باتت مصر في عهد الانقلاب الدموي وتزامنا مع العشرية السوداء للعسكر، مقسومة بين الجيش الذي يبتلع كل المشاريع والأنشطة الاقتصادية والأراضي بعيدا عن رقابة أي مؤسسة محاسبية أو رقابية، وبين الصندوق السيادي الذي يخضع لسلطة السيسي فقط، وبلا أي رقابة على أملاكه ومشاريعه واستثماراته بعيدا عن موازنة الدولة المصرية، وبعيدا عن رقابة الأجهزة الرقابية والمحاسبية.
فيما على المصريين بات الفقر والعوز مصيرهم المحتوم، وعليهم دفع لضرائب والرسوم والغلاء الناجم عن نقص الدولار وسعار الضرائب والرسوم المفروضة يوما تلو الآخر، والناجم أيضا عن تطبيق الفاتورة الإلكترونية وغيرها من الجبايات الحكومية المتتالية ليل نهار على المصريين.
ومع مخطط السيسي لتفريغ القاهرة من مقار الحكومة لبيعها بأسعار عالية وتحويلها لفنادق ومتنزهات للأغنياء ولمن يدفع فقط، بدأت تتكشف بعضا من خطط السيسي للسيطرة على أملاك مصر وإدارتها لحسابه الخاص بعيدا عن خطط الدولة نهائيا.
وبدأت وزارة العدل اعتبارا من أمس الأربعاء، الانتظام في العمل بكامل طاقتها، من مقرها الجديد بالعاصمة الإدارية الجديدة.
ووفق تصريحات لمسئوليين بالوزارة، فإن علاقة الوزارة بمقرها المعتاد في "ميدان لاظوغلي" بوسط القاهرة، انتهت منذ أمس الأول الثلاثاء، بنقل العمل في كافة قطاعات وإدارات وزارة العدل إلى مقرها الجديد بالعاصمة الإدارية.
وقد جرى إخطار الموظقين بالوزارة بنقل تبعية مقرات الوزارة القديمة وهي مبنيان كبيران يبلغ ارتفاع الأول 16 طابقا والثاني 14 طابقا وجراج ضخم وقطعة أرض كبيرة، إلى صندوق مصر السيادي، وذلك تمهيدا للتصرف فيه وفقا لرؤية القائمين على الصندوق.
ومن المقرر تحويل مقرات وزارة العدل القديمة إلى مبنيين فندقيين تابعين لسلسلة فنادق دولية كبرى، وذلك عقب الانتهاء من التفاوض بشأنها.
والمبنيان الخاصان بوزارة العدل بلاظوغلي ضخمان، حيث يقع المكتب الفني للوزير، ومكتب مساعد أول ولجان التوفيق، و قطاع الديوان العام، وقطاع التخطيط والتنمية الإدارية والمتابعة، وقطاع المحاكم، و قطاع الخبراء والطب الشرعي، وقطاع الشهر العقاري والتوثيق، وإدارة التحكيم والمنازعات الدولية، وإدارة الكسب غير المشروع، وإدارة شؤون الإدارات القانونية، وإدارة التعاون الدولي والثقافي، وإدارة مكافحة الفساد والشكاوى.
وإدارة المحاكم المتخصصة، وإدارة حقوق الإنسان والمرأة والطفل، وإدارات التطوير التقني ومركز المعلومات القضائي، والتفتيش القضائي، والتشريع، والإعلام ومجلسي النواب والشيوخ، والمركز القومي للدراسات القضائية، وصندوقي أبنية دور المحاكم والشهر العقاري، والرعاية الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية.
نهب أصول الدولة
وبمرور الوقت تحول الصندوق السيادي إلى دولة داخل الدولة المصرية، فالصندوق الذي تأسس بموجب القانون رقم 177 لسنة 2018م، يحظى بمزايا وامتيازات ضخمة لم تحصل عليها أي مؤسسة أخرى باستثناء الجيش الذي يسيطر فعليا على نحو 90% من أراضي مصر، لكن الصندوق الذي يقع تحت إشراف مباشر من المنقلب الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، بات يسيطر فعليا على معظم ثروات مصر وأهم المواقع في القاهرة وباقي المحافظات.
من جانب آخر، فإن الصندوق السيادي، وبحكم التعديلات التي تم إدخالها على قانون تأسيسه وأقرها البرلمان، بات محصنا بشكل كامل من المساءلة والرقابة الرسمية والشعبية والملاحقة القانونية، وهو الأمر الذي يفتح الباب أمام الفساد والمحسوبية وإهدار المال العام، وهي التعديلات التي أثارت حينها علامات استفهام حول كيفية إدارة أموال الصندوق وأصوله، وكيفية التصرف في حصيلة بيع تلك الأصول المملوكة له والتي هي في الأصل أصول تابعة للدولة ومملوكة للمصريين.
الصندوق السيادي حصل أيضا على إعفاء معاملاته وأنشطته والكيانات المملوكة له بالكامل من جميع الضرائب والرسوم، وهو ما يضيع مليارات الجنيهات على خزينة الدولة، ويطرح تساؤلات حول الهدف من تأسيس الصندوق، وما إذا كان الهدف هو تزويد الخزانة العامة التي تعاني من عجز مالي كبير بالسيولة النقدية ورفدها بالأموال كما تردد، أم اغتراف الصندوق المليارات من هذه الخزانة الخاوية عبر الإعفاء من سداد الضرائب، وإذا كانت مؤسسة بحجم الصندوق السيادي يتم إعفاؤها من سداد الضرائب والرسوم، فهل بات المواطن والموظف البسيط هو من يسدد تلك الضرائب من جيبه المخروم أصلا؟.
وكان مجلس نواب العسكر قد أقر تعديلا حكوميا على قانون إنشاء "صندوق مصر السيادي"، يهدف إلى تقنين إجراءات نقل الأصول المستغلة وغير المستغلة للدولة إلى الصندوق، بحيث تشمل إدارة أموال وأصول الدولة، والجهات والكيانات والشركات التابعة لها، أو التي تُعهد إليها إدارتها، أو التي تساهم الدولة فيها.
وحصن التعديل قرارات رئيس الانقلاب بنقل ملكية الأصول إلى الصندوق من الطعن القضائي، والذي اقتصر على الجهة المالكة أو الصندوق نفسه، وعدم رفع الدعاوى ببطلان العقود التي يبرمها الصندوق، أو التصرفات التي يتخذها لتحقيق أهدافه، أو الإجراءات التي اتخذت استنادا لتلك العقود، أو التصرفات، إلا من أطراف التعاقد من دون غيرهم.
ووفق مراقبين، فقد بات الصندوق معبرا للسطو على ثروات مصر وتوفير السيولة للنظام الذي أدمن الاقتراض ولم يعد قادرا على إدارة موارد الدولة بشكل صحيح وشفاف كما يجري في صندوق "تحيا مصر".
وبحسب الصحفي الاقتصادي مصطفى عبدالسلام، فإن طبيعة صندوق مصر السيادي غير معروفة، فهل هو صندوق سيادي يتولى إدارة فوائض الدولة المالية في الخارج على غرار الصناديق السيادية الخليجية، وصندوق النرويج، أكبر صندوق في العالم، أم أنه صندوق تؤول إليه أصول الدولة لإدارتها، وفي هذه الحالة ما الفارق بينه وبين الوزارات الاقتصادية، مثل وزارة قطاع الأعمال العام، والشركات القابضة التابعة لها عشرات من الشركات الحكومية؟
ويرى أن غياب الرقابة عن الصندوق والمزايا والامتيازات الضخمة التي يحظى بها جعلت منه لغزا يفوق لغز صندوق "تحيا مصر" الذي يشرف عليه السيسي أيضا، مؤكدا أن الصندوق السيادي تحول إلى دولة داخل الدولة، لأن هذا الصندوق مملوك للمصريين ويدير أموال وثروات وأصول الدولة، وليس صندوق استثمار يملكه عدد من كبار رجال الأعمال والمستثمرين والشركات الخاصة الذين قد يحددون سياساته الاستثمارية وكيفية إدارة أمواله خلال غداء عمل.