أصل العلمانية كتيار فكري نشأ في أوروبا مع بدايات عصر النهضة؛ حين ثارت المجتمعات الأوروبية على حكم الكنيسة أو ما يعرف بالحكم الإلهي المقدس (الحكم الثيوقراطي)، فقد كانت الكنيسة تسيطر على هذه المجتمعات باسم الله، لها وحدها حق تفسير النصوص الدينية في الكتاب المقدس ولها وحدها حق تحديد ما هو حلال وما هو حرام. ولم تتوقف الكنيسة عند ذلك، بل تمادت وطغت وسيطرت على حق تفسير ما هو من علوم الطبيعة بناء على تفسيرات الكنيسة لبعض نصوص الكتاب المقدس التي تتعلق ببعض مظاهر الطبيعية. أصرت الكنيسة على فرض تصوراتها بما لها من نفوذ وهيمنة مطلقة وصبغت مواقفها بصبغة مقدسة باعتبارها مواقف معبرة عن حقائق دينية لا تقبل الشك أو الجدل. رغم أنها أمور طبيعية يتم التعرف عليها بالعلوم والتجارب والاكتشافات والخبرات الإنسانية المتراكمة.
جمود الكنيسة وتشددها أدى إلى صدام مروع بين العلم من جهة والكنيسة من جهة أخرى، واعتبرت الكنيسة عند العلماء عدوا للعلم، الأمر الذي انسحب على الدين فاعتبر كثير من العلماء أن الدين ضد العلم ولا يمكن أن يجتمعا. مشكلة هؤلاء العلماء أنهم انطلقوا من حكم خاص يتعلق بموقف الكنيسة إلى حكم عام من خلال الزعم أن الدين بشكل مطلق بمعنى أي دين هو في عداء بنيوي مع العلم. رغم انهم لم يعرفوا من الأديان إلا النصرانية وفق فهم وتأويلات الكنيسة ولم يتعرفوا على باقي الأديان حتى يكون حكمها تابعا لمنهجية علمية صحيحة. وهو ما يعني أن هؤلاء العلماء أنفسهم ناقضوا أنفسهم عندما زعموا أن الدين والعلم متناقضان. والصحيح أن النصرانية والعلم متناقضان وليس الدين (بمعنى أي دين) لأن الإسلام حث على العلم وشجع عليه، وأول آية نزلت هي (اقرأ).
وقد تناولت ول ديوران في كتابه «قصة الحضارة» بعضا من مشاهد الصدام الدموي بين الكنيسة والعلم، فقد اضطهدت الكنيسة (كوبرنيكس) عام 1543م حيث قال إن الأرض تدور حول نفسها مرة كل 24 ساعة، فيحدث تبادل الليل والنهار، وتدور حول الشمس مرة كل عام، فيحدث تغير الفصول الأربعة، وأن الشمس هي مركز الكون وليس الأرض كما كان معتقدًا قبل ذلك في الأوساط الأوروبية. تعجبت الكنيسة لهذا الكشف حين حاكمته بميزان ما وصفتها بالحقائق الإنجيلية، إذ وجدته يتناقض مع معتقداتهم، ومع الإحساس الظاهري للبشر، ومع الجبال الساكنة في نظر النصوص المقدسة! لذلك اتهمته الكنيسة بالهرطقة (الكفر)، وطلبوه للقتل، بل وأحرقوا كتبه وأبحاثه ومنعوا تدريسها، ولم يكتشفوا صحة ما وصل إليه إلا بعد وفاته بسنوات وسنوات.
نفس الأمر تكرر مع جاليليو حيث أثبت أن كوبرنيكس كان على حق، وأن الشمس هي مركز الكون، واكتشف أيضًا أن القمر ليس جسمًا مستويًّا، فقد أمر البابا بإحضاره بالقوة رغم شيخوخته وسوء صحته، للتحقيق معه لتأييده فكرة تحرك الأرض، وحكمت الكنيسة عليه بالسجن في بيته (قيد الإقامة الجبرية) إلى أن يموت! وأعدمت الكنيسة أيضًا برونو حرقًا في ميدان عام لدفاعه عن تحرك الأرض، وتوقعه وجود أراضين أخرى! وتوسعت الكنيسة في محاكم التفتيش التي تعد أكبر جريمة ارتكبتها مؤسسة دينية على مر التاريخ الإنساني كله؛ ووقد حكمت تلك المحاكم على تسعين ألفًا وثلاثة وعشرين عالمًا بأحكام مختلفة في الفترة ما بين سنة 1481م إلى سنة 1499م، أي في غضون 18 سنة. وفقا لما ذكره العلامة يوسف القرضاوي في كتابه (البابا والإسلام).كما أصدرت قرارات تُحرِّم قراءة كتب جيوردا نويرنو، ونيوتن لقوله بقانون الجاذبية، وتأمر بحرق كتبهم، وقد أحرق بالفعل الكاردينال إكيمنيس في غرناطة 8000 كتابًا مخطوطًا لمخالفتها آراء الكنيسة!
هذه المواقف المتطرفة من الكنيسة أسقطت أوروبا في عصور الظلام (العصور الوسطى) سقأ دفعت كثيرا من العلماء والمجتمعات إلى التمرد على حكم الكنيسة، ودعا كتاب ومفكرون من أمثال (ديكارت وفولتير) إلى ضرورة الثورة على الكنيسة والدين عموما وأنه لا أمل في طلب العلم والابتكار إلا بهدم سلطان الكنيسة، وإلا بمحو الدين تمامًا من الصدور، والاتجاه إلى الإلحاد بكل ما تعنيه الكلمة من معان. فأعلنوا صراحة معارضتهم للكتب المقدسة كالتوراة والإنجيل؛ لاحتوائهما على ما يتعارض مع الحقائق العلمية، ولاعتقادهم بأن الدين -كما رأوا- هو اضطهاد العلم والعلماء، وهو الحجر على العقول. وحرضوا على إعلاء قيمة العقل في مقابل النصوص الدينية التي وجدوها تتصادم مع الحقائق العلمية، وحجتهم أن العقل يستطيع إدراك الحقائق العلمية، ويستطيع التمييز بين الخير والشر.
وكان أبرز محطات التمرد على حكم الكنيسة إصدار الجمعية الوطنية الفرنسية قرارات سنة 1790م، والتي قصمت ظهر الكنيسة، حيث سرحت الرهبان والراهبات، وأجبرت رجال الكنيسة على الخضوع للدستور المدني، وأخذت تعين هي رجال الكنيسة بدلا من البابا. ثم جاء القانون الذي أقرته الحكومة الفرنسية عام 1905م بفصل الدين عن الدولة على أساس التفريق بينهما، وإعلان حياد الدولة تجاه الدين، كقاصمة أخرى شجعت المعارضين للكنيسة على نقد نصوص الكتاب المقدس والكنيسة بحرية، كما أجبر هذا القانون رجال الكنيسة على أن يقسموا يمين الولاء للطاعة والشعب والملك والدستور المدني الجديد. وتوالت القرارات بعد ذلك لتعم دول أوربا كلها، ليتقلص بذلك دور الكنيسة من محاولة السيطرة على أمور العلم والسياسة، ولتنزوي تمامًا داخل الجدران، فتمارس فقط الوعظ والترانيم في ظل هروب النصارى واتجاه بعضهم إلى الإلحاد وآخرون إلى الانشغال بأمور معاشهم، وخلال العقود الماضية بدأت قطاعات لا يستهان بها منهم اعتناق الإسلام بعدما ساهمت الثورة في عالم الاتصالات (الفضائيات ـ يوتيوب ـ مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها) في تعرف الملايين منهم على الإسلام ومعتقداته وأحكامه ونصوص القرآن التي أذهلت العلماء من دقتها وعدم تصادمها مطلقا مع حقائق العلم الحديثة.
كانت العلمانية إذا علاجا لأمراض الكنيسة والمجتمعات الأوروبية، لكن المؤسف أن البعض يريد للأمة الإسلامية أن تشرب نفس الدواء رغم انها لم تعاني مطلقا من أمراض الكنيسة ولم تعاني بلادنا من حكم رجال الدين باسم الحق الإلهي المقدس، ولم يحدث ولا مرة واحدة أن وقع صدام بين الإسلام ونصوص القرآن من جهة وما توصلت إليه العلوم الكونية الطبيعية والتجريبية من جهة أخرى.
الأمر الآخر أنه في الفكر الإسلامي والتجربة الإسلامية لا توجد "كنيسة" كما لا توجد مؤسسة دينية كهنوتية ، وبالتالي فكرة العلمانية لم تكن مطروحة في السياق الحضاري الإسلامي ، لأن وجه الخطر فيها غير مطروح ، وكان الفقهاء والعلماء لهم حريتهم وفضاؤهم الواسع المباشر مع الناس ، ولهم موقعهم المتباعد عن السلطة ، بل هناك أدبيات كثيرة في التراث الإسلامي تحذر من اقتراب العالم من السلطان ، غير أن ظهور الدولة القومية الحديثة ، أنهى هذه الاستقلالية ، وأنتج في دول العالم الثالث المسلمة ظاهرة المؤسسة الدينية وما يشبه الكهنوت الديني الذي يخضع لسيطرة السلطة وتستخدمه السلطة لتعزيز هيمنتها وقهرها للناس ، وهو الأمر الذي يستوجب اجتهادا جديدا وشجاعا في الفكر الإسلامي ، لرفع الإصر عن الناس ، وتحريرهم من هذا "الكهنوت" الديني المبتدع ، والذي يعوق تطلعات الشعوب للحرية والكرامة والنهوض، وتحرير الإسلام ذاته من تغول السلطة المستبدة التي صنعت المؤسسة الدينية لتكون خادما لها ومبررا لطغيانها وجرائمها ودعما لبقائها في السلطة قهرا واستبدادا.
وبحسب الكاتب الكبير فهمي هويدي في مقاله (علاقة الدين بالدولة) المنشور بجريدة الشروق في سبتمبر2016م: «فقد أثبتت التجربة فشل فكرة الفصل بين الدين والدولة، ناهيك عن تعذر ذلك الفصل من الناحية العملية، خصوصا فى المجتمعات التى يتجذر فيها الشعور الإيمانى، لذلك فإن التحدى الحقيقى يتمثل فى كيفية صياغة تلك العلاقة بصورة متوازنة تحول دون طغيان كل طرف على الآخر. بحيث لا توظف الدولة الدين لصالحها، ولا تتحكم المؤسسات الدينية فى سياسة الدولة. والصيغة المطروحة للحفاظ على ذلك التوازن تقوم على عنصرين، أولهما التمييز بين الدين والسياسة واحترام حدود كل منهما من ناحية، وثانيهما الالتزام بقيم الديمقراطية والحرية التي تحمى المواطنة وتضمن المشاركة وتقوى حضور المجتمع بمختلف مؤسساته المدنية والدينية، بما يحول دون تغول السلطة واستبدادها».