«مصايف أولاد العسكر».. هكذا تفوقت خناقات الساحل على هروب العجول

- ‎فيتقارير

تفوقت مقاطع فيديوهات مشاجرات أولاد العسكر في قرى ومصايف الساحل على مقاطع هروب العجول أثناء الذبح في عيد الأضحى،  وتصدرت خناقة الساحل الشمالي، محركات البحث خلال الساعات القليلة الماضية، بعدما ظهر مجموعة من الشباب «بالمويوهات» في مقطع فيديو وسط حالة من الاشتباكات بالأيادي متسببين في فزع ورعب الزائرين.

وتُعد منطقة الساحل الشمالي، إحدى الوجهات السياحية للطبقات الغنية في مصر، التي تكون أغلبها بعد الانقلاب نتيجة الإثراء من نهب أموال الشعب، وأغلب أبناء هذه الطبقة من عائلات جنرالات الجيش والشرطة والقضاء ورجال الأعمال، إذ تضم مجموعة من أفخم القرى والمنتجعات السياحية التي تتميز بمياه البحر الزرقاء والرمال الذهبية الناعمة.

وانتهى الحال بالتصالح فيما بينهما على حسب ما أكده الإعلامي المطبل للعسكر أحمد موسى خلال برنامج «على مسئوليتي»، حيث أشار إلى تصالح جميع أطراف خناقة الساحل الشمالي التي دارت بين رواد أحد المطاعم، وانتهى الأمر قبل وصوله إلى النيابة العامة.

وعلقت الفنانة المصرية جوري بكر، عبر حسابها على إنستغرام، على مشاجرة الساحل الشمالي قائلة: "الخناقة دي للأسف كانت إمبارح وفي ناس اتبهدلت".

وهاجمت بكر عددا من المطاعم والمحال التجارية بالساحل الشمالي خلال وجودها هناك بسبب الأسعار المبالغ فيها، واصفة الأمر بـ الاستغلال والسرقة".

يقول الناشط جميل سعد: "فيه كمية فيديوهات لا بأس بها شغاله ليها كام يوم عن خناقات الفنادق بالكراسي في كل المدن السياحية الغردقة و الساحل الشمالي و شرم الشيخ واشتباك نزلاء مع ملاك إحدى القرى السياحية والصفحة اللي منزله الخبر بتقول فرقوهم بالرصاص الحي".

وفي إحدى جلسات مؤتمر الشباب السابع في مصر، حدث أن عُرض على رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي صورة ساخرة "كوميك" تُظهر الضفدع "كيرميت" مُمسِكا بالميكرفون، ومُعلِنا "وفاة المغفور لها الطبقة الوسطى بعد صراع طويل مع البلد"، لم يُعلِّق السيسي على الأمر، فقط اكتفى بإطلاق بعض الضحكات الخفيفة غير المبالية، شهر واحد عقب هذا المؤتمر، تحديدا في سبتمبر 2019، واندلعت أول احتجاجات اقتصادية واجتماعية من نوعها في عهد السيسي، ولم يكن للطبقة الوسطى أي حضور فيها.

في العالم التالي 2020، خرجت التظاهرات حتى من قبل سبتمبر، وكانت مطالبها في مجملها اقتصادية واجتماعية، ومرة أخرى، كان هناك غياب يكاد يكون تاما للطبقة الوسطى المصرية العريضة، رغم أنها مُتضررة بالدرجة الأولى من مشروع السيسي الاقتصادي والاجتماعي، حيث تصدَّرت المشهد مُجددا الطبقات الدنيا، وهو أمر يدعو للاندهاش، خاصة حين نعرف أن البنك الدولي وثق في بيان صادر عام 2016، أي في بدايات برنامج الإصلاح الاقتصادي للسيسي، وثق تسجيل الطبقة الوسطى المصرية أكبر تراجع لطبقة متوسطة على مستوى العالم منذ بداية الألفية وحتى تاريخ صدور البيان، مُتقدِّمة على اليونان والأرجنتين وروسيا.

وفقا للبيان الدولي، تقلَّصت الطبقة المتوسطة في مصر بأكثر من 48%، لينخفض عددها من 5.7 مليون شخص بالغ في عام 2000 إلى 2.9 مليون بالغ في 2015، يُمثِّلون نسبة 5% فقط من إجمالي البالغين، ويستحوذون على ربع الثروة الوطنية، على الرغم من أن مساهمتهم في الناتج المحلي أضعاف تلك النسبة.

في الحقيقة، لا يمكننا أن نحمل السيسي وسياساته وحدهما المسؤولية عن هذا التراجع الدرامي للطبقة الوسطى، حيث يمكن اعتبار ثورة 25 يناير 2011، في إحدى صورها، انتفاضة للطبقة الوسطى المصرية في وجه السياسات التي أدت إلى إفقارها وتهميشها، وهي سياسات دشنت في المقام الأول في عهد حكومات رجال الأعمال السابقة على الثورة، بقيادة عاطف عبيد وأحمد نظيف.

وبحسب مراقبون يمكن اعتبار الحراك السياسي المصري منذ عام 2005 مرورا بثورة يناير احتجاجا للطبقة الوسطى على سياسات الإفقار التي تُهدِّد وجودها، وبرامج صندوق النقد وحكومات رجال الأعمال، وهو الحراك الذي استمر حتى عام 2013 بتظاهرات مدبرة من العسكر ضد الحكم الناشئ لجماعة الإخوان المسلمين، قدمت بوعي تام -على الأغلب- غطاء شعبيا للانقلاب العسكري، الذي قضى على الحياة السياسية تماما في مصر، وأعاد الطبقة الوسطى والمجتمع كله إلى وضعية أسوأ مما كانت عليه قبل بداية الحراك كله في 2005.

بعد سنوات من الانقلاب الدامي الذي قاده السيسي مع بعض جنرالاته، وبعض النخب، ومؤيدا من بعض القطاعات الشعبية، ظهرت أثار سياساته السلبية على لحمة النسيج المجتمعي بمصر.

لم يكن السيسي في سعيه الحثيث نحو الطبقة الوسطى للانتقام منها فقط، ولكن لإنهائها بشكل عملي بشتى الطرق، وللأسف فإن عددا من الدول في إفريقيا وأمريكا اللاتينية “نجحت” في إنهاء الطبقة الوسطى وتمثل “نماذج” على ذلك.

وينطلق السيسي من مبدأ أن الطبقة الوسطى يجب أن تعاني ويجب أن تدفع نتيجة أي تطلع قامت به، وألا يكون هناك دعم من الدولة يمكن أن تستفيد منه.

وأثناء حكم الرئيس الشهيد محمد مرسي أراد فريق خبراء صندوق النقد الدولي أن يقلل الدعم، حتى تتم السيطرة على العجز المالي، وأراد فريق الصندوق أن يتم رفع الدعم بشكل مباشر، بمعنى أن تقوم الدولة بين ليلة وضحاها برفع الأسعار على الجميع وتخفيض الدعم، وهي طريقة الصندوق المعتمدة في الدول النامية.

كان رد حكومة هشام قنديل على مطالب الصندوق بالتأكيد أن رفع الدعم سيكون غير مفيد، خاصة أن الدعم في مصر يتم سرقته بنسبة لا تقل عن 15 إلى 20%، فاذا تم غلق منافذ السرقة وإيصال الدعم لمستحقيه فعلا وبالكمية المناسبة فقط، فإن هذا كفيل أن يخفض الدعم بنسبة أفضل من النسب التي يطلبها الصندوق، وسيحافظ أيضا على الطبقات الوسطى والأدنى.

وإذا كان هناك من يجب أن يرفع عنه الدعم فلنبدأ بالأغنى، فلا يجب دعم بنزين 95 مثلا بنفس نسبة دعم البنزين الاقتصادي مثل 80 أو 90، وكانت فكرة “كارت الدعم” التي قام الدكتور باسم عودة بالانتهاء منها في وقت قياسي كفيلة بضبط منظومة الدعم ومعرفة أين يذهب حتى آخر مستفيد.

لا يقوم السيسي بالاستسهال حين ألغى فكرة كارت الدعم، بل يدرك تماما أنه اذا أراد أن يؤذي الطبقة الوسطى فإن هذا يمكن أن يتم برفع الدعم مرة واحدة، وبهذا فإن الطبقة الوسطى التي طمحت يوما أن يكون لدى أسرتها سيارة ستدفع الثمن لهذا الطموح.

واذا أرادت أن تشتري سلعة معمرة لتحسين مستوى معيشتها، ستدفع الثمن أكثر من أربعة أضعاف ما كانت تدفعه، وإذا أرادت أن تتشبث بتعليم معقول مثل المدارس التجريبية، سيتم إلغاؤها حتى لا يكون في مصر إلا مستوين فقط، طبقة أغنياء لن يغضبها السيسي، وعليها أن تصمت اذا رأت غيرها يموت جوعا وإلا طالتها عصى السيسي، وطبقة أخرى تعاني الفقر المدقع، لا تجد من يهتم بها، مسموح لها فقط أن تفقد قيمها وأن تجد قوت يومها بأي طريقة من بعضها بعضا، مما أدى إلى ارتفاع معدلات الاقتصاد الأسود بمصر، في حين يرى السيسي أنه يمشي في الطريق الصحيح.