لماذا  يريد السيسي من المصريين أن يكونوا «خباصين» على أولادهم؟

- ‎فيتقارير

لا تزال تصريحات الدكتاتور عبدالفتاح السيسي خلال جولته التفقدية لشبه جزيرة سيناء الأحد 26 فبراير 23م، تلقى سخطا وسخرية من معظم الشعب المصري، لا سيما تهربه من تحمل المسئولية عن الخراب الذي يعم البلاد وانهيار الاقتصاد على نحو مرعب في ظل غلاء فاحش طال كل شيء وأسقط عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر.

لكن تصريحات السيسي التي طالب فيها المواطنين بأن يتحولوا إلى (خباصين) للنظام قوبلت سخرية لاذعة لم تتوقف حتى اليوم؛ فقد طالب الأهالي بالإبلاغ عن أبنائهم من الشباب لتقوم الدولة بـ"توعيتهم وإصلاح أفكارهم"؛ الأمر الذي اعتبره  كثير من الخبراء والمحللين تفتيتا لما تبقى من المجتمع الذي مزقه الانقلاب العسكري في يوليو 2013م، وما تلاه من مذابح تأسست على العنصرية والكراهية والتمييز  بناء على الانتماء الفكري والسياسي. فعداء النظام العسكري لبعض القيم الإسلامية والديمقراطية كالشريعة والشورى وصناديق الاقتراع والعدالة والحرية المبنية على حرية الإرادة الإنسانية والخلافة والوحدة الإسلامية، هذا العداء دفعه إلى شن حروب مسعورة على كل مسلم أو حتى علماني يؤمن بهذه القيم الكبرى أو ببعضها؛ لأن النظام في حالة عداء مستمر مع هذه القيم (الشريعة ـ العدل ـ الحرية ـ سيادة الشعب ـ التداول السلمي للسلطة) فهو يخشى من تكوين نظام شرعي يستمد وجوده من إرادة الشعب الحرة بما يسهم في تدمير المعادلة القائمة للحكم والتي ترتهن  في جوهرها لإرادة ومصالح قوى دولية وإقليمية ترى في الحكم العسكري مصلحة كبرى لها.

واعتبر مغردون التصريحات غاية في الخطورة، ودعوة للفرقة بين المصريين وانقسام الأسرة الواحدة. فهذه التصريحات تعنى ببساطة أن يتحول المصريون إلى عصابة من المخبرين والخباصين على أولادهم وأقاربهم وجيرانهم. فالسيسي لديه انفصام في الشخصية ويعاني من مرض عضال لأن هذه التصريحات تؤكد أن مغيب عن الواقع؛ فهو يفترض أن نظامه يحظى بقاعدة شعبية معتبرة ويحظى برضا شعبي يدفع المواطنين إلى الدفاع عنه ضد خصومه ومعارضيه؛ وهذا التصور فاسد من كل الوجوه؛ ذلك أن المصريين اليوم وتحت وقع الغلاء الفاحش باتوا يتلهفون على اللحظة التي يتم فيها الإعلان عن اغتيال السيسي او الانقلاب عليه أو اندلاع ثورة جديدة تحرر الناس والوطن والمجتمع من هذا النظام العسكري البغيض الذي فاق في فساده وإجرامه وفشله كل نظم الاحتلال كالإنجليز والفرنجة وغيرهم.

من جهة أخرى فإن تصريحات السيسي تفتح الباب مجددا أمام البلاغات الكيدية؛ فكل شخص له خصومه مع جاره أو زوجة مع زوجها أو شقيق مع شقيقه وهي مشكلات تحدث بكثرة هذه الأيام بإمكانه أن يقدم بلاغا كيديا  في خصمه للامن الوطني؛ فيتم اعتقاله ويتعرض للإهانة والإذلال أياما وأسابيع وقد تمتد لشهور حتى يثبت كيدية البلاغ المقدم وهو ما يفتح الباب أمام مزيد من التمزق والتفتت بما ينذر بانهيار المجتمع ذاته.

من جهة ثالثة، يعتبر كثيرمن المراقبين أن تصريحات السيسي تؤكد أن نظام 30 يونيو الانقلابي لا يرى ضمانة لبقائه على رأس السلطة بالحديد والنهار إلا في  تمزيق المجتمع وتفتيته على الدوام؛ وفق قاعدة (فرق تسد).

نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي رصدوا مضامين تصريحات الجنرال ومآلاته الكارثية على المجتمع المصري؛ حيث كتب مصطفى غاندي: "بلغوا على بعض يا جماعة واللي زعلان من التاني فيكم أو عنده خصومة مع حد ممكن يبلغ عنه إنه معارض وبيتكلم عن النظام بسوء، انقسموا فيما بينكم أكتر وأكتر خافوا من بعض أكتر وأكتر علشان ده الضمان الوحيد لبقاء الباشا في الحكم".  وتضيف غادة نجيب زوجة الفنان هشام عبدالله وعضو حركة تمرد سابقا: "في 2013، قسم مصر بالتفويض تحت شعار محاربة الإرهاب المحتمل، 2023 بيعمل فتنة جديدة وبيقسم المتقسم وبيعمل حالة شك وعدم ثقة داخل الأسرة الواحدة تحت شعار ابنك متلخبط، لو إبليس بينا وعايز يدمرنا مش هيعمل أكتر من كدة". في حين نبّه فرج نصار إلى التشابه بين واقع السيسي ورواية "1984" لجورج أورويل بالقول: "في رواية 1984 جورج أورويل كان كاتب إن الدولة هتجند الأطفال والشباب وهيبقوا جواسيس على أهاليهم، وأهو الأخ الأكبر عايز المصريين يشتغلوا مرشدين على بعض".

وعلى طريقة فيلم "معالي الوزير"، هاجم إيهاب شيحة: "إعلان مصلحة الضرائب المنحط للإبلاغ عن كل متهرب من الضرائب يفتح الباب لكل حاقد على صاحب عمل، أو موظف لديه مشكلة مع صاحب عمله، أو أي شخص يريد إيذاء أي مواطن، أن يبلغ عنه، وهذا أوسع أبواب التفسخ المجتمعي، لكن أن يطلب رأس سلطة من أم/ أب أن يبلغ عن ابنه فهو…عمرك شفت سفالة كده؟؟".

أمّا مصطفى جاويش فكتب: "ومن ضمن فعاليات العشرية السوداء، خرج ‎السيسي اليوم يطلب من شعب مصر التجسس على بعضهم البعض بحجة إصلاح اللخبطة التي يعاني منها الناس". وعبّر عمر حازم عن صدمته ونشر التصريح متسائلاً: "يا نهار اسود! هو قال كدا بجد؟". كذلك، سخرت داليا رفعت قائلة: "وصلنا إلى ليفيل الأهل يبلغوا عن ولادهم ودي حاجة تضعنا في مصاف أعتى الدول البوليسية. أخيراً هناخد ترتيب في الديكتاتورية الجميلة".