مع الأزمات الاقتصادية والارتفاع الجنوني في الأسعار وتزايد معدلات التضخم ومعدلات الفقر في الآونة الأخيرة؛ حذرت مؤسسة تمويل دولية وبنك "جولد مان ساكس" من أن مصر سوف تواجه خيارا صعبا يتمثل في تسريع ما يسمى بالإصلاحات الاقتصادية التي يفرضها صندوق النقد والبنك الدولي أو مواجهة المزيد من التعديل المؤلم في شكل انخفاض في قيمة العملة المحلية وتقليص الواردات الذي بدوره يزيد وتيرة التضخم ويعرقل عجلة النمو .
وقالت المؤسسة في تقرير لها "اذا كانت أزمة التضخم تلاحق العالم كله خاصة بعد تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد من ناحية والحرب الروسية الأوكرانية من ناحية أخرى، إلا أن الوضع في مصر أخطر بكثير من دول العالم الآخرى بسبب حالة الانهيار الاقتصادي التي تعيشها البلاد" .
وطالبت حكومة الانقلاب باتخاذ إجراءات أكثر مرونة لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة والعمل على زيادة وتيرة الإنتاج، ومن ثم رفع معدلات التصدير لتقليل آثار التضخم.
كما طرح التقرير سيناريوهات الخروج من الأزمة مثل زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر بشكل كبير إلى 14 مليار دولار سنويا في المتوسط على مدى السنوات الثلاث المقبلة ضعف المتوسط التاريخي والعمل علي زيادة تمويل سوق المال إلى 6 مليارات دولار سنويا على مدى السنوات الثلاث المقبلة، مقسما بين تدفقات المحافظ الواردة والإصدارات السيادية؛ والعمل على تقليص عجز الحساب الجاري إلى 2.6% بحلول العام المالي 2026/2025، من 3.5% في العام المالي الحالي، والسعي إلى زيادة فاتورة الصادرات.
شهور الصيف
في نفس السياق توقع بنك "إتش إس بي سي" أن تتجاوز معدلات التضخم 40% خلال شهور الصيف المقبل بجانب حدوث تراجع أكبر للجنيه المصري أمام العملات الأجنبية .
وقال البنك في تقرير له إن "التطورات التي كان يتنبأ بحدوثها بشأن تدفقات النقد الأجنبي لم تتحقق في الوقت الذي اشتدت فيه الضغوط مرة أخرى على العملة، موضحا أنه بعد أن كان يتوقع في يناير الماضي أن يصل متوسط سعر صرف الدولار إلى 32.5 جنيه، عدّل توقعاته ليتراوح السعر بين 35 و42 جنيها مقابل الدولار بمتوسط 39 جنيها للدولار".
وأشار إلى أن الاقتصاد المصري يعاني من أضرار كبيرة ترتب عليها زيادة كبيرة في أسعار المواد الغذائية والوقود، وانقطاع إيرادات السياحة الحيوية، فيما تعاني البلاد في نفس الوقت من أسوأ أزمة في العملات الأجنبية تمر بها منذ سنوات.
وأوضح البنك أن حكومة الانقلاب حصلت على ودائع بقيمة 13 مليار دولار من حلفائها من دول الخليج الغنية بالبترول، بما في ذلك السعودية وقطر، دعما لمواردها المالية وتنتظر تلك الدول مزيدا من الوضوح بشأن مسار الجنيه المصري، وتأكيدات بأن سلطات الانقلاب تُجري إصلاحات اقتصادية عميقة قبل التعهد بمزيد من المساعدات.
وحذر من أن التراجع في سعر صرف الجنيه سيضيف أعباء إضافية إلى الأسعار المرتفعة بالفعل، ومن الممكن أن يرفع معدل التضخم فوق 40% خلال أشهر الصيف.
ولفت البنك إلى أن قرار البنك المركزي بزيادة أسعار الفائدة بـ300 نقطة أساس، أثر سلبا على معدلات النمو التي تعاني بالفعل بسبب تراجع المعنويات وهبوط الدخل الحقيقي، كما سيضيف ضغوطا على التمويل العام، مما يؤخر الاستقرار في معدلات الدين المرتفعة بالفعل.
أزمة الركود
من جانبه قال الخبير الاقتصادي الدكتور علي الإدريسي إن "مؤسسات التمويل الدولية تلجأ إلى تقييم أداء اقتصاديات الدول من خلال الأداء الاقتصادي للدول، وتضع سيناريوهات إيجابية شريطة عمل إصلاحات على مستويات عدة سواء على المستوى المالي أو النقدي أو على مستوى سياسات الاستثمار والإنتاج والتشغيل".
وأضاف "الإدريسي" في تصريحات صحفية "أزمة الركود والتضخم هي أزمة عالمية تصيب جميع الدول خاصة أن الاقتصاد العالمي تأثر بجائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، وعلاجها يتمثل في السيطرة على جانب الطلب وتثبيت سعر الفائدة إلى جانب العرض وهذا يرتبط بسياسات الإنتاج والتشغيل وجذب مزيد من الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة".
وشدد على ضرورة العمل على تحقيق معدلات اقتصادية أكبر مع السعي لتحقيق معدلات صادرات أكبر بحيث تنعكس بشكل إيجابي أكبر على العملات وتقليص عجز الميزان التجاري.
وطالب "الإدريسي" باتخاذ حزمة من الإجراءات وتنفيذها على أرض الواقع من خلال تقديم حكومة الانقلاب المزيد من الحوافز والضمانات للمستثمرين والقضاء بشكل كامل على الأسواق الموازية والسوداء للعملة ووجود سعرين للصرف .
وانتقد تسعير الكثير من الشركات العقارية والسيارات والحديد والصلب لمنتجاتها وسلعها بالدولار خلال تعاقداتها بسعر آخر غير الأسعار الرسمية المعلن عنها.
تخفيض الجنيه
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس إن "الروشتة التى ذكرها تقرير جولد مان ساكس لعلاج الانهيار الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم هي إجراءات روتينية لأن أزمة الحالة المصرية ترجع بشكل كبير إلى تخفيض قيمة الجنيه، كما نحتاج إلى قُبلة حياة من مؤسسات التمويل الدولية خلال الـ3 سنوات القادمة للسيطرة على الأسعار وتثبيت سعر الفائدة والعمل على زيادة القوة الشرائية للجنيه".
وكشف "النحاس" في تصريحات صحفية أن قرارات حكومة الانقلاب والبنك المركزي برفع أسعار الفائدة لـ19% وسعر أدوات الدين 21.7% كلها أدت للأضرار بالسياسة المالية، مشددا على ضرورة تثبيت سعر الفائدة والقضاء على السوق السوداء.
وطالب بضرورة عقد اجتماع عاجل للمجلس الأعلى للاستثمار وأن يجتمع كل أطراف الحقيبة الاقتصادية سواء البنك المركزي ولجنة السياسات المالية والنقدية وهيئة الاستثمار والرقابة المالية لدراسة الآراء مع اتخاذ في كافة التدابير لمراعاة الكوارث التي يتحملها رجل الشارع.
وقلل "النحاس" من أهمية السيناريو المتفائل الذي يدور حول تكثيف حكومة الانقلاب جهودها في تنفيذ أجندة الإصلاحات، مما يعزز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الواردة وتقليص عجز الحساب الجاري تدريجيا من خلال دعم نمو الصادرات بشكل أكبر على المدى المتوسط .