في ظل انعقاد جلسات ما يسمى بالحوار الوطني بين فرقاء تحالف 30 يونيو الانقلابي، قرّرت نيابة أمن الدولة العليا، الثلاثاء 16 مايو 23م، تجديد حبس الطبيب والمحاضر البارز هاني سليمان، لمدة 15 يوماً، بعد اتهامه في القضية رقم 508 لسنة 2023م. ووجهت النيابة لسليمان تهمة "الانضمام إلى جماعة إرهابية، وتمويلها، ونشر أخبار كاذبة"، إثر نشره تدوينات عبر حسابه الشخصي في "فيسبوك"، انتقد فيها جنرال الانقلاب عبد الفتاح السيسي وطرح تساؤلات عن مصروفات عائلته ومجوهرات زوجته وابنته، وقارنها بمصروفات أيّ أسرة مصرية من الطبقة المتوسطة.
الرسالة الأولى أن تجديد حبس سليمان في ظل انعقاد جلسات الحوار الوطني هو بحد ذاته إجراء ينسف أي معنى للحوار أو انتظار أي نتائج إيجابية من ورائه؛ لأن سليمان لم يعتقل لجريمة فعلها بل لأنه مارس حقه كمواطن في التعبير عن رأيه في انتقاد نظام الحكم القائم. وبالتالي فإن اعتقال سليمان والتجديد بحبسه هو ضربة ودعاية مضادة لهذا الحوار المزعوم. كما يمثل ذلك حرجا بالغا لأحزاب المعارضة العلمانية الشكلية التي تتحاور مع نظام كهذا.
الرسالة الثانية، أن حالة اعتقال الدكتور هاني سليمان تقضي على أن معنى لدعوات بعض المحسوبين على السلطة والذين يطالبون المهاجرين بالخارج بالعودة والمعارضة من الداخل؛ فهذا رمز وطني له حيثية واعتبار اجتماعي جرى العصف به وبكل حقوقه في لحظة؛ في رسالة لا تخفى دلالتها بأن النظام العسكري هو يتنفس ظلما وبطشا وطغيانا ولا يمكن أن يتخيل نفسه ولو لدقيقة واحدة بدون أدوات القمع والإرهاب.
الرسالة الثالثة، أنه لا أمل مطلقا في نظام الدكتاتور السيسي، فمن اغتصب السلطة بانقلاب وقتل الآلاف لا يمكن أن يشعر مطلقا بأي أمان وسيبقى على الدوام خائفا مرعوبا ولن يترك السلطة مطلقا بأي وسيلة سليمة ولن يدع سلاحه مطلقا حتى يقتل غيلة بسلاح رفاقه بعدما بات عبئا على الدولة والمجتمع والنظام والمنظومة المالية والاقتصادية نفسها والتي ضربها الشلل والجمود.
واعتقلت مليشيات السيسي الدكتور هاني سليمان من منزله في 27 مارس2023م، وحُقق معه في اليوم التالي، وأودع سجن أبو زعبل من وقتها، وتقرّر حبسه للمرة الأولى في 28 مارس لمدة 4 أيام، ثم تجدّد حبسه لمدة 15 يوماً بشكل متواصل.
وقبل اعتقاله مباشرة، كتب سليمان تدوينة حظيت بانتشار واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تساءل فيها: "هل تستطيع مؤسسة الرئاسة أن تخبرنا بسعر ساعات يد الرئيس أو بدلاته أو أحذيته، والتي كثيراً ما تساءل المصريون عن أنواعها وأشكالها وموديلاتها وأسعارها!؟". وأكمل سليمان: "هل تستطيع أي مؤسسة أو جهة رسمية أن تخبرنا عن أسعار ملابس وأزياء وفساتين وحقائب يد السيدة حرم الرئيس، أو عن أسعار المجوهرات والحُليّ التي ترتديها في المناسبات؟ وهل تستطيع أي جهة رسمية أن تخبرنا عن نوع وسعر العقد الذي كانت ترتديه ابنة الرئيس في حفل زفاف ابنة ملك الأردن، والذي أثار دهشة وتعجب وتساؤل الكثيرين من المصريين؟".
وواصلت نيابة أمن الدولة العليا التحقيقات مع الطبيب في اتهامات تتعلق "بانتمائه إلى جماعة محظورة، والسعي لتحقيق أهدافها داخل مصر، والإساءة إلى رئيس الجمهورية ورأس النظام المصري"، وهي التهم التي نفاها الطبيب كلها. وأقرّ خلال التحقيقات بملكيته للحساب الشخصي على "فيسبوك"، وأنه هو من نشر التدوينات عليه، وأنه المسؤول عنها، وأن ذلك يأتي في إطار حقه في التعبير عن آرائه، وليس بتوجيه من أحد أو لتحقيق أغراض أي جماعة.
وفي برهان على انعدام النظام للإنسانية بكل مؤسساته وهيئاته وتشكيلاته، جدّدت نيابة أمن الدولة رفضها للطلب المقدم من دفاع الطبيب المصري بإخلاء سبيله بأيّ ضمان مالي تراه النيابة، أو وضعه في أحد المستشفيات على نفقته الخاصة لتلقي العلاج اللازم، بعد أن أكدت أن حالته الصحية متدهورة، وظهر ذلك في جلسة التحقيق معه، لكونه يبلغ من العمر 67 عاماً، ويعاني أمراضاً مزمنة تحتاج رعاية طبية خاصة. وأكد دفاع الطبيب عدم وجود خطر أو تحفظ على سير التحقيقات في حال وجود سليمان خارج مقر حبسه على ذمة القضية، مع التعهد بالمثول أمام جهات التحقيقات في الوقت الذي تحدده.
وتحت عنوان (الحقيقة المؤلمة!)، كتب الدكتور هاني سليمان قبل اعتقاله: "من يفكر، أو يعتقد، أو يتخيل، أو يتوهم أنه يمكن إزاحة نظام السيسي عن طريق انتخابات ديمقراطية شفافة، فهو حالم، أو واهم، أو نائم، أو في غيبوبة. السيسي لن يقبل أبدا أبدا أبدا أن يصبح "رئيسا سابقا"، ولا يمكن أن يتصور نفسه واقفا في قفص الاتهام، أمام محكمة عسكرية، أو مدنية ليُحاكم على جرائمه، ولا يتخيل أن يصبح "حاكما سابقا" يبحث عن مهرب، أو مهجر، أو ملجأ يعيش فيه بعيدا عن مصر، خوفا من كشف جرائمه، وفضائحه، وفساده، وفشله، وخوفا من محاكمته على يد النظام الجديد، بطلب من الشعب الذي حكمه بالحديد والنار».
وأضاف: «لا يمكن أن يتصور السيسي نفسه لاجئا فيصبح عرضة للمطاردة من سلطات بلده ومحاكمته بتهم: الفساد، والفشل، وسوء الحكم، وإغراق مصر في الديون، ونهب ثرواتها، وبيع أصولها، ومنع الحريات، وتكميم الأفواه، وانتهاك حقوق الإنسان، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية.. إلخ.. إلخ. السيسي الذي قال: ربنا خلقني طبيب أشوف الحالة وأوصف الدوا.. ربنا قال لي: هخللي [سأجعل] معاك البركة.. ففهمناها سليمان.. أنا قعدت 50 سنة أدرس يعني إيه دولة.. ما تسمعوش كلام حد غيري، اسمعوا كلامي أنا بس.. إلى آخره من الكلام الذي يدل على مغالاة كبيرة جدا في قيمة نفسه والتي تصل إلى حد الغرور، أو حتى إلى حد الخبل، واعتقاده أنه مُوحى إليه، أو مُكلف بمهمة ربانية لن يسمح أبدا أبدا أبدا لأي شخص أن يزيحه من مكانه، ويقصيه عن كرسيه، الذي يعتقد أنه منحة من الله عز وجل، كما قال هو نفسه!
ويتابع: في وجود كل تلك العوامل والظروف والملابسات والشخصيات، أتعجب كثيرا ممن يعتقدون أنه يمكن أن تُجرى في مصر انتخابات ديمقراطية حرة نزيهة وشفافة، يفوز فيها شخص مدني على السيسي، وينتزع منه حكم مصر.أما القوى السياسية الوطنية، وأحزاب المعارضة الكرتونية، ورجال الدولة المدنية الذين يصرون على أنه يمكن لمدني منافسة السيسي، والوصول لحكم مصر، فهؤلاء إما طيبون جدا، أو سُذَّج جدا، أو على نياتهم جدا جدا جدا، ولا أقول متواطئون، أو موالسون، أو منتفعون.
فإذا سألني أحد: كيف سيرحل السيسي إذن؟!
سأجيب عليه: إنني أعتقد، وفي رأيي المتواضع جدا، أن السيسي لن يرحل إلا بواحدة من ثلاث: إما بانقلاب عسكري جديد قد يكون انقلابا صريحا أو غير صريح.. أو بإرادة من الله عز وجل وانتهاء العمر لأي سبب.. أو بانتفاضة شعبية ساحقة تهدد بخراب البلد، فتضطر شلة المنتفعين من السيسي للتخلي عنه.. وهذه بالذات لا أتمنى حدوثها أبدا.