تبريرا لفشلها حكومة الانقلاب تتهم المزارعين ببيع القمح لمصانع الأعلاف وعدم توريده إلى وزارة تموين الانقلاب لاستخدامه في إنتاج رغيف الخبز بدلا من استيراده من الخارج، حكومة الانقلاب تمهد بهذه الاتهامات لرفع سعر رغيف الخبز وتقليص الدعم مثلما رفعت أسعار السلع التموينية، وهي بذلك تحاصر الفقراء وتعمل على تجويعهم كما تعمل على ابتزاز الفلاحين وإجبارهم على توريد الأقماح بأسعار بخسة لا تغطي تكلفة زراعة وإنتاج المحصول، ما يهدد بعزوف المزارعين عن زراعة القمح في الأعوام المقبلة .
اتهامات حكومة الانقلاب بدأت من برلمان السيسي، حيث تقدم أيمن محسب، عضو مجلس نواب السيسي بطلب إحاطة يتهم فيه المزارعين ببيع القمح إلى مربي الدواجن وأصحاب مزارع التسمين وإنتاج بيض المائدة لاستخدامه كأعلاف بديلا للذرة، زاعما أن هذه ظاهرة خطيرة تهدد بنقص كميات كبيرة من القمح الموجه إلى منظومة الخبز المدعم.
أسعار التوريد
وقال محسب: إنه "في الوقت الذي تسعى فيه حكومة الانقلاب نحو زيادة الإنتاج المحلي من القمح لتحقيق الاكتفاء الذاتي يتجه المزارعون إلى بيع القمح إلى مربي المواشي والدواجن، لاستخدامه كأعلاف بعد ارتفاع أسعار الذرة إلى مستويات غير مسبوقة؛ حيث يقدر سعر طن الذرة بـ20 ألف جنيه، فيما وصل سعر طن القمح للقطاع الخاص إلى 13 ألف جنيه بحسب تعبيره".
كما زعم أن أسعار التوريد تقترب من العالمية، وتحقق هامش ربح جيد للفلاح، حيث يبلغ سعر الأردب إلى 1500 جنيه، لافتا إلى أن العقوبات والغرامات المقررة على الفلاح الذي يقوم بتوريد القمح للقطاع الخاص، لا توازي الخسارة التي سيتعرض لها عند بيع القمح بسعر أقل من الأعلاف، الأمر الذي يهدد بخسارة كميات كبيرة من القمح بسبب سلوك بعض المزارعين وفق تعبيره .
الأعلاف
في المقابل قال الدكتور محمد عبدالهادي أستاذ المحاصيل بكلية الزراعة جامعة عين شمس: إن "استخدام القمح كعلف يؤثر على إنتاج الخبز، موضحا أنه لكي يتم إنتاج الخبز نقوم باستيراد حوالي 50% من استهلاكنا من القمح، لذلك لا يجب هدر ما نزرعه في مصر من مساحة الـ 3 ملايين فدان قمح المزروعة ونحوله إلى أعلاف؛ حيث إن متوسط إنتاج فدان القمح 3 أطنان أي ننتج 9 ملايين طن".
وأضاف عبدالهادي في تصريحات صحفية أن حجم الاستهلاك من القمح يصل إلى 18 مليون طن، وبالتالي لابد من توجيه الـ9 ملايين طن المزروعة في مصر لإنتاج الخبز فقط ولا يتم تسريبهم إلى إنتاج الأعلاف .
وشدد على ضرورة توفير أعلاف لمزارع الدواجن والمواشي وغيرها حتى لا يتجه أصحاب هذه المزارع لاستخدام القمح كأعلاف، لافتا إلى أن نقص هذه الأعلاف يجبر هؤلاء على استخدام القمح كعلف للدواجن والمواشي.
وطالب بضرورة التصدي بشكل قوي لهذا السلوك الذي يعرض محصول القمح للخطر، مشددا على أنه من الخطورة تخصيص القمح كغذاء للدواجن، لأن استخدام القمح كعلف يحتاج إلى إضافات ومعالجات حتى يصلح كعلف، ولذلك لن يتم الاعتماد كليا على القمح كغذاء للدواجن والمواشي، كما أن الدواجن والمواشي لا تقبل كثيرا على تناول القمح، فضلا عن أن القمح لن يعطي الجودة التي تعطيها الذرة الصفراء كعلف، وبالتالي تهدر كميات القمح دون تحقيق أي عائد مجزٍ.
وأشار عبدالهادي إلى ضرورة حماية القمح والحفاظ عليه، خاصة في ظل الحرب الروسية الأوكرانية، والتي تشكل تحديا كبيرا لاستيراد القمح، مؤكدا أن سعر طن القمح في العام الماضي بعد بدء الحرب، كان قد وصل إلى 490 دولارا بعدما كان 250 دولارا، وهذا يعني وجود زيادة في أسعار القمح العالمي.
سياسات واضحة
وشدد الدكتور رشاد عبده، أستاذ الاقتصاد والاستثمار والتمويل الدولي بالجامعات المصرية على ضرورة وضع قواعد حاكمة لتوريد القمح من المزارعين، وأن يكون السعر الذي تحدده حكومة الانقلاب مغريا للفلاحين ويدفعهم لتوريد القمح لتموين الانقلاب بدلا من بيعه للقطاع الخاص .
وقال عبده في تصريحات صحفية: إن "مصر من كبرى الدول التي تستورد القمح، لذا يجب وضع ضوابط رادعة ليس بالاستنزاف، ولكن بتشجيع الفلاح على الالتزام بتوريد القمح لحكومة الانقلاب، موضحا أن رفع سعر القمح لن يحقق خسائر لحكومة الانقلاب مقارنة باستيراده من الخارج بالعملة الصعبة".
وكشف أن عدم التزام الفلاح بتوريد القمح تسبب في أزمة أكبر، تفاقمت بعد حرب روسيا وأوكرانيا، حيث ظهر شح القمح، وارتفعت أسعاره العالمية وفي المقابل تم طلب شراء القمح من الفلاح المصري، ولكنه لم يزرع القمح نظرا لشراء نظام الانقلاب القمح العالمي بحجة أنه أرخص من القمح المصري.
وطالب عبده، حكومة الانقلاب بأن يكون لديها سياسة واضحة، وأن تخطو وزارة الزراعة ووزارة التموين للتنسيق مع رئيس وزراء الانقلاب حتى يتم التنسيق بين السياسات لمعرفة سعر توريد القمح سنويا، ومعرفة ما هو هامش الربح الذي يكون أكثر من التكلفة.
وشدد على ضرورة التخطيط للسنوات المقبلة بشأن محصول القمح ووضع سياسات ثابتة ومستقرة ومعلنة وواضحة ودائمة، تصلح لجميع الأعوام القادمة، لأن الأجراء الوقتي سيجعلنا نواجه تكرار نفس المشاكل في الأعوام القادمة.
حلول سريعة
وقال الدكتور علاء الدين عبدالسلام أستاذ تغذيه الدواجن وتصنيع الأعلاف، بكلية الزراعة جامعة عين شمس: إن "بيع القمح واستخدامه كعلف للدواجن والمواشي، يكشف عن سلسلة المشاكل التي تتعلق بتنظيم صناعة الدواجن".
وأوضح عبدالسلام في تصريحات صحفية أن استخدام القمح كعلف واحدة من المشاكل الجديدة والطارئة، معتبرا أن استخدام محصول يستخدم في تغذية الإنسان ويتم توفيره بعناء، ثم يتم تحويله واستخدامه في تغذية الدواجن والماشية، خطرا كبيرا خاصة مع الاستمرار في خلق أزمة في صناعة الدواجن ثم خلق أزمة أكبر للإنسان.
وأضاف، رغم أن القمح عندما يضاف له معالجات معينة ومعاملات غذائية، يمكن أن يصلح كعلف ولكن لا يحبذ ذكرها، حتى لا يتم التشجيع على تحويل القمح إلى علف، لأنه بذلك سيتحول إلى الضغط على الدولار لصالح القمح ولصالح الدواجن، في حين أننا من المفترض أن نضغط لصالح الإنسان المصري ولصالح رغيف العيش.
وشدد على ضرورة أن يكون هناك تدخل صحيح لإنقاذ القمح وتنظيم صناعة الدواجن، محذرا من أن سياسات الترميم والتجاهل للأزمتين سيعقد الأزمة بشكل أكبر وأعنف، مطالبا بحلول سريعة وتنفيذها فورا، لإن المشكلة لم تعد فقط توفير أعلاف، ولكن إعادة وتنظيم هيكلة هذه الصناعة حتى تنطلق وتتعافى لصالح المجتمع.