ملايين الأسر لا تجد لقمة العيش..عمالة الأطفال جريمة في زمن الانقلاب

- ‎فيتقارير

 

في ظل حالة الانهيار الاقتصادي في زمن الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي وعدم قدرة المصريين على الحصول على احتياجاتهم الضرورية، بسبب الارتفاع الجنوني في الأسعار وتراجع الدخول تضطر الكثير من الأسر إلى دفع أطفالها الصغار إلى سوق العمل، لمساعدتها في الحصول على لقمة العيش .

ورغم أن هذه الأسر معذورة وليس لديها وسيلة أخرى، إلا أن دخول الأطفال سوق العمل يعرض الكثير منهم لمشاكل نفسية، والبعض منهم يخرج عدوانيا تجاه المجتمع، وغيرهم تنتهي حياته بالموت حزنا أو قتلا أو عن طريق الانتحار.

وهناك آباء حاولوا الضغط على أبنائهم للعمل في سوق يشوبه الكثير من الممارسات غير الأخلاقية والبدنية، البعض منهم كان يريد أن يبني طفله بدنيا واجتماعيا ويكون العمل بمثابة تجربة بناء للذات، وغيرهم أجبروا أبناءهم على العمل لاحتياجهم للمال.

هؤلاء الأطفال، أجبرتهم الحياة على معايشة قسوة الواقع لتزيد على أعمارهم سنوات من الشقاء، منهم من يعمل في مهن شاقة، ومنهم من يقضي يومه على الأرصفة مع طلوع الفجر حتى غروب الشمس على أمل أن يحصلوا على بضعة جنيهات.

حكايات مؤلمة

على بعد خطوات من شارع الوحدة بمنطقة إمبابة بالجيزة الطفل «زياد» يقبض بيديه على عربته الحديدية وعليها بقايا الروبابيكيا، رغم ضعف جسده، إلا أن شقاء الحياة أعطاه قوة تفوق عمره الذي لم يتجاوز 12 عاما.

وقال «زياد» بحسرة شديدة: “أبويا وأمي ماتوا وأنا عايش مع عمي وبصرف على نفسي، وأضاف مش عايز أتكلم، ويعنى لو اتكلمت إيه الفايدة؟.

وتابع قائلا: “استحالة يحسوا بطفل تيتم بدري واتكتب عليه يعيش مع ناس بيأكلوا في لحمه، موضحا أنه مثل غيره من الأطفال قرروا أن يعيشوا الحياة ومتاعبها منذ صغرهم لظروف خاصة”.

وأشار إلى أن 50 جنيها هي محصلة يومه الذي يبدأ من السادسة صباحا حتى الخامسة بعد العصر، بعدما يقوم بجمع الروبابيكا وتسليمها للتاجر.

فرن عيش

الطفل «مروان» يعمل في أحد أفران الخبز بأرض اللواء، منذ 5 سنوات حتى يتمكن من تحصيل مصاريفه الدراسية.

وقال «مروان» : “أبويا قال لي اعتمد على نفسك أنت مش صغير، يستكمل الطفل مشيرا إلى أنه لا يزال في المرحلة الابتدائية، وقرر والده عدم دفع مصاريفه الدراسية بحجة قدرته على العمل، رغم أن عمره لا يتعدى 10 أعوام”.

وأشار إلى أنه اختار العمل في «فرن عيش» لقربه من منزله، ومعرفته الشخصية بأصحاب الفرن وقال: “اللي تعرفه أحسن من اللي ماتعرفوش”.

وأضاف «مروان» : “رغم حرارة الفرن والعمل قرابة 10 ساعات يوميا، إلا أنني في نهاية الشهر لا اتحصل على أكثر من 600 جنيه، موضحا أنه خلال فترة الإجازة الصيفية أحاول أن أجمع مبلغا من المال يكفي مصروفاتي الدراسية والملابس والمواصلات طوال شهور الدراسة”.

حول سوق العمل وما به من صراعات أكد أنه اكتسب بعض المفردات التي لا تليق بسنه وبعض التصرفات التي تفوق عمره أضعافا، وقال: “يومي في الشغل بيخليني أكبر عن سني الحقيقي سنين طويلة”.

مواقع التواصل 

من جانبها قالت غادة الرملي، ناشطة حقوقية: إنها “طرحت قضية عمالة الأطفال «أون لاين» أو ما يسمى بـ«العمالة التكنولوجية»، وهي استغلال الطفل ماديا من خلال تصوير يومه بداية من استيقاظه حتى النوم مساء، يقوم فيه أولياء الأمور بإجبار أطفالهم على تصوير فيديوهات معينة وعرضها على «يوتيوب» أو «تيك توك» حتى وإن دفع الأمر للغياب من المدرسة”.

وأضافت غادة الرملي في تصريحات صحفية : “مثل هذه الممارسات من استغلال الأطفال وعملهم بالإجبار لا يحاسب عليه القانون، والذي اكتفى فقط بالأعمال الشاقة مثل الحدادة والنجارة والتسليح وغيرها التي تحتاج إلى جهد بدني”.

وأشارت إلى أن الطفل هنا مش بيعرف يعيش طفولته بيمسك الموبايل علشان يشتغل وملتزم بمواعيد وغيره ماسك الموبايل بيلعب ألعاب للترفيه، موضحة أن القانون كان يحظر عمالة الأطفال قبل سن الـ16 عاما، لأنه لا يعلم شيئا عن الثقافة الجنسية في حالة تعرضه للتحرش، ولا يستطيع الدفاع عن نفسه إلا بعد سن البلوغ فهنا يستطيع الدفاع عن نفسه.

ظروف صعبة

وقالت رشا صبري، خبيرة قانونية، “في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة زادت عمالة الأطفال خاصة في المطاعم والمحلات والشوارع، وجميعهم ينتمون إلى أسر متوسطة الحال”.

وأشارت رشا صبري في تصريحات صحفية إلى أن “فكرة الأب عن بناء ابنه ذاتيا، وأن يكون معتمدا على نفسه أمر مهم، لكن له ضوابط بمعنى أن يكون السن لا يقل عن 15 سنة، ومنها يبدأ الطفل في اكتساب المهارات الاجتماعية دون مخاطر، وأن يعمل لكي يكسب قوت يومه لدفع مصاريف المدرسة وليعلم الطفل مدى المسئولية الواقعة على الأب ويعاونه عليها، وتلك الثقافة عادة نجدها في المحافظات، من منطق العرف وليس القانون، فالعرف بالنسبة للكثير من المحافظات أن الابن يساعد والده في سن مبكرة حتى ولو بأعمال بسيطة، وهنا لا نجد مسئولية قانونية طالما الطفل يعمل بكامل إرادته في أعمال خفيفة لا تؤدي إلى عبء جسدي ونفسي”.

وأكدت ضرورة أن يتحلى المواطنون بالإيجابية في حال رؤية أي تجاوز تجاه طفل وإجباره على العمل في مجال شاق.

جريمة

واعتبرت الدكتورة منى حمدي، استشاري علم النفس أن عمالة الأطفال وخروجهم لسوق العمل وهم في مرحلة الطفولة والمراهقة وقبل اكتمال جوانب نموهم المختلفة جريمة في حق الطفل والمجتمع، مشيرة إلى أنه خلف دوافع الأهل المزيفة وتبريراتهم تقبع دوافع خفية تتميز بالاستغلال والأنانية وعدم تقدير وتحمل المسئولية والاستهتار، وهي سمات تشير لتراجع الأبوة والأمومة لديهم، كما تؤكد وجود فقر عقلي ونفسي وعاطفي بجانب الفقر المادي الذي دفعهم لقتل أطفالهم تحت مسمى العمل.

وقالت «د.منى» في تصريحات صحفية: إن “الكثير من الآباء والأمهات من فئات اجتماعية معينة يعتبرون إنجاب الأطفال نوعا من أنواع الاستثمار بالغير، وهو ما يعد انحرافا عن الدور الأساسي للوالدين من رعاية أطفالهم إلى استغلالهم واستخدامهم كأنهم ممتلكات خاصة من أجل جني المال”. 

وحذرت من أن تشغيل الأطفال هو قتل لطفولتهم وخنق لنموهم الطبيعي وإعاقة لتكوينهم السوي والصحي، فالطفل كي ينضج ويتحول لراشد بالغ سوي يمر بمراحل تدريجية محددة بميقات وعمر، وكل مرحلة لها سمات ومتطلبات واستعداد للوصول لأقصى حد لنضج العمر والمرحلة، الذي لا يأتي إلا مترتبا على مرحلة سابقة ومهيئا لمرحلة لاحقة، وجميع المراحل تعمل تحت مظلة عيش الطفولة وليس الإنضاج المبكر المدمر للشخصية والمهلك للعقل والنفس والروح.

صحة الطفل

وأشارت «د.منى»  إلى أن عمل الأطفال يؤدي للتسرب من التعليم أو إهماله، مما يعيق قدرتهم على الذهاب إلى المدرسة أو متابعة الدراسة بالشكل المطلوب، ويؤثر تأثيرا بالغا على الطفل عقليا ومعرفيا وعلى تطور قدراته ومهاراته الذهنية في توقيت نموها واكتمالها وبشكل تدريجي وعبر مسارات محددة كالتعليم وممارسة الهوايات والرياضة واللعب والركون للراحة الطفولية.  

وأضافت أن العمل البدني قد يؤثر على صحة الطفل ونموه الجسدي والتناسق الجسمي والعضلي والعظمي، وكذلك قد يؤثر على البصر والسمع نتيجة الجروح والكدمات الجسدية، وهذه التشوهات قد تؤثر على صورة الذات وقد يصاب الطفل باضطراب تشوه الجسد فيكره جسده وتشوهاته وأثار الجروح والكد والشقاء .

وقالت «د.منى» إن “التطور المعرفي للطفل يتأثر نتيجة ترك المدرسة ويفقد فرصته في نمو قدراته المعرفية والذهنية وتطوره العلمي التراكمي الذي مصدره الوحيد التعليم والدراسة واللعب واللهو وممارسة الهوايات وراحة الأطفال، كما تتأثر قدراته على القراءة والكتابة والحساب وقتل فرص إبداعه وظهور مواهبه بجانب قصور في التطور العاطفي والوجداني، ويهدم التطور العاطفي ويعاني الاعتلال الجسدي والذبول والنحول وضعف البنية الجسدية، نتيجة عمل غير مناسب لقدرته البدنية وقلة النوم أو اضطرابه واحتمالية تعرضه للعنف والإيذاء البدني واللفظي والنفسي من قبل صاحب العمل أو زملائه بالعمل، مما يخلق لديه ميولا عدوانية وغضبا مكبوتا ويهيئه للتحول إلى شخصية سيكوباتية مضادة للمجتمع”.

وتابعت «د.منى» غالبية ضحايا الاعتداء الجسدي والنفسي والجنسي والمعنفين، هم الأطفال الذين خرجوا لسوق العمل وكل هذا يهدد توازنهم النفسي والاجتماعي ويقتل طفولتهم بمهدها بكل قسوة وقلب بارد.