والفكرية وبرهان على الاتزان النفسي والفكري والأخلاقي.

يدافع المؤيدون للانقلاب بأن ما جرى في 3 يوليو هو استجابة من الجيش لإرادة  الشعب التي تجلت في الملايين الذين نزلوا في 30 يونيو؛ لكن هؤلاء يتجاهلون الملايين الأخرى من أنصار الرئيس والذين نزلوا الشوارع أيضا في شتى محافظات الجمهورية يدافعون بأرواحهم عن إرادتهم الحرة ورئيسهم المنتخب وحريتهم التي اتنزعوها بثورة يناير المجيدة؛ ومعلوم أن الشارع منقسم على الرئيس من أول يوم كحال جميع الدول الديمقراطية؛ فحسب نتائج الانتخابات في يونيو2012م فقد فاز الرئيس بفارق مليون صوت في حين رفضه 12.25 مليونا انتخبوا مرشح الجيش الفريق أحمد شفيق؛ فهل إذا نزلت الأقلية في الشارع لأي سبب من الأسباب يوجب ذلك الإطاحة بالرئيس المنتخب؟! لا يقول بذلك عاقل في كل بلاد العالم التي استقرت دساتيرها على ضرورة استكمال الرئيس المنتخب مدته الدستورية حتى يجدد الشعب ثقته فيه أو ينزعها ليفوض رئيسا آخر بإدارة البلاد وفق الآليات الديمقراطية والقواعد الدستورية المستقرة.

الالتزام بهذه القواعد الديمقراطية هو الذي دفع الرئيس الشهيد محمد مرسي إلى رفض فكرة الانتخابات الرئاسية المبكرة التي طالبت بها المعارضة العلمانية قبل الانقلاب؛ فقد ذهبت تقديرات الموقف للرئيس الشهيد ومن حوله وقتها إلى أن القبول بالانتخابات المبكرة يمثل زعزعة لاستقرار البلاد وسابقة تسمح لكل معارضة أن تطالب بانتخابات رئاسية مبكرة بعد شهور من انتخابات كل رئيس وهو ما يعني عمليا عدم استكمال أي رئيس مدته الدستورية والأكثر خطورة أنه ينسف القواعد الصلبة للنظام السياسي والديمقراطي الوليد. فماذا إذا أجرينا الانتخابات المبكرة وفاز الرئيس مرسي مرة أخرى؟ فهل ستسلم هذه المعارضة بنتائج الديمقراطية أم ستظل تثير الفوضى وتطالب بعد عدة شهور بانتخابات رئاسية مبكرة جديدة؟ وإذا فاز مرشح آخر فهل من حق الإخوان وأنصارهم أن يضغطوا لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة لرفضهم مساره وسياساته كما فعل العلمانيون من قبل؟  كانت الإجابة على هذه الأسئلة حاسمة في رفض مطالب المعارضة العلمانية التي اتضح لاحقا أنها كانت مجرد ستارة استغلها الجيش للانقلاب على المسار الديمقراطي كله وإعادة احتلال البلاد بالوكالة عن الكفلاء في الخارج (الولايات المتحدة الأمريكية ـ إسرائيل ـ الإتحاد الأوروبي ــ الخليج). رغم ذلك فإن إعادة تفكيك المشهد وتحليله يمثل ضرورة كبرى في معركة الوعي للمحطات القادمة.

بعد تجربة الثورة والانقلاب،  لم يعد هناك مجال للتيار العلماني ـ باستثناء شخصيات قليلة ثبت نبلها ووطنيتها ــ أن يدعي أنه ديمقراطي أو يقبل بالتعايش المشترك فهو تيار في معظمه استئصالي إقصائي إلى أبعد الحدود لا سيما الناصريون واليساريون منهم؛ وهم على الدوام بيادق جاهزة تستخدمها الدكتاتورية العسكرية لتكريس الطغيان وفرض العلمانية بأدوات البطش والإرهاب. فهم قواه الناعمة وصوته المثقف الذي يقدم الخطاب الاستبدادي للسلطة بغلاف شفاف وبراق لتضليل الجماهير وخداعها  بدعوى حماية الدولة من السقوط ومكافحة الإرهاب.

الحقيقة المؤلمة التي انتهت إليها تجربة الثورة والانقلاب أن القوى العلمانية ــ في غالبيتها ـ والتي تتشدق كثيرا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان خلال سنوات ما قبل الثورة  كشفت عن عدائها السافر للديمقراطية  والتداول السلمي للسلطة عمليا، وعندما جاءت نتائج الديمقراطية لصالح خصومها من الإسلاميين كفرت بها ولم تسلم مطلقا بنتائجها، ولم يروا الشعب أهلا لهذه الديمقراطية لأنه لم ينتخبهم. والعجيب أنهم كشفوا عن عنصرية متجذرة في نفوسهم  وبغضا عظيما للمخالفين لهم على نحو صادم؛ وهو ما ينسف أي دعاوى عن قبولهم بالتعايش المشترك والقبول بالآخر؛ فهي مجرد لافتات وشعارات يسترزقون بها ويتجملون بها أمام العالم الخارجي. يبرهن على ذلك تحريضهم على المؤسسات المنتخبة بإرادة الشعب الحرة، والتحالف مع الدولة العميقة لتقويض التجربة الديمقراطية، ثم التحريض على ذبح الإسلاميين بعد الانقلاب ومباركة هذه المذابح والبحث عن تبرير لها ، واعتبار المتورطين في هذه الدماء من ضباط الجيش والشرطة أبطالا يستحقون أنواط الشجاعة والوطنية. وهذا سلوك موغل في الكراهية على النحو الذي عاينه العالم مع النازيين والفاشيين والصهاينة. بينما كان الإسلاميون يبذلون دماءهم وحريتهم وأموالهم في سبيل الدفاع عن ثورة يناير وتجربتهم الديمقراطية الوليدة ورئيس الدولة المنتخب بإرادة الشعب  الحرة.