قصور تُبنى في عاصمة إدارية جديدة شرقي القاهرة، وأبراج شاهقة الارتفاع على شاطئ البحر المتوسط في مدينة العلمين شمال البلاد، وبينهما قطار فائق السرعة يخدم الأغنياء بكلفة 23 مليار دولار.
وفي المقابل، فقراء يقدمون على الانتحار بسبب معاناتهم من ضغوط أسرية، لا تنفصل بطبيعة الحال عن تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تحت حكم السفاح السيسي.
صفٌ طويل من الباعة الذين حملوا «أحشاء بيوتهم» على أكتافهم من أماكن مختلفة من القاهرة وضواحيها على أمل وجود المشتري الذي يقدر تلك القطع من الخردة، فكل قطعة فريدة من نوعها، للوهلة الأولى يختلط عليك الأمر؛ من أي ماكينة أو جهاز خرجت تلك القطعة الصغيرة غير المفهومة، إلى أن يتوقف سائق دراجة أو عابر طريق ويتفحصها جيدا ثم يسأل عن ثمنها ويأخذها بنصف أو ربع ثمنها ويرحل.
وتتضح أنها قطعة غيار لدراجته النارية أو ترس لساعة باتت تروسها القديمة بالية، وتصليحها أقل عبئا من شراء جديدة، فالعابر يراها لا شيء، لكن هي في الحقيقة طوق نجاة لمشتريها المنتظر وسط تضخم الأسعار وارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه المصري.
ما تبقى للمصريين
ما بين جنيه وخمسة جنيهات، وإن زادت لا تتخطى ورقة بعشرة، يمكنك شراء ما تشاء من غالبية البائعين الذين حملوا ما تبقى من منازلهم أو منازل غيرهم، ويتوافد عليهم الزبائن من راكبي القطار والمتنقلين بين القاهرة ومحافظاتها، ولا يعد سوق الخردة هذا الوحيد من نوعه؛ فتجد مثيله أيضا جوار قطار إمبابة؛ حيث يصطف بائعو الخردة والكتب القديمة، منتظرين راكبي «قطار الغلابة» من الطلاب والموظفين كي يشتروا منهم قطعة أو اثنتين.
على مدار ما يزيد على شهر؛ أمرُّ من أمام امتداد قطار رمسيس وأجد أولئك الباعة ما بين الواحدة والسادسة مساء يجلسون كل يوم ويضعون الخردة أمامهم، منتظرين المشتري، لا يملون أو يرحلون باكرا، ويبقى السؤال، ماذا يحدث مع تلك القطع القديمة وهل لها مشترٍ بالفعل أم تبقى هكذا كل يوم؟ وكان الأجدر بالإجابة عن ذلك هم الجالسون خلف تلك القطع والمتعايشون مع صعابها وكيف وصل بهم الأمر إلى ذلك.
ويسعى السفاح السيسي جاهدا إلى فصل المجتمع المصري إلى عالمين، الأول خاص بالأغنياء وبحاشيته من المسؤولين الكبار في الدولة وأسرهم، ويظهر ذلك بوضوح من خلال توجيه الحكومة مخصصات الموازنة لبناء الطرق والجسور الرابطة بين المنتجعات والمدن الجديدة.
أما الثاني فهو للغالبية العظمى من المصريين المسحوقين تحت وطأة الغلاء، ويعانون من غياب الخدمات الأساسية، وارتفاع أسعارها بصورة تفوق قدراتهم المالية.
ولعل انتحار موظف بإلقاء نفسه من أعلى المبنى الذي يقع فيه مقر عمله، في ضاحية التجمع الخامس بالقاهرة، نتيجة تراكم ديون القروض و”البقالة” عليه، وتعرضه إلى مضايقات مستمرة من مديره، وتهديده بالفصل، أبرز دليل على فقد قطاع كبير من المصريين للأمل في غد أفضل.
ليس فقط من جراء ارتفاع تكلفة المعيشة منذ تحرير سعر صرف الجنيه قبل 5 سنوات، ولكن أيضا للزيادة الكبيرة في أسعار البنزين والكهرباء والغاز الطبيعي ومياه الشرب عاما بعد عام.
لا أملك ما يكفي
على بعد خطوات في امتداد شارع رمسيس، تجد رجلا خمسينيا يقف أمام قطعة قماش صغيرة الحجم يُدعى عصام، بدأ عمله في تلك المهنة منذ عام تقريبا، ويشارك «الحرية والعدالة» سبب لجوئه إلى ذلك، فيقول «منذ 11 شهرا سُحبت مني رخصة القيادة، وقتها كنت أعمل سائقا على تاكسي أحد المعارف، وتعطلت فجأة السيارة في الطريق قرب مديرية الأمن، حاولت تصليحها أو تحريكها لكن كان الأوان قد فات، بعد أن سحب أحد رجال المرور رخصتي، وتغريمي 1700 جنيه مخالفة؛ لم أكن أملك غير 35 جنيها لا أكثر، إذ أعيش أنا وأطفالي وبيتي بقوت يومي، وأحيانا لا أملك ما يكفي لمدارسهم».
ويضيف عصام «لم أجد وظيفة أو عملا في ظل الرخصة المسلوبة بعد أكثر من 35 عاما من عملي سائقا، حاولت العمل في العديد من الوظائف لكنها لم تكن تكفي لسد احتياجات البيت والأولاد؛ فلديّ طفلان وشابة عروسة، بدأت أبيع كل شيء في البيت قطعة ثم الأخرى، سواء كانت أوانيَ أو ملابس أو حتى لعب الأطفال، فماذا سأفعل أمام طفل يسأل عن مصاريف مدرسته أو كتبه؟ مع الوقت بدأت أفهم أبعاد العمل في الخردة ولم أعد أبيع فقط قطع بيتي، بل بدأت أندمج مع غيري من البائعين نتبادل القطع معا أو أشتري من سائقي عربات الروبابيكيا بعد أن أخذت جولتها على المنازل».
يكمل رب الأسرة حديثه «ارتفاع الأسعار جعل الجميع يبحث وراء سوق الخردة، وبات الشعب أكثر إدراكا لها، بعد أن أصبحت السبيل الوحيد لتصليح آلة ثمنها عشرات أضعاف تلك القطعة من الخردة، فيقف أمامنا سائقو الملاكي والدراجات النارية، الجميع يبحث عن طلبِه؛ قطع صغيرة ودقيقة تعيد الحياة لأدواته التالفة، والبعض الآخر يشتري القطعة القديمة ويصلحها بدلا من شراء الجديدة التي لا يقوى على ثمنها، مثل ذلك المشترك القديم، فمن يشتريه يستبدل السلك ويعود للعمل، وأحاول الذهاب للأسواق مثل سوقَي الأحد والخميس لكسب العيش بجانب العمل جوار القطارات».
نستكمل خطواتنا في الشارع لنجد أحمد، الذي لجأ لبيع الخردة كي تسانده جوار عمله الصباحي، وتدخل له جنيها أو 10 تسد جوع أسرته، فبدأ العمل بها منذ عامين تقريبا، بعد أن لفت انتباهه الباعة على الطريق خلال ذهابه وإيابه من العمل من حلوان إلى شبرا، ويعلق «لست مداوما على العمل هنا، لكن بدأت أحضر قطعا من بيتي ومن باقي البائعين حولي وأبيعها، فالموظف يجب أن يبحث عن أي مصدر آخر؛ لأن البيت يحتاج للكثير من المصاريف، أما عن الزبائن فبعضهم يحتاج قطعة مفقودة لدراجته والآخر يبحث عن قطعة للسباكة في بيته، كل شيء مطلوب والمستعمل ليس فقط أرخص؛ لكنه أكثر جودة من الجديد المصنوع بجودة رديئة، فكل ما هو قديم، جودته أعلى».
الحمل ثقيل
أما أكثر الصعاب التي تواجهه، فهو الحمل الذي يحمله على ظهره، فبعض القطع تكون ثقيلة وتظل دون بيع لفترة طويلة، ويضطر في النهاية إما لبيعها أو تركها حتى يأتي زبونها، فأكثر ما يعمل به مستلزمات وقطع السيارات، التي يحضرها عادة من مختلف الأسواق الأخرى مثل سوق الخردة المجاور لسوق السمك في غمرة.
في نهاية يوم عمل طويل تجد أحمد قد اشترى لأبنائه الثلاثة وزوجته ملابس وحذاء من البائعين جواره بمكسب يومه الذي لم يتعد 20 جنيها.
ويرى خبراء اقتصاد أن أكثر من نصف عدد السكان في مصر يقبعون تحت خط الفقر، نتيجة سياسات ترضخ إلى تعليمات صندوق النقد بشأن تقليص الدعم، وتحرير أسعار الوقود والكهرباء نهائيا، فضلا عن خفض أعداد الموظفين الحكوميين، ارتباطا بالحصول على عدة قروض من الصندوق بلغ إجماليها 20 مليار دولار تقريبا منذ 2016.
والفقر متعدد الوجوه في مصر، فهو لا يرتبط فقط بقلة النقود والمداخيل وارتفاع حجم الإنفاق، بل كذلك بالمعاناة الطويلة من البطالة التي تطاول نحو 17% من الشباب.
بينما يكثف جنرالات العسكر من إقامة الاحتفالات والمهرجانات التي تكلف خزينة الدولة ملايين الدولارات، بصفة باتت شبه أسبوعية تحت شعار “الجمهورية الجديدة”، و”الإنجازات” التي تحققها الدولة في مجالات الطرق والجسور والنقل والكهرباء.