رحيل رئيس حزب الشعب الجمهوري السابق دنيز بايكال.. ما الذي أصابه بالإحباط قبل وفاته ؟

- ‎فيتقارير

توفي زعيم حزب الشعب الجمهوري السابق دنيز بايكال، عن عمر يناهز 84 عاما في مدينة أنقرة، وقال رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كيليتشدار أوغلو، عقب وفاة بايكال “ببالغ الحزن علمت بوفاة رئيسنا ورئيس حزب الشعب الجمهوري السابق، ونائبنا في أنطاليا، شيخنا الغالي دنيز بايكال، ترك إرثا من قصة حياته، تعازي أمتنا”.

وأثناء محاولة الانقلاب الفاشلة في العام 2016 التي استغرقت ساعات في تركيا، خرج الأتراك إلى الشوارع منددين بالانقلاب العسكري واحتشدوا بعدها مناصرين للنهج الديمقراطي ومعربين عن ابتهاجهم بفشل العملية الانقلابية، كما خرج آلاف الأتراك للتظاهر قرب سفارة بلادهم وقنصلياتها في عموم أوروبا وأمريكا تنديدا بالانقلاب العسكري، ورفع المتظاهرون الأعلام التركية دعما للديمقراطية.

 

إحباط 

ودعت تركيا قبل أيام “دنيز بايكال” رئيس حزب الشعب الجمهوري السابق ، وقطب العلمانية الكمالية ، الذي قال إنه “أصيب بالإحباط السياسي عندما كانت شابة في البحر الأسود تصب الماء لسيدة مسنة لتتوضأ، ثم سألتها لأي حزب تنتمي؟ قالت  لحزب الشعب الجمهوري ، فقالت العجوز، إذن لا بد من إعادة وضوئي”. 

وكانت قد أعلنت أسلي بايكال، ابنة بايكال بأن والدها توفي أثناء نومه في المنزل هذا الصباح، مضيفة نخطط لدفن الجثة في أنطاليا يوم الثلاثاء، ومعربة عن قبولها التعازي في منزلها في أنقرة بعد الظهر، تعازي لنا جميعا”.

وقال متحدث الرئاسة إبراهيم قالن، في رسالته بعد وفاة بايكال  ” أود أن أعبر عن تعازي لدنيز بايكال، أحد الشخصيات المخضرمة في السياسة التركية، والسياسي ورجل الدولة المتمرس، والرئيس السابق لحزب الشعب الجمهوري، وإلى أقاربه وكل معجبيه ومجتمع حزب الشعب الجمهوري” .

كما وقال وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو “أتمنى رحمة الله على الرئيس السابق لحزب الشعب الجمهوري، أحد وزراء خارجيتنا السابقين، وزميلنا العزيز نائب أنطاليا، دنيز بايكال، وأقدم التعازي والصبر لأسرته” .

ولد في 20 يوليو 1938 في أنطاليا، وتخرج من كلية الحقوق بجامعة أنقرة، وحصل على الدكتوراة من كلية العلوم السياسية، واصل دراساته بعد الدكتوراة لمدة عامين في جامعتي كولومبيا وبيركلي بالولايات المتحدة الأمريكية، وعمل محاضرا في كلية العلوم السياسية كأستاذ مشارك في العلوم السياسية، وله مؤلفات ومقالات في مجال العلوم السياسية .

 

سنوات الانقلاب

بعد تأسيس الجيش التركي الحامي للقيم الكمالية، بدأ التدخل الحقيقي للجيش في الحياة المدنية، ففي كل انقلاب كان العسكريون يشرعون ويقومون بتعديلات دستورية، ما يزيد من سيطرتهم على المؤسسات المدنية أكثر فأكثر.

وكانت للحرب العالمية الثانية أثرها الخاص على تركيا رغم عدم مشاركتها، فقد عانت من تبعاتها الاقتصادية التي زادت فيها نسبة التضخم في السوق التركي بشكل كبير؛ مما اضطرها للتعاون مع الولايات المتحدة والأمم المتحدة للحصول على المساعدات الاقتصادية، وكعادة الولايات المتحدة، لا يمكن الحصول على المساعدات دون شروط مسبقة، وفي هذه الحال كان «الناتو» والديمقراطية الليبرالية.

بعدها بدأت فكرة التعددية الحزبية تأخذ حيزا من النقاش السياسي، فأنشئ «الحزب الديمقراطي» عام 1946 من قبل أربعة أشخاص كانوا منتمين لـ«الحزب الجمهوري» والمنتقدين لبعض سياساته، منهم جلال بيّار وعدنان مندريس، واستطاعوا الفوز بأغلبية ساحقة عام 1950، ليصبح بيار رئيسا للجمهورية، ومندريس رئيسا للوزراء، وبدأوا بتخفيف الضغط على المتدينين وإعطاء مساحة حرية للشعب.

وبدأ مندريس من خلال خطاباته الاستعانة بالشعب في مواجهة العسكر؛ إذ كان يؤكد على أنّ الحارس الحقيقي لتركيا هو الشعب التركي، وذلك من خلال «صناديق الاقتراع»، لكنّ مندريس لم يفلح في سعيه، ليبدأ انقلاب يوم 27 مايو (أيار) عام 1960 بقيادة الجنرال جمال جورسيل، معتقلا قيادات «الحزب الديمقراطي» والحكم عليهم بالسجن المؤبد، إلا مندريس؛ كان مصيره الإعدام شنقا.

كان صعود حزب إسلامي بالنسبة للعسكر خطرا كبيرا، لخوفهم من محاولتهم فرض برامج ثقافية وتعليمية لنشر الفكر الإسلامي ومحو الفكر الكمالي، وأخذت المؤسسة العسكرية مراقبة نشاط «حزب الرفاة» وظاهرة الإسلام السياسي عموما من خلال تفعيل مجموعة «العمل الغربية»، وكان هدفها جمع المعلومات اللازمة حول ظاهرة الإسلام السياسي في المجتمع التركي، من خلال متابعة جمع معلومات شخصيات تقود هذه الظاهرة، ومنصات إعلامية، ومؤسسات الوقف والنقابات التابعة.

 

لم يكن وضع تركيا الحالي يسمح بانقلاب عسكري مباشر، فاضطر العسكر لعمل انقلاب ناعم، عرف أيضا انقلاب «ما بعد حداثي» وذلك من خلال فرض مجلس الأمن القومي برنامجا عملت عليه مجموعة العمل الغربية ووحدة تسمى «وحدة إدارة الأزمات» والتي عملت على إنتاج تقارير لدراسة الظاهرة الإسلامية في المجتمع التركي، وأسباب صعودها، وقدم بعد ذلك إلى الحكومة قرارات تنفيذية، حيث أصبح أربكان منوطا بتنفيذ هذه القرارات التي تجعل أربكان يلتزم قانونيا بالتصدي للمؤسسات الإسلامية في المجتمع التركي بمختلف جوانبها.

حاول أربكان اتخاذ سياسات تكسبه بعض الوقت لعدم تنفيذ هذه القرارات الصادرة من مجلس الأمن القومي، إلا أنه بعد حملة إعلامية كبيرة شنت ضده، وطلب شريكته طانصو تشيللر تسليمها رئاسة الوزراء، وكان تسليم رئاسة الوزراء حينها يتطلب تغيير الحكومة، قدم أربكان استقالته مؤملا من الرئيس تعيين تشيللر، إلا أنه عيّن مسعود يلماز رئيس «حزب الوطن الأم» لتشكيل الحكومة، وبهذا اعتبر انقلابا ناعما على حكومة أربكان.

اتبع أردوغان الخطوط العريضة التي رسمها مندريس وأوزال وأربكان، وكان مساهما بشكل كبير في التغيير والتحول والتطور الذي حققته تركيا، وتمثل ذلك في التخلص من وصاية العسكر، والسعي للدخول في الاتحاد الأوروبي، وإلغاء قانون منع الحجاب، وحل قضية الأكراد، والسماح للمحجبات بعضوية مجلس النواب، ودخول مجلس الوزراء، وإدخال دروس القرآن الكريم ضمن المنهج الدراسي، وإلغاء التعليم الإلزامي ثماني سنوات في 28 فبراير، والقضاء على “مخطط أماسيا”، وإلغاء المادة 35 للخدمة الداخلية للقوات التركية الخاصة التي كانت تمثل غطاء قانونيا للانقلابات، ومحاسبة الانقلابين.

لا تنطلق العداوة لأردوغان من المنافسة السياسية فحسب، بل هي عداوة غير مباشرة لما حققه من إنجازات للشعب وللأمة الإسلامية من قيم، إنهم يتحاملون على أردوغان لأنهم يعلمون أن فشل هذه المهمة العظيمة يكمن في سقوطه وتعثره، فخططوا لإسقاطه لهذا السبب.