دلالات مقتل ضابط في اشتباكات مع مهربي مخدرات  في جنوب سيناء

- ‎فيتقارير

قتل ضابط من مكتب  مخابرات حرس الحدود في مدينة أبو رديس بجنوب سيناء السبت غرة إبريل 2023م، خلال اشتباكات مع مهربي مخدرات، ويعتبر هذا هو الهجوم الثاني من نوعه الذي يقع في جنوب سيناء في غضون شهر حيث قتل ضابط احتياط برتبة ملازم نهاية فبراير الماضي. والضابط القتيل هو  النقيب محمد عمر جمال، من محافظة المنيا، يعمل في قوة الكتيبة 105 حرس حدود ساحلي الواقعة في مدينة أبو رديس في جنوب سيناء والتي تتمحور مهامها حول مراقبة ساحل خليج السويس.

الملاحظة الأولى أن مقتل الضابط تزامن مع زيارة جنرال الانقلاب عبد الفتاح السيسي لمقر قيادة قوات شرق القناة في وسط سيناء الواقع بالقرب من محافظة السويس والتي شدد خلالها على أنه «لن يسمح لأحد أن يرفع السلاح، ولن يسمح بالسلاح إلا في يد الدولة» معلنا انتصار الدولة على الإرهاب وأن «سيناء هتبقى شكل تانى بعد الانتصار على الإرهاب».

وأنشئت القيادة الموحدة لقوات شرق القناة في يناير 2015 حيث وضعت وحدات الجيشين الثاني والثالث الميدانيين العاملين في سيناء تحت قيادة واحدة، وافتتح السيسي في فبراير 2018 مقر القيادة بالتزامن مع تنفيذ «العملية الشاملة سيناء 2018».

الملاحظة الثانية أن هذا هو الهجوم الثاني في اشتباكات مع مهربي مخدرات  خلال شهر واحد ، وفي فبراير الماضي جرى اشتباك في جنوب سيناء سقط خلاله قتلى ومصابين من القوات المسلحة بالقرب من مدينة سانت كاترين، عندما قتل ملازم أول من قوة الدفعة 159 ضباط احتياط، عمرو شهاب أبو النيل، وأصيب أربعة عسكريين آخرين، بينهم ضابط برتبة مقدم وثلاثة جنود، وهو الهجوم الذي أعلن عنه المتحدث العسكري بعد أكثر من 36 ساعة من وقوعه، مؤكدًا أن القوات نجحت في إحباط محاولة تهريب كمية من المخدرات، وجرى تبادل لإطلاق النيران مع المهربين.

الملاحظة الثالثة ،  أن عمليات الاشتباك مع مهربي المخدرات في جنوب سيناء خلال الشهر الماضي والحالي تتزامن مع حملة أمنية موسعة شنتها وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب بمشاركة قوات من حرس الحدود على منطقة "البرث" جنوب رفح بشمال سيناء،  استهدفت مصادرة زراعات المخدرات وشبكات التهريب التي استغلت علاقتها بالأجهزة الأمنية وغياب دور السلطة في مناطق سيطرتها وقامت بزراعة المخدرات بشكل علني تحت  سمع وبصر النظام. اللافت أن هذه المنطقة تعد أبرز معاقل «إتحاد قبائل سيناء» المساند للجيش في مواجهة تنظيم "ولاية سيناء"، وهو الإتحاد الذي أسسه رجل الأعمال المقرب من السلطة إبراهيم العرجاني. شارك في الحملة التي امتدت عدة أيام عشرات الآليات المصفحة وكثير من الضباط والجنود وعناصر الشرطة  من العاملين بإدارة مكافحة المخدرات. وكان دور قوات حرس الحدود هو العمل كدليل في المنطقة وحماية قوات الداخلية من أي مواجهات محتملة  مع زارعي المخدرات وأفراد اتحاد القبائل الذين لا يزالون يحملون السلاح حتى اليوم.  هذا الإجراء هو الأول من نوعه منذ عشر سنوات يمثل تحولا مهما وخطيرا في تعامل السلطة مع عناصر المجموعات القبلية الموالية لها.  وتفسير ذلك أن القرار لا بد أن يكون قد صدر من مستويات أمنية عالية بهدف السيطرة على منطقة  "البرث" ومصادرة بعض الأسلحة، وملاحقة زراعة المخدرات وترويجها، وقطع طرق التهريب من مصر إلى سيناء، وبالعكس. ورغم انتشار زراعة المخدرات من جانب قيادات باتحاد القبائل خلال السنوات الماضية إلا أن السلطة فضلت التغاضي عن ذلك مقابل مساندة هذه المجموعات القبلية للنظام في حربه ضد تنظيم ولاية سيناء. وبالتالي فالحملة تبعث رسالة واضحة بأن السلطة استخدمت المجموعات القبلية كورقة دعم ضد مسلحين ولاية سيناء،  فلما شعر النظام بحسم المعركة ضد المسلحين لم يعد للمجموعات القبلية حاجة؛ وبالتالي يتجه النظام حاليا إلى مواجهة هؤلاء الذين استخدمهم من قبل؛ وراح يلاحق انشطتهم غير المشروعة والتي يعلم النظام عنها كثيرا كزراعة المخدرات والتجارة فيها وتجارة السلاح والتهريب وغير ذلك.

الملاحظة الرابعة، هذه الحملات المتتابعة ضد شبكات تهريب المخدرات تمثل ترجمة حرفية للضغوط الإسرائيلية؛ حيث تشكو حكومة الاحتلال باستمرار من عمليات تهريب المخدرات  من وإلى سيناء. بخلاف انتشار تجارة المخدرات على نحو واسع بين الأهالي في شمال سيناء، واستغلال تلاميذ مدارس في عمليات التهريب والترويج.  وقد برهن النظام على حرصه على  تأمين الحدود  مع إسرائيل ومنع تهريب المخدرات إليها؛ حيث شن حملات موسعة ضد مافيا التهريب في سيناء؛ وقد أصدر المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة الأربعاء غرة مارس 2023م، بيانا كشف فيه عن مقتل ضابط وإصابة ضابط آخر وجندي ، خلال اشتباكات وقعت بين قوات حرس الحدود ومهربي مخدرات في جنوب سيناء؛ مؤكدًا أن القوات نجحت في إحباط محاولة تهريب كمية من المخدرات، بعدما اشتبهت إحدى الدوريات، التي تنفذ مهام تمشيط عدد من المحاور والطرق، في إحدى السيارات، وعند الاقتراب منها جرى إطلاق النيران. ولفت البيان إلى أن القوات تمكنت من قتل أحد المهربين.

الملاحظة الخامسة، تؤكد هذه التحركات أن نظام العسكر في مصر يقوم بدوره الوظيفي في حماية أمن الكيان الصهيوني على نحو صارم؛ وقد برهن السيسي على ذلك بتصريحات غريبة مؤخرا يؤكد فيها حرصه على تأمين حدود دولة الاحتلال؛ إذ صرَّح خلال كلمته بالندوة التثقيفية للقوات المسلحة (الخميس 09 مارس 2023م)، إنه «كان متخوفاً من حدوث عمليات (إرهابية) في شبه جزيرة سيناء ضد إسرائيل خلال أحداث 2011»، مضيفاً أنه أبلغ عن تلك المخاوف إلى وزير الدفاع الراحل حسين طنطاوي، "بسبب سيطرة المسلحين على شمال سيناء، وإمكانية قيامهم بعمليات على الحدود ضد إسرائيل». مضيفا أن «حدوث مثل تلك العمليات كان سيتسبب في أزمة مع الإسرائيليين». معترفا بأنه حال دون ذلك بــ« تواصله مع الجانب الإسرائيلي أثناء الأحداث (ثورة 25 يناير 2011)، من أجل إدخال قوات من الجيش المصري إلى مناطق في شمال سيناء للسيطرة عليها، وكان الرد إيجابياً بعد تقديم إخطار بعدد القوات، والتنسيق المستمر بشأنها مع إسرائيل». فهذه التصريحات تبرهن بأن تحركات السيسي على الدوام تستهدف ضمان أمن الاحتلال؛ فإدخال قوات في سيناء أثناء الثورة لم بهدف حماية الأراضي المصرية ولا أهالي سيناء بل من أجل تأمين حدود الاحتلال!