تعتبر الزيارة التي قام بها جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي السبت غرة إبريل 2023م إلى مدينة القنطرة شرق المتاخمة لشبه جزيرة سيناء هي الأولى له منذ عام 2015، في ظل هدوء ملحوظ تشهده سيناء حاليا. وكتب السيسي عبر صفحته على “فيسبوك”، قائلاً إنه “في ذكرى نصر العاشر من رمضان، تلك الذكرى التي تحقق فيها النصر لمصرنا الغالية، بعد أن تلاحم جيشها وشعبها في مشهد عبقري، سعيد بوجودي وسط أبنائي من مقاتلي القوات المسلحة المصرية شرق قناة السويس على أرض سيناء الغالية، وفخور بكفاءتهم واستعدادهم القتالي العالي”.
وكان جنرال الانقلاب قد تعهد بإقامة احتفال تطهير سيناء من الإرهاب في مدن رفح والشيخ زويد والعريش، وليس في القاهرة، لكن السيسي اكتفى بالذهاب إلى القنطرة شرق ولم يكمل إلى المدن الأخرى في غرب سيناء والتي تشهد توترات أمنية منذ سنوات طويلة تعود إلى مرحلة ما قبل الانقلاب العسكري في منتصف 2013م. وكانت آخر زيارة للسيسي إلى العريش، في يوليو2015، بعد هجمات دامية لتنظيم “ولاية سيناء” التابع لتنظيم داعش حاول خلالها السيطرة على مدينتي رفح والشيخ زويد، وأدت إلى مقتل عشرات الضباط والجنود.
وتشهد الشهور الأخيرة تحركات غامضة من جانب سلطات الانقلاب في شبه جزيرة سيناء، تتزامن مع الاهتمام الملحوظ مؤخرا بملف تنمية سيناء والذي يأتي في أعقاب عودة حزب الليكود اليميني المتطرف إلى صدارة المشهد السياسي في دولة الاحتلال الإسرائيلي وعودة بنيامين نتنياهو على رأس حكومة الاحتلال منذ نوفمبر الماضي “2022م”.
وقبل زيارة السيسي شهدت سيناء زيارات لمسئولين رفيعي المستوى بحكومة الانقلاب، ففي 12 يناير 2023م ترأس الفريق أسامة عسكر رئيس أركان القوات المسلح وفدا عسكريا رفيع المستوى وقام بجولة في شمال سيناء، وهي الزيارة التي سبقها إزالة كافة الكمائن العسكرية داخل مدن العريش والشيخ زويد، وتنظيف الطرقات من السواتر الرملية الضخمة والجدران الإسمنتية التي تحيط بالمواقع والمراكز الحيوية لتجنب الهجمات الخاطفة لتنظيم “ولاية سيناء”. عسكر قام بجولة ميدانية للعريش والشيخ زويد ورفح الجديدة، بحضور عدد من شيوخ سيناء، الذين شاركوا في تأسيس اتحاد قبائل سيناء المساند للجيش، حيث تعهد عسكر بتحسين ظروف الحياة خلال الفترة المقبلة، مؤكدا أن سيناء ستكون على موعد مع مزيد من الزيارات لقيادات ومسؤولين مصريين رفيعي المستوى، من الجيش والحكومة ومجلس النواب وغيرهم. وكشف أن سيناء على موعد مع تنفيذ مشروعات كبرى سيجري البدء فيها على أرض المحافظة خلال العام الحالي، بما يشمل تشغيل مطار وميناء العريش، لتنشيط حركة التنقل والتجارة، وكذلك تشغيل الطريق الدولي الجديد الذي يربط بين منفذ رفح البري ورفح الجديدة، وصولاً إلى طريق القنطرة المؤدي إلى قناة السويس، بما يخفف من معاناة المواطنين في المنطقة. بعد جولة عسكر بيومين، نظم رئيس الحكومة مصطفى مدبولي جولة (السبت 14 يناير2023م) في مدن شمال سيناء، وعقد مؤتمرا صحفيا مدعيا أن جولته نتيجة الأمان الذي تحقق وأن الدولة المصرية بكل أجهزتها بذلت جهدا هائلا لتطهير سيناء من الإرهاب ونزع جذوره، والعمل فى نفس الوقت على إقامة مشروعات تنموية. قال مدبولي إنها تدعو للفخر!
وحسب تصريحات السيسي فإن فاتورة ما تم إنفاقه في سيناء تصل إلى (40 إلى 50 مليار دولار نحو 1200 إلى 1500 مليار جنيه) بينما يؤكد مصطفى مدبولي رئيس الحكومة أن فاتورة التنمية في سيناء منذ 2014 حتى 2023 تصل إلى (610 مليار جنيه) فقط. ثم تأكيد السيسي أن النظام قد نجح في القضاء على الإرهاب، وأنه لم يعد هناك عذر لاستئناف مخططات التنمية بعد سحق عناصر تنظيم “ولاية سيناء” في مناطق تمركزهم؛ وذلك بعدما تمكن النظام من تجنيد قيادات بالتنظيم على صلة قرابة ببعض شيوخ القبائل المساندة للجيش بعدما تم إغراؤهم بالحماية والعفو عنهم ومنحهم حياة جديدة خارج سيناء مقابل دعم النظام وأجهزته الأمنية؛ الأمر الذي مكن النظام من الحصول على معلومات ذهبية شديدة الأهمية والخطورة بشأن تمركز عناصر التنظيم وفلسفة تحركاتهم. هذا بخلاف تحركات أخرى أهمها الحملة الأمنية على منطقة “البرث” إحدى مناطق نفوذ إتحاد القبائل المساند للجيش؛ وهي الحملة التي استهدفت زراعات وتهريب المخدرات والتي يقف وراءها قيادات رفيعة باتحاد قبائل سيناء الظهير الشعبي المساند للنظام في حربه ضد تنظيم «ولاية سيناء» التابع لتنظيم “داعش”.
ومنذ انقلاب 03 يوليو 2013م، الذي دبرته المؤسسة العسكرية ونسفت به المسار الديمقراطي وأجهضت به ثورة 25 يناير، خسرت القوات المسلحة الآلاف من ضباطها وجنودها خلال المواجهات المسلحة في سيناء وحدها، إلا أن الأشهر الأخيرة شهدت حالة من الهدوء لم يسبق لها مثيل منذ بداية سنة 2023م العام، كنتيجة عملية لضعف تنظيم “داعش” بشكل عام في الإقليم، وكذلك العمليات العسكرية الضخمة التي نفذها الجيش بشكل متكرر خلال السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى الفارق الملموس الذي أحدثته المجموعات القبلية المساندة للجيش أخيراً.
ويفسر بعض المراقبين أسباب ذلك إلى هذا الهدوء قد يكون شكلا من أشكال التراجع التكتيكي من جانب المسلحين، كما حدث من قبل في سنة 2021م حيث توقف التنظيم عن العمليات المسلحة عدة شهور قبل أن يعاود ت نظيم صفوفه وينفذ عمليات قاتلة أوقعت عددا من ضباط وجنود الجيش والشرطة والعناصر المسلحة المساندة للجيش في اتحاد قبائل سيناء.
وفقا لمحللين ومراقبين، هناك مخططات محبوكة وغامضة يجري تنفيذها على قدم وساق في شبه جزيرة سيناء، هذه المخططات تتخفى وراء لافتتين كبيرتين، الأولى هي الحرب على الإرهاب. والثانية هي التنمية المزعومة. لكن العامل المشترك في هذه المشروعات هو العمل على تغيير التركيبة السكانية والديموغرافية لسيناء من خلال تهجير آلاف السكان من مدنهم وقراهم في محافظة شمال سيناء لاسيما المنطقة المتأخمة للحدود مع قطاع غزة المحاصر. وإلى جانب الغموض المفروض على أهداف تلك الأنشطة التنموية والاستثمارية مع إطالة أمد “الحرب على الإرهاب” وغياب الشفافية في ما يتعلق بأسباب الفشل في القضاء على تنظيم “ولاية سيناء” على مدار السنوات الماضية تسود مخاوف من وجود روابط بين إصرار النظام العسكري على تغيير الهوية المجتمعية والتركيبة السكانية لسيناء وبين المخططات التي سبق وتضمنها الشق الاقتصادي من مشروع “صفقة القرن” (خطة الإملاءات الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية) الذي روّجت لها الإدارة الأميركية السابقة. وكان من بين المشروعات إقامة مجتمعات صناعية وزراعية لتشغيل الفلسطينيين في شمال سيناء، بدعم مالي مباشر للقاهرة وفق مخططات الوطن البديل لتصفية القضية الفلسطينية وتفكيك منظومة المقاومة في غزة.